الفصل غير المنطقي للمناطق الاقتصادية المتجاورة
الفصل غير المنطقي للمناطق الاقتصادية المتجاورة
عندما تبحث في برنامج جوجل ايرث عن برنامج (الأرض في المساء) سوف ترى العالم عبارة عن نقاط ضوئية واضحة ومرتبة بصورة غير منتظمة بالكامل. لكن في بعض المواقع تظهر أجزاء أكثر إضاءة وضياء.
وهذه لا بد أن تكون بالطبع مناطق اقتصادية نشطة.
وبالطبع لا يمكن رؤية حدود الدول الاصطناعية. ولا أحد من الأفراد الذين ينظرون إلى الأرض في الليل توصل إلى الفكرة، بالحديث عن الداخل والخارج أو التصدير والاستيراد.
إن معايير الفصل والحدود بين الدول تصنف رحلة طويلة تمتد لآلاف الكيلومترات من مدينة فلينزبورج مثلا إلى مدينة لوراش في ألمانيا على أنها رحلة داخلية. لكن مجرد العبور من مدينة فلينزبورج إلى بادبورج في الدنمارك يعتبر رحلة خارجية أما أن تبيع جورب فلينزبورج في الدنمارك فإن هذا يعتبر تجارة دولية.
فلماذا يصعّب الناس الحياة على أنفسهم بفصل المناطق الاقتصادية الطبيعية عن بعضها بحواجز وحدود اصطناعية، ويعوقون حركتهم الخاصة، ويفرضون العقبات أمام التداول بالسلع؟ لماذا يتخلى الشعب عن مميزات تقسيمات العمل الدولية، حيث يفرضون أمام حركة التنقل الحرة للناس والبضائع عقبات غير منطقية البتة بصورة اقتصادية عامة مثل الأسلاك الشائكة، ومناطق التفتيش، ووحدات مراقبة الحدود في الطرق؟ لماذا يتحدث المرء عن "الأوضاع الاقتصادية"، و"الاقتصاد القومي"، رغم أن "بلدان" هي شيء مختلف بالكامل عن الوحدات المتجانسة، ومدينة فلينزبورجير الألمانية تعد في الحقيقة أقرب إلى الدنمارك مما هي إلى بادن داخل ألمانيا؟
إن الإجابات لها علاقة بعض الشيء بفشل السوق، حيث توجد تقسيمات العمل غير المعوقة بالكامل على اتساع العالم. وهذا له علاقة بالأمر بأن ينتج عن هذا تصورات مختلفة ومتباينة جداً، مثل تصحيح فشل السوق. وكذلك تتمايز الأفكار، حول ماهية الخدمات التي يجب أن يحققها المجتمع، وكذلك من هم الأفراد الذين عليهم أن يحققوها.
وبهدف تأمين الأسواق الناجحة، وتعديل فشل السوق، يلزمنا مؤسسة يمكنها أن تفرض نفسها ومتطلبات مشتركة بالإجبار والقوة المطلقة أحياناً كذلك ضد رغبات ومصالح البعض. ومن النظرة الأولى، يظهر أن حكومة عالمية يمكن أن تكون الحل الأفضل لهذا. إذا أردنا أن نعيش في عالم يتساوى فيه جميع الناس بالكامل، عندها في الحقيقة لا يوجد داع لفرض الحدود بين الداخل والخارج. لكن المواطنين يعيشون في هذا العالم بتفكك وتشتت. وقد عملوا على تطوير أشكال، قيم، أنماط، معايير اجتماعية، أخلاقية، وشرعية مختلفة.
يؤدي فصل أفراد البشر إلى شعوب إلى عواقب ونتائج ممتدة بصورة واسعة خاصةً على منظومة كل النشاطات اليومية، وعليها يعتمد البعض على مساعدة الآخرين (سلع تجميعية)؛ أو عندما يؤثر تعامل البعض على غيرهم (عوامل خارجية)؛ أو عندما يدور الأمر حول التعاطف، المساعدات، والتكافل. في مثل هذه الحالات، فإنه ينطبق على الأمر التفريق؛ من ولمن، ولماذا، وإلى أي حد تبلغ المسؤولية. كانت هناك على مدار عقود من الزمان إجابات مختلفة بالكامل حول العالم رداً على هذه الأسئلة.
وتضح عن طريق المجتمعات ومنظمات التكافل والقانون المتنامية على مدار التاريخ الصورة من النظرة الأولى إلى الفرض الحدودي اللامنطقي بين الداخل والخارج من وجهة نظر اقتصادية. وتسمح الحدود بتكون المجموعات المجتمعية، ولديها يتخذ تعديل فشل السوق أساليب خاصة. ويمكن في الدائرة الصغيرة أن يتم الوصول بوجهة هدف دقيقة إلى الأمنيات المختلفة والأشياء المُفضلة. وإذا ما تم العمل على إلغاء الفرض الحدودي، وتم ضم العالم بأكمله في حالة خاصة جداً، لكانت توقعات ما يزيد على ستة مليارات إنسان مختلفة جداً. إذ لا يمكن للبشر الاتفاق حول حل مشترك إلا بصعوبة بالغة. وبالفعل حتى عندها، لن يشعر منهم سوى القليل جداً بالرضا.
لو أخذنا مثالاً من قطاع المطاعم والفندقة لأمكننا أن نوضح هذا. ما حجم الفقر على الأرض، لو كان يوجد على العالم بأكمله ثقافة أكل واحدة فقط؟ كم إنسان يمكن أن يُعتبر محظوظاً، بما أنه يملك الخيار بين المطابخ الأوروبية، العربية، الصينية، اليابانية، أو الأمريكية، وليس عليه أن يصنع قائمة أطباق موحدة ذات معايير عالمية مشتركة؟
هذه هي الحال بالضبط مع أغلب التحديات اليومية. كيف كان من الممكن أن يكون الأمر، لو لم توجد سوى حكومة عالمية واحدة تفرض على الناس كيف يجدر بهم التكلم، السكن، والعيش، وتسمح لمجموعات صغيرة بحرية الإرادة، واتباع تقاليد، وأنماط وتصورات قيم مختلفة. وينتج عنها كذلك القرب والجوار اللذان لا يمكن التخلي عنهما بالنسبة للمسؤولية المشتركة والتكافل.
وبالطبع يتسبب التنوع والفرض الحدودي في الداخل والخارج في تكاليف ضخمة فهو يستدعي مترجمين للغات، وكذلك الأمر بالنسبة لاستيعاب المشاكل الثقافية. وتؤدي الحدود السياسية إلى تكاليف اقتصادية. وليس أخيراً، لهذا فقد تطوّرت مع مرور الوقت تقسيمات العمل المؤسسي. وتفوّض الدول جزءاً من كفاءاتها من ناحية إلى الأسفل، لبعض أعضائها، ومن ناحية أخرى إلى الأعلى لبعض المنظمات الدولية، أو فو قومية.
وفي ألمانيا تتوزع المهام العامة بسياسة الاتحاد الألماني الفيدرالي على المجتمعات، الدوائر، والمحافظات من ناحية، وكذلك على الاتحاد الأوروبي، ومنظمات الأمم المتحدة المختلفة من ناحية أخرى. وبالتالي يُصبح الفرض الحدودي الحاد والصارم في الداخل والخارج أصعب وأصعب. والتصور، بأن الداخل وحدة "متجانسة"، يظهر دوماً أكثر وأكثر على أنه وهم. لا يوجد "اقتصاد قومي"، و"البلدان" ليست لاعبين موحّدين. وفي دنيا العولمة قليلاً ما يجلس جميع المحليين في القارب نفسه، ويبحرون معاً تحت العلم الوطني نفسه في بحار العالم. والأكثر من هذا، يتم التجديف في طبقات قوارب مختلفة بسرعات مختلفة أيضاً.
ويعرض هيربيرت جيرش بكل قوة فكرته الاقتصادية العالمية، حول الشيء الذي تعنيه الفروق بين الداخل والخارج: "الأوطان هي إرث التاريخ. وهي تظهر كدرجة من درجات التطور من التشكيلات والمجموعات الصغيرة من القِدم إلى مجتمع عالمي للمستقبل. وفي الوقت ذاته لا يمكن حتى اليوم تجاهل الأوطان، وإن كانت تتخلف إلى الوراء".