شهدت قضية الرسوم الجمركية تطورات متسارعة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث أبطلت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم التي فرضها دونالد ترمب بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، ليردّ الرئيس بفرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 10%، رفعها لاحقاً إلى 15%، إلى جانب إعفاءاتٍ واستثناءاتٍ جديدةٍ.
بحسب حسابات "بلومبرغ إيكونوميكس"، أسفرت هذه التطورات عن انخفاض متوسط معدل الرسوم الجمركية الأميركي عما كان عليه قبل حكم المحكمة. كما أن هناك رابحين وخاسرين، إذ تبدو الدول الحليفة للولايات المتحدة في وضعٍ أسوأ عموماً، مقارنة مع وضع أفضل لبعض خصوم إدارة ترمب.
بعدما أبطلت المحكمة العليا الرسوم، استند ترمب للمادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 لفرض الرسوم الجديدة، وإذا استقرّت النسبة عند 15%، فسيبلغ متوسط الرسوم الجمركية الأميركية 12.1% كما في 24 فبراير، انخفاضاً من 13.6% قبل الحكم.
أما إذا تم اعتماد نسبة 10%، فسيكون التراجع في الرسوم الأميركية أكبر، ليصل المتوسط إلى 10.2%.
وسواء اعتُمدت نسبة 10% أو 15%، فالدول التي ستسجل أكبر انخفاض في متوسط الرسوم المفروضة عليها كانت جميعها محور انتقادات ترمب. ويركّز تحليل "بلومبرغ إيكونوميكس" على سيناريو تثبيت النسبة عند 15%.
ما الدول الرابحة من الرسوم الجديدة؟
تأتي البرازيل في صدارة الرابحين. تعرضت الدولة إلى انتقادات قاسية من ترمب بسبب تعاملها مع حليفه، الرئيس السابق جايير بولسونارو. وقبل حكم المحكمة العليا الأميركية، كانت البرازيل تواجه رسوماً جمركية عند نحو 31%، ومن المتوقع أن تنخفض إلى قرابة 12%.
تليها الصين، أكبر منافسي الولايات المتحدة ومحط اهتمام ترمب منذ بدء حملته الأولى إلى البيت الأبيض في 2016.
قبل الحكم، واجهت بكين أيضاً رسوماً بنحو 31%، لكن الرسوم المفروضة خلال الحرب التجارية الأولى في 2018-2019 ستُبقي النسبة مرتفعة، إلا أنها مرشحة للتراجع إلى نحو 24%.
أما الهند، التي عزز الرئيس السابق جو بايدن مكانتها بصفتها حليفةً ديمقراطيةً، فقد شهدت العلاقات معها فتوراً أكبر في ظل رئاسة ترمب. ومن المتوقع أن تتراجع الرسوم المفروضة عليها إلى 14% من 20% قبل حكم المحكمة العليا.
كما تبرز جنوب أفريقيا التي كانت ضمن بؤرة انتقادات البيت الأبيض، لمزاعم حول سياساتها في التعامل مع المزارعين البيض. وقبل حكم المحكمة العليا، بلغت الرسوم المفروضة عليها نحو 13%، وقد تنخفض إلى 9%.
من الدول الخاسرة؟
بالنسبة إلى الحلفاء الذين استفادوا من رسوم أقل يصبح الاختيار بين 10% و15% أكثر تأثيراً. فقد تمتع الاتحاد الأوروبي، وسويسرا، وكوريا، واليابان بسقفٍ أقصى عند 15% للسلع الخاضعة للرسوم المتبادلة. وكان هذا السقف يشمل الرسوم المفروضة بالفعل قبل زيادات ترمب، ما يعني أن اعتماد نسبة موحدة عند 15% سيرفع بشكلٍ طفيف الرسوم التي تواجهها منتجاتها.
أما الدول التي كانت نسبة الرسوم المتبادلة لديها عند 10%، مثل أستراليا والمملكة المتحدة، ستدخل في زمرة الخاسرين حال اعتماد نسبة 15%. إضافةً إلى ذلك، ستفقد المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا، وسويسرا ميزة الإعفاءات المحددة التي حصلت عليها لقطاع الطيران، إذ سيجري تعميمها الآن على جميع الشركاء.
وإجمالاً، تبدو المملكة المتحدة الخاسر الأكبر من حيث الأثر النسبي حال عدم الالتزام باتفاقها التجاري.
الرسوم العالمية الموحدة عند 10% أو 15% ستعيد، خلال مدة سريانها، تشكيل المشهد التنافسي لشركاء الولايات المتحدة التجاريين إذ ستُخفف النسب الجديدة الضغوط على صادرات الصين، والبرازيل بدرجةٍ أكبر من غيرهما.
في المقابل، يفقد حلفاء الولايات المتحدة الذين تمتعوا بأفضلية نسبية في السابق جزءاً من مكاسبهم. كما يُرجح أن يتفاقم الانخفاض المتوقع في واردات الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا، والمملكة المتحدة، ليقترب حجمه من الانخفاض الذي يطال الصين، والهند، والبرازيل.
ما التالي في مسار الرسوم الجمركية؟
لا يبدو أن جولة الرسوم الجمركية وصلت إلى محطتها الأخيرة. فما زالت لدى إدارة ترمب أدوات أخرى يمكن استخدامها لرفع النسب على الخصوم وخفضها على الحلفاء. كما يبرز تساؤل حول ما إذا كانت الدول التي وقعت أخيراً اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة ستلتزم بها أم ستتخلى عنها، علماً أن الاتفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تعثر بالفعل.
في الوقت الراهن، أسفر حكم المحكمة العليا الأميركية وردّ الرئيس الأميركي عن متوسط أدنى للرسوم الجمركية الأميركية، كما أعاد ترتيب الرابحين والخاسرين، وهو ما يسوي بين جميع الأطراف في المنافسة الجمركية، ويثير تساؤلات مجدداً لدى حلفاء أميركا التقليديين وشركائها في اتفاقات التجارة بشأن الخطوات التالية في علاقاتهم الاقتصادية مع واشنطن.



