معرض ميبيم للعقارات يرسخ مفهوم التسابق نحو الأعلى
معرض ميبيم للعقارات يرسخ مفهوم التسابق نحو الأعلى
مدينة كان الفرنسية لم يعد اسمها يرتبط بمهرجان السينما فقط بل أصبح يرتبط بمعرض ميبيم Mipim وهو أكبر معرض عقارات دولي في العالم.. وهذه الدورة هي الثامنة عشرة في تاريخ المعرض. ويتوقع المنظمون مشاركة ما يزيد على 25 ألف مشارك من نحو 80 دولة من مختلف القطاعات من بينهم المئات من رجال السياسة والهندسة المعمارية والصحافة.
وعبر أجيال مضت كانت الآلية الاقتصادية محصورة فقط في تنمية استراتيجيات العمل ورأس المال الحديثة وكان عامل الأرض لا يلعب إلا دورا ثانويا فقط. لكن هذه النظرة تغيرت الآن كليا. فمنذ تدهور الاقتصاد الجديد في موجة الاضطرابات التي عمت البورصة بعد عام 2000، أصبحت المليارات من المبالغ النقدية تتدفق على شكل أصول عقارية ومشاريع كبيرة بإيراداتها التي تبدو ثابتة على المدى الطويل. وهنا تضع صناديق دعم العقارات، ومؤسسات التزويد والشركات المساهمة من جميع أنحاء العالم، شركات العقارات المحلية أمام تحول نموذجي لم يسبق له مثيل. فهم لا يستثمرون رؤوس أموال في أبعاد فلكية فحسب، بل يقدمون أيضا معايير ومقاييس دولية معترفا بها لتقييم وتقدير العقارات. فمن لا يجعل شركته قادرة على خوض السوق الرأسمالية وذات ميزانية قادرة على المقارنة، يكون تقريبا قد خسر في السوق.
وتمر تجارة العقارات اليوم بظروف، ليست كالتي كانت قبل عامين أو ثلاثة أعوام. فعالم المال الدولي دخل اقتصاد العقارات بصورة يوضحها معرض العقارات الدولي ميبيم. وهكذا، يضم المعرض الدولي كل ما هو مرموق في عالم البنوك الاستثمارية، وأيضا في عالم التدقيق الاقتصادي والشركات الاستشارية ومكاتب المحاماة. كما اكتشفت الجامعات الدولية المعروفة ميبيم كنقطة وصل مهمة لإنشاء العلاقات للأجيال الأكاديمية الناشئة. وقطاع العقارات والذي كان لفترة طويلة قطاعا منسيـا، أصبح قطاعا قويا واعدا، يغري بأغلبية كبيرة من شركات مازالت في طور النمو وبآمال طموح وظيفي متصاعد.
ما يبعث الشركات من جميع أنحاء العالم على الدهشة والانبهار هو بالدرجة الأولى المشاريع الضخمة والفريدة من نوعهـا. من هذه المشاريع المدن السريعة المعوجة التي تشمل مئات الآلاف من البشر في الصين، والمشيدة ببنيات تحتية مستقبلية، وطرق سريعة ومطارات زجاجية - كل هذا مصنوع ومطوّر بتكنولوجيا غربية. ويقدم المعرض الدولي في هذا العام مدينة دبي الجديدة - ببرجها الشاهق (برج دبي)، والذي سيعتبر ابتداء من العام المقبل بطول يبلغ 808 أمتار أطول وأحدث برج تجاري في العالم، وكذلك ببرج البرج والذي يبلغ طوله 750 مترا. كلا البرجين سيشيدان في منتصف مدينة دبي العامرة بجانب طريق سريع من عشر حارات وبجانب فنادق، ومنشآت سكنية ومراكز تسوق من الطبقة الراقية.
ومن المشاريع الضخمة التي تعرض في ميبيم برج روسيا في العاصمة موسكو - والذي سيصبح في عام 2011 بارتفاع يبلغ 612 مترا أطول برج تجاري في أوروبا -، وكذلك برج الحرية في نيويورك الذي يبلغ طوله 541 مترا. وسوف يتم بناء هذا البرج في الموقع نفسه الذي كان مشيدا فيه البرجين التوأم (مركز التجارة العالمي) اللذين انهارا في أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001. وسيُكشف في معرض العقارات في جناح العاصمة الفرنسية باريس الستار عن مخططات بناء 15 ناطحة سحاب في ضاحية ( لا ديفينس) La Defense، من بينها برج المنارة Tour Phare، والذي سيبلغ ارتفاعه 300 متر وسينزع من فرانكفورت الألمانية لقب مدينة أوروبا الأولى للأبراج التجارية.
وتتميز العديد من المشاريع الضخمة- مثل بيت الأوبرا المخطط بناؤه في العاصمة النرويجية أوسلو والذي يعتبر بتكلفة 370 مليون يورو أغلى دار أوبرا في العالم - في شكلها وحجمها بطابع غريب بحيث إنها تتطلب خبرة عالمية عريقة في الإنجاز. وفي الأغلب تتحدى هذه المشاريع متطلبات جديدة في قطاع التكنولوجيا و الصناعات المزودة. يشارك في العديد من هذه المشاريع مهندسون، ومخططون ومعماريون من ألمانيا، وينتهز العديد منهم فرصة المشاركة في معرض ميبيم لتمهيد الطريق لعقد صفقات وأعمال تجارية. ويمكن القول إنه لا توجد أي دولة مشاركة كبيرة لم تحضر معها نماذج ومشاريع من أجل كسب رؤوس أموال وخبرات عالمية. ويتوقع قدوم جزء كبير من الوفود التمثيلية ترأسها قيادات سياسية معروفة في الدول، من ألمانيا لوحدها أكثر 50 رجل سياسة.
ولأول مرة في معرض ميبيم ستروي شركات عقارية مدرجة في البورصة على شاكلة النموذج الأمريكي "اتحاد شركات الاستثمار العقاري "رايتس" Real State Investment Trusts - Reits من خلال قصص نجاح مدهشة عن حملات انتصار مبدعة قامت بهـا. هذه الشركات المساهمة المعفية من الضرائب والقائمة على أساس مؤسسي تعتبر أول صيغة قانونية معترف بها عالميا. وهي تتمتع بثقة المستثمرين بسبب معاييرها المحددة قانونيا، وقوانين الضرائب الواضحة وبنية التقييم التشكيلية القياسية وكذلك بسبب المراقبة الكثيفة من قبل بنوك الاستثمار والمحللين. ويفتح اتحاد الشركات العقارية الاستثمارية (رايتس) الدول أمام الاستثمارات العقارية غير البيروقراطية. وللولايات المتحدة خبرة في هذا المجال من أربعة عقود، بيد أن الظهور الدولي المهم حالفه النجاح لأول مرة في العام الماضي، حيث قامت أكثر من عشرين دولة بترخيص شركات (رايتس) في أراضيها، وسوف تلحق بعض الدول - منها ألمانيا - في تطبيق هذه الخطوة عن قريب.
وفي جميع الأحوال تبقى الكثير من الشركات العقارية معفاة من الضرائب بسبب الاستغناء عن أصول وبسبب تكاليف التمويل. ويتمتع الإعفاء الضريبي المحدد قانونيا بميزة أن قوانين الضرائب والحقوق الدولية لا تثقل العبء البيروقراطي على عمليات المشاركة في الممتلكات العقارية - على سبيل المثال من خلال الضريبة التجارية, كما أن حصر ضريبة الأرباح لا يتم إلا عند المساهم أولا. مبدأ الشركات الجديد هذا يتطلب - بعيدا عن علم ودراسة العقارات - فكرا استراتيجيا ذا مذهب مؤسسي. وهذا في حد ذاته يعتبر بعدا جديدا - بالطبع لم يسلم من نظرات غاضبة - في عالم العقارات، وسيكون محور نقاشات ساخنة أثناء فترة معرض ميبيم الدولي.