الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 27 أبريل 2026 | 10 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

"أخو نورة" و "إم بي إس" .. رحلة الأنثروبولوجيا السعودية أمام العالم

عبدالرحمن عابد
عبدالرحمن عابد
السبت 25 أبريل 2026 14:44 |4 دقائق قراءة
"أخو نورة" و "إم بي إس" .. رحلة الأنثروبولوجيا السعودية أمام العالم

في الوقت الذي كانت فيه كتب التاريخ تؤرّخ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727 على يد الإمام محمد بن سعود، كانت دراسات الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان قد انطلقت في صمت لرصد ملامح المجتمع الوليد الذي وضع الإمام أولى لبناته بوضع خطط تأمين الدولة ومسار نموها الاقتصادي، حيث ساد الاستقرار بدلًا من الصراعات والحروب وبات الولاء للدولة لا للقبيلة، كما صار الحوار المباشر لغة التواصل بين المواطنين وقادتهم، هذا التغيير وصفه علماء الأنثروبولوجيا بـ"لحظة الولادة" التي تحولت فيها الدرعية من مجرد عاصمة إلى المختبر الأول لفهم الهوية السعودية وتطورها إلى أن أصبحت هوية وطنية جامعة.

بعد 3 قرون لم تعد الجينات السعودية مجرد بذور بل تحولت إلى إستراتيجية وطنية كبرى وجدت حاضنتها في رؤية 2030، وذلك عبر برنامج "تعزيز الشخصية السعودية" الذي استهدف منذ اللحظة الأولى إقامة جسر بين الجينات الأصيلة التي زرعت في الدرعية وانتشرت بين الأجيال الحية شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، من خلال استحضار قيم الدولة السعودية الأولى كالوحدة والصمود والإتقان، إضافة إلى تعميق الانتماء الوطني وغرس قيم الوسطية والمبادرة باعتبار المواطن هو المحرك الحقيقي للتنمية.

Sat, 25 2026

fffff

ولأن البداية كانت دائمًا من الدرعية انطلقت الرؤية من نفس المكان عبر مشروعات تطوير استهدفت تحويل المدينة التاريخية إلى أضخم مشروع ثقافي وتراثي في العالم، إذ وصل حجم الاستثمارات فيها إلى 63.2 مليار دولار ومستهدف أن تجذب 27 مليون زائر سنويًا بحلول 2030، وبجانب رمزية الانطلاقة من المكان الذي احتضن جينات الأجداد فإن ما حدث ليس مجرد ترميم بقدر ما هو إعادة إحياء لنمط حياة السعودي الأولى عبر إبراز العمارة النجدية القديمة والمعالم الثقافية، ومن ناحية الأنثروبولوجيا فإن عمل 55 ألفا من أبناء الوطن في تلك المشاريع واطلاع محافظ الدرعية الأمير راكان بن سلمان الأسبوع الماضي على سير أعمال المشاريع سبقتها زيارة شخصيات رفيعة المستوى برفقة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تعد بمثابة شاهد على التاريخ.

بالتزامن مع ذلك أطلقت الرؤية عدة مبادرات على مدى الأعوام الماضية، وفي مقدمتهم "يوم التأسيس" الذي تم بمقتضاه تحديد 22 فبراير من كل عام عيدًا وطنيًا وإجازة رسمية بمناسبة ذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى، كما أطلقت مبادرات للمأثور الشعبي وجمعه وتدوينه وأخرى لإنتاج أفلام وثائقية مثل "كنوز" إضافة إلى منصة "الراوي" لإعادة إحياء فن سرد القصص التاريخية بأسلوب عصري، لتسفر تلك الخطوات في النهاية عن ربط الوجدان الشعبي للأجيال الحالية بأبطالهم التاريخيين الذين عرفوا قصصهم وأدركوا مآثرهم.

Fri, 24 2026

الخطة--1024x682

لعقود طويلة تأرجح الاهتمام بالأنثروبولوجيا السعودية وإن عاشت فترات ازدهار خاصة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود الذي لم يكن مجرد حاكم للبلاد بل خبيرًا في سيكيولوجية الإنسان السعودي وتطويع جيناته لصناعة استقرار دائم، ويدلل على ذلك بعض مشروعاته مثل "توطين البادية" الذي استهدف من خلاله تغيير النمط المعيشي للسكان وترسيخ ولائهم لقيم الدولة من خلال استقرارهم في مجمعات زراعية لمزيد من الانصهار وتوحيد النسيج المجتمعي، أما الدليل الأشهر كان في خطاباته أثناء معارك التوحيد إذ كان الملك المؤسس دائم القول "أنا سعودي وأنا أخو نورة" لشحذ همم رجاله في استدعاء ذكي لجينات "النخوة "و"العزة" اللتان شكلتا العقل الجمعي للسعوديين.

مع طفرة النفط في السبعينيات وسيادة النمط الاستهلاكي الجديد تراجع الاهتمام بـ"الأنثروبولوجيا السعودية" لكن سرعان ما عادت مع تأسيس دارة الملك عبدالعزيز 1972 لتكون بمثابة مستودع لـ"ذاكرة الوطن" كما انطلق لأول مرة مهرجان "الجنادرية" في 1985 كمحاولة لربط المواطن بجذور أجداده في الدرعية والمدن القديمة.

تلك الخطوات كان وراءها جهود كثيرة مثل ما فعله الدكتور سعد الصويان الذي يعد الأب الروحي لعلماء الأنثروبولوجيا السعوديين إذ لم يكتفِ بالتدريس في جامعة الملك سعود، بل خاض معارك فكرية لرد الاعتبار للتراث الشفهي والنبطي بوصفه "ديوان العرب الجديد" ومخزن جيناتهم وقضى عقودا في جمع هذا التراث مؤكدًا أن الإنسان السعودي المعاصر يستحيل فهمه دون معرفة جذوره وفهم لغته وتراثه الذي نشأ في الدرعية.

Sat, 25 2026

Capture.JPGdddd

أطروحات "الصويان" التي ظلت لسنوات فوق الأرفف سرعان ما تحولت إلى واقع في عهد الملك سلمان الذي يعد امتدادًا تاريخيًا لعبقرية الملك المؤسس في فهم سيكولوجية السعوديين، خاصة أنه ظل لعقود حارسًا أمينًا للأنثروبولوجيا السعودية فكان أول من دعم إعادة إحياء الدرعية والحفاظ على حي الطريف أثناء ترأسه لمنطقة الرياض، كما حوّل دارة الملك عبدالعزيز من مؤسسة شكلية إلى قاعدة بيانات متكاملة وموثقة عن السعودية وآثارها، إضافة إلى علمه الواسع بالقبائل وحفظه النادر بالأنساب وتوزيعهم الجغرافي ومدى ترابطهم وطباعهم، ويحفل تاريخ الملك سلمان بالكثير من رسائله ومحاضراته التي صحح فيها معلومات خاطئة ورد على الشبهات بأسلوب علمي رصين وبمعلومات موثقة ما دفع كثيرون إلى وصفه بـ"مؤرخ الدولة الأول".

من هذا البحر الكبير نهل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي نقل الأنثروبولوجيا السعودية من حيز التوثيق إلى التنفيذ العالمي ومن الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي، فتأسست أندية للإبل والصقور لإعادة الاعتبار للتراث السعودي وأطلقت برامج الرؤية لتعزيز الهوية وتوجت كل هذه الجهود بتأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا في مارس الماضي ليكون راويًا موثوقا للثقافة المحلية ومنصة لتوثيق التحولات الاجتماعي التي تمر بها السعودية، والأهم من ذلك إدراك ولي العهد أن أي مشروع لا يستند إلى هوية صلبة سيصبح هشّا ولذلك اختار أن تكون الانطلاقة من الدرعية لتكون مرآة لتقديم الإنسان السعودي ليس كمجرد منتج للنفط بل كصاحب حضارة ضاربة في الجذور، وهو ما تحقق.

فقبل الرؤية كان بعض من أجزاء من العالم لا يعرف عن السعودية سوى إنها مرادف للنفط والصحراء أما الآن حين تذكر أمامه يردد تلقائيًا "إم بي إس" في إشارة إلى الرجل القوي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي آمن بالحضارة والتاريخ والحداثة والصناعة والتقنية صاعدا في رحلة شاقة بشعبه وبلاده إلى مصاف الدولة المتقدمة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية