تتجه السعودية وفرنسا إلى توسيع حضورهما الاستثماري في سورية، عبر تأسيس مجلس أعمال ثلاثي مشترك، يستهدف بناء إطار مؤسسي لتطوير العلاقات الاقتصادية وتحفيز الاستثمارات، في وقت تسعى فيه دمشق إلى استقطاب رؤوس الأموال اللازمة لإعادة إعمار اقتصاد أنهكته سنوات الحرب.
جاء الإعلان عن المجلس في البيان المشترك الصادر في ختام زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، إذ أكدت الرياض وباريس التزامهما بوحدة سورية واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، وشددتا على أهمية وجود إطار مؤسسي قوي يتيح تكثيف الاستثمارات والتعاون الاقتصادي.
يحمل المجلس الجديد بعداً يتجاوز تعزيز العلاقات التجارية بين الدول الثلاث، إذ يأتي في وقت تبرز فيه سورية كحلقة محتملة لإعادة ربط طرق التجارة بين أوروبا والخليج وآسيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط البحر المتوسط بالعراق ودول الخليج.
اقرأ أيضا: أمريكا تلغي تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب | صحيفة الاقتصادية

ممر تجاري جديد
بحسب البيان السعودي-الفرنسي، فقد رحبت الرياض وباريس بإمكانية الاستفادة من موقع سورية لإعادة ربط طرق التجارة بين أوروبا والخليج وآسيا، مع التركيز على تطوير طرق بديلة، وهو ما قد يمنح قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والموانئ والطاقة أهمية متزايدة في مرحلة إعادة الإعمار.
يأتي هذا التوجه في ظل اضطرابات متزايدة في بعض طرق التجارة الإقليمية، دفعت دولاً وشركات إلى إعادة تقييم مسارات سلاسل الإمداد والبحث عن بدائل أكثر تنوعاً وأماناً.
يمثل الموقع السوري، في حال استعادة البنية التحتية ورفع كفاءة المعابر والطرق وشبكات النقل، نقطة اتصال محتملة بين موانئ البحر المتوسط والأسواق الخليجية والعراقية، بما قد يعزز دور البلاد في حركة التجارة الإقليمية.
تحرك فرنسي نحو الاقتصاد السوري
تزامن إطلاق مجلس الأعمال مع تسارع الانفتاح الفرنسي على دمشق.
في يوليو، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارة إلى دمشق، استعداد بلاده للمساهمة في إعادة إعمار سورية مع تشكيل لجان اقتصادية مشتركة وموسعة.
الرئيس السوري أحمد الشرع دعا الشركات الفرنسية إلى الاستثمار في بلاده، فيما أشار ماكرون إلى فرص محتملة أمام الشركات الفرنسية في قطاعات الطاقة والقطاع المصرفي، في ظل حاجة الاقتصاد السوري إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

امتد الحضور الفرنسي إلى قطاع النقل واللوجستيات، مع توسيع مجموعة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية للشحن نشاطها في سورية، بما في ذلك اتفاق يتعلق بمناولة الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، بعد الإعلان عن عقد لتشغيل ميناءين جافين.
كما استثمرت المجموعة 230 مليون يورو في تطوير ميناء اللاذقية، مع خطط لضخ 200 مليون يورو إضافية لزيادة طاقته الاستيعابية، بحسب تصريحات للشرع.
لم يقتصر التحرك الفرنسي على الاستثمارات المباشرة، إذ شمل أيضاً عملية لإعادة 51 مليون يورو من الأصول المصادرة من عائلة الأسد إلى سورية، إلى جانب تقديم مساعدة تقنية إلى مصرف سورية المركزي، ما يعكس اتساع نطاق التعاون ليشمل الجوانب المالية والمؤسسية.
اقرأ أيضا: السعودية تفتتح مركز "تأشير" في دمشق لتعزيز التجارة مع سورية | صحيفة الاقتصادية
4 مليارات دولار تفاهمات سعودية
في المقابل، كثفت السعودية تحركها الاقتصادي تجاه سورية خلال الفترة الماضية، مع زيارة وفد سعودي ضم نحو 120 مستثمراً، نتج عنها توقيع أكثر من 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم في نحو 11 قطاعاً بقيمة تجاوزت 6.4 مليار دولار.
تتجه الرياض ودمشق إلى نقل هذه التفاهمات من مرحلة الاتفاقات إلى التنفيذ، بما يحولها إلى مشاريع استثمارية فعلية تدعم النشاط الاقتصادي وتوفر فرصاً في قطاعات متعددة.
يعطي إنشاء مجلس الأعمال الثلاثي زخماً لهذه التفاهمات، من خلال توفير منصة تجمع المستثمرين والشركات والجهات الحكومية في الدول الثلاث، وتساعد على تحديد الفرص الاستثمارية وتسهيل الشراكات وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.
كان الشرع قد وصف السعودية بأنها "مفتاح سورية للتنمية الاقتصادية والتكامل"، مؤكداً أن بلاده تستهدف بناء اقتصادها عبر الاستثمار بدلاً من الاعتماد على المساعدات.
216 مليار دولار فاتورة إعادة الإعمار
تواجه سورية فجوة استثمارية ضخمة، إذ تقدر احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي، ما يجعل الاستثمارات الخارجية والشراكات مع القطاع الخاص عاملاً رئيساً في تمويل عملية التعافي.
لا تقتصر الاحتياجات على إعادة بناء المنشآت المتضررة، بل تمتد إلى تحديث شبكات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، وإعادة تأهيل الموانئ والطرق، وتطوير القطاع المصرفي والصناعات والخدمات.
من شأن عودة الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحسين البيئة التنظيمية والمالية، أن تدعم إعادة تشغيل الأصول الإنتاجية وتوفير فرص العمل وزيادة قدرة الاقتصاد السوري على الاندماج في محيطه الإقليمي.
السعودية وفرنسا.. دور اقتصادي متنامٍ
يشير تأسيس مجلس الأعمال إلى انتقال التعاون السعودي والفرنسي بشأن سورية إلى مستوى أكثر تنظيماً، بعد أن كان التركيز خلال الفترة الماضية منصباً بدرجة أكبر على الملفات السياسية والإنسانية.
كما يعكس التحرك تقاطع المصالح السعودية والفرنسية في دعم استقرار سورية اقتصادياً، مع اختلاف طبيعة الحضور؛ إذ تملك السعودية قدرة مالية واستثمارية كبيرة وعلاقات إقليمية واسعة، بينما تمتلك فرنسا حضوراً أوروبياً وشركات لديها خبرات في قطاعات البنية التحتية والنقل والطاقة والخدمات.
بذلك، يمكن أن يشكل المجلس منصة لتجميع هذه المزايا وربط رأس المال السعودي والخبرة الفرنسية بالفرص الاستثمارية السورية، خصوصاً في مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
يأتي ذلك في وقت تحاول فيه دمشق إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية الخارجية، وتحويل موقع سورية الجغرافي من عامل ارتبط تاريخياً بالصراعات الإقليمية إلى ميزة اقتصادية يمكن توظيفها في التجارة والنقل والاستثمار.
مع ذلك، يبقى تحويل التفاهمات المعلنة إلى استثمارات فعلية مرتبطاً بقدرة سورية على تحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأطر القانونية والمالية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب استقرار الأوضاع السياسية والأمنية واستكمال متطلبات الاندماج المالي والتجاري مع الاقتصاد العالمي.

