الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

تتوسع السعودية في استخدام تقنيات الزراعة دون تربة لمواجهة شح الموارد المائية وزيادة الإنتاج الزراعي، بالتزامن مع دخول الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة المحاصيل وتحديد احتياجاتها، بما يسهم في تقليل الاعتماد على العمالة والمساحات الزراعية التقليدية.

وتتيح هذه التقنيات خفض استهلاك المياه بنحو 97% مقارنة بالحقول المفتوحة، فيما يراوح العائد على الاستثمار في المحاصيل التقليدية بين 30 و38%، ويصل إلى 110% في المستنبتات.

وقال لـ"الاقتصادية" المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة إيراما، المهندس عبدالله سحاب، إن المستثمر يمكنه استرداد رأسماله خلال عام واحد عند استخدام التقنية في المستنبتات، بينما تستغرق فترة استرداد الاستثمار بين عامين ونصف و3 أعوام ونصف عند استخدامها في زراعة خضراوات السلطة والطبخ.

وتراوح تكلفة إنشاء المتر المربع الواحد من هذه المزارع بين 5 و9 آلاف ريال، شاملة البناء والتكييف والمنظومة التقنية، وفقاً لمساحة المشروع وموقعه ونوع الأنظمة المستخدمة.

وتصل تكلفة تشغيل المزارع المحمية إلى نحو عُشر تكلفة الإنتاج في الحقول المفتوحة، إذ يمكن أن تنخفض تكلفة إنتاج طن من أحد المحاصيل من ألف ريال في الزراعة التقليدية إلى نحو 100 ريال باستخدام التقنية، مع اختلاف التكلفة بحسب نوع المحصول والمنظومة.

Mon, 27 2025

إنتاجية المساحة ترتفع حتى 80 ضعفا

أوضح سحاب أن الزراعة المائية هي الاسم الشائع للزراعة دون تربة، التي تعتمد على بدائل مثل الصوف الصخري والصوف البركاني وغيرها من الوسائط، وتستخدم لإنتاج خضراوات السلطة والطبخ وبعض أنواع الفواكه والمحاصيل المرتبطة بالاستهلاك اليومي.

وتتزايد الحاجة إلى هذه التقنيات في السوق السعودية مع شح المياه وتراجع أعداد العاملين في مهنة الزراعة، فيما تتيح الأتمتة والأنظمة الميكانيكية لشاب أو فتاة إدارة ما يعادل 5 أو 6 مزارع في وقت واحد.

ويمكن للأنظمة الحديثة رفع إنتاجية المساحة الزراعية إلى ما يراوح بين 8 و80 ضعف إنتاج الحقول المفتوحة، وفق نوع التقنية والمحصول وطريقة توزيع النباتات، مع إمكانية الإنتاج خلال مواسم متعددة داخل مساحة محدودة.

خفض استهلاك المياه

تستهلك حقول الزراعة دون تربة ما بين 3 و5% فقط من كمية المياه المستخدمة في الحقول المفتوحة، نتيجة إعادة معالجة المياه وإدخالها مجدداً في دورة الري، ما يحقق وفراً يصل إلى 97%.

وقال سحاب إن غياب أنظمة التحكم والأتمتة في بعض الحقول المفتوحة يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه، كما قد يتسبب الإفراط في الري في تعفن الجذور وانخفاض جودة المحاصيل.

وتعد السعودية، بحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" لعام 2025، من بين أكثر 3 دول في العالم فقراً في المياه، وتستهلك ما يعادل 987% من مواردها المائية المتجددة.

ويستحوذ القطاع الزراعي على أكثر من 84% من استهلاك المياه، مقابل نحو 12% للقطاع السكني و4% للقطاعين التجاري والصناعي، في حين يغطي الإنتاج المحلي نحو 7% من الاحتياج الغذائي، بحسب الأرقام التي أوردها سحاب.

ويشكل خفض استهلاك المياه أحد أبرز دوافع الاستثمار في الزراعة الحديثة، إلى جانب زيادة الإنتاج وتقليص المساحات المستخدمة وخفض الحاجة إلى العمالة وتحسين جودة المحاصيل.

Wed, 29 2026

إدارة المزرعة بالذكاء الاصطناعي

اختبرت شركة "إيراما" نحو 128 محصولاً باستخدام تقنيات الزراعة دون تربة، شملت الخس والجرجير والكزبرة والبقدونس والطماطم والفراولة والقرعيات وبعض أنواع الكرز والأشجار المثمرة.

وسجلت خضراوات السلطة والطبخ أفضل عائد استثماري بين المحاصيل التي خضعت للتجربة، مدفوعة بارتفاع الطلب عليها وإمكانية إنتاجها بصورة مستمرة.

وتتيح المزرعة الواحدة إنتاج محاصيل متعددة تشمل الخس والكزبرة والجرجير والبقدونس والطماطم والفراولة، مع إمكانية عزل كل رف والتحكم في تغذيته وإضاءته ودرجة حرارته بشكل مستقل.

وبحسب سحاب، فإن تخصيص الظروف المحيطة بكل محصول يسمح بتنويع الإنتاج داخل المتر المربع الواحد، بخلاف الحقول المفتوحة التي تتأثر بالمناخ وطريقة الري والمساحات المتاحة.

وينتج المتر المربع الواحد في إحدى المنظومات نحو 25 كيلوجراماً شهرياً، بينما تسمح المزارع العمودية باستغلال الارتفاع ومضاعفة أعداد النباتات في المساحة نفسها.

وتدار المزرعة عبر نحو 32 حساساً ومضخة مرتبطة بوحدات تحكم وإنترنت الأشياء لمراقبة التغذية والإضاءة ودرجات الحرارة والأكسجين وثاني أكسيد الكربون، فيما تستخدم الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي لتحليل حالة النباتات عبر الكاميرات وتحديد احتياجاتها من الحديد والنيتروجين والعناصر الغذائية بصورة مستمرة.

وتخلط أنظمة التشغيل المحاليل لحظياً وفق نوع النبات وعمره وحالته، مع إمكانية تخصيص التغذية لكل رف أو مجموعة من النباتات داخل المزرعة.

وطورت الشركة تصميماً للزراعة العمودية يعمل بطريقة مشابهة لمكعبات "ليجو" دون استخدام المسامير، بما يسمح بفك طبقاته وإضافة أخرى جديدة وتوسيع المنظومة وفق المساحة المتاحة.

وصممت الأنظمة الميكانيكية وتقنيات إنترنت الأشياء والإضاءة ووحدات التحكم وطورت في السعودية، فيما يشكل السعوديون نحو 80% من العاملين في التصميم والهندسة الميكانيكية داخل الشركة.

وحصلت الشركة على جائزة أفضل تصميم للزراعة العمودية على مستوى العالم في 2021، إضافة إلى جائزة عالمية في تقنيات الزراعة خلال 2023.

440 مزرعة تستخدم تقنيات الزراعة دون تربة

يبلغ عدد المزارع التي تستخدم تقنيات الزراعة دون تربة في السعودية نحو 440 مزرعة، إلا أن معظمها يقع خارج النطاق الحضري، ما يزيد تكاليف النقل ويخلق تحديات مرتبطة بالوصول إلى المستهلك النهائي.

ويرى سحاب أن السماح بممارسة الزراعة دون تربة داخل الأحياء والحدائق يمثل خطوة مهمة لتوسيع النشاط، إذ يتيح إنشاء المزارع بالقرب من المستهلك ومنافذ البيع.

وتضم السعودية أكثر من 9 آلاف نقطة بيع تشمل متاجر الهايبر ماركت ومنافذ شراء الخضراوات، إضافة إلى أكثر من 10 آلاف حديقة عامة قابلة للاستثمار في النشاط الزراعي.

واتجهت "إيراما" إلى التعاقد المباشر مع الفنادق ومتاجر التجزئة والمطاعم، ولديها عقود مع فنادق من فئة 5 نجوم ومتجري هايبر ماركت ونحو 70 سوبر ماركت في السعودية.

ويسهم البيع المباشر في تقليل الاعتماد على الوسطاء وخفض تكاليف النقل والتوزيع، إلى جانب إمكانية نقل النباتات حية إلى رفوف المتاجر بدلاً من فصلها عن جذورها قبل وصولها إلى المستهلك.

كما يتيح إنشاء المزارع داخل الفنادق ومتاجر التجزئة الاستفادة من المساحات المكيفة والمبردة القائمة، ما يقلل الحاجة إلى تحمل تكاليف إضافية للكهرباء والتبريد.

ويساعد ثبات ظروف الإنتاج والتوزيع على تقديم عقود طويلة الأجل تصل إلى 10 أعوام بأسعار مستقرة، مع توفير منتجات بجودة تقارب المنتجات الأوروبية والهولندية وبأسعار مماثلة للسوق المحلية أو أقل منها.

Sun, 19 2026

مزرعة منزلية توفر 37 منتجا أسبوعيا

وفي مسار يستهدف نقل التقنية إلى المنازل، طورت الشركة مزرعة منزلية بمقاس 60 في 60 سنتيمتراً تشبه الثلاجة، يمكنها إنتاج نحو 37 منتجاً أسبوعياً لتغطية احتياجات أسرة مكونة من 8 أشخاص من خضراوات السلطة والطبخ وبعض أنواع الفواكه.

ويعمل الجهاز بالذكاء الاصطناعي، إذ يتولى عمليات خلط المحاليل والتغذية والرعاية آلياً، بينما تقتصر مهمة المستخدم على قطف المنتجات عند نضجها.

ويخضع الجهاز للاختبار منذ عامين ونصف لدى نحو 20 عميلاً، نظراً إلى حاجة الأنظمة الزراعية إلى الاختبار لمدة لا تقل عن عام بسبب وجود نباتات حولية تتطلب مراقبة دورة إنتاجها كاملة.

وتستهدف الشركة وصول تقنياتها إلى ما بين 7 و8% من المنازل السعودية، بما يساعد الأسر على تحقيق اكتفاء غذائي منزلي يراوح بين 20 و40%.

وأوضح سحاب أن نمو النباتات داخل المزارع الحديثة لا يعني اختصار عمرها الافتراضي بشكل كبير، إذ يحتاج الخس الذي ينمو خلال 32 يوماً في الحقول المفتوحة إلى مدة مماثلة في المزارع دون تربة، إلا أن تحسن ظروف التغذية والري والإضاءة يرفع جودة النبات وصحته.

وتشير بعض التجارب باستخدام الإضاءة فوق البنفسجية إلى إمكانية تسريع النمو بنسبة لا تتجاوز 7%، إلا أن هذه النتائج لم تثبت تجارياً أو علمياً بصورة كافية حتى الآن.

الأمن الغذائي يتحول إلى ضرورة

تستورد دول الخليج أكثر من 90% من منتجاتها الغذائية، ما يزيد أهمية رفع الإنتاج المحلي في ظل المخاطر التي قد تواجه سلاسل الإمداد خلال الأزمات الاقتصادية والعسكرية.

وقال سحاب إن اضطراب طرق التجارة والمضايق البحرية قد يدفع بعض الدول إلى تقنين شراء المواد الغذائية خلال الأزمات، وهو ما يؤكد أهمية زيادة الإنتاج المحلي ورفع قدرة المدن والمنازل على توفير جزء من احتياجاتها.

وأكد أن الأمن الغذائي أصبح حاجة أساسية وليس رفاهية، فيما يمكن للتوسع في تقنيات الزراعة الحديثة أن يسهم في المحافظة على الموارد المائية وتوطين المهن الزراعية وزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية