أندية إنجلترا تلجأ إلى طرق مبتكرة لمواصلة الإنفاق الضخم .. هل توقفها أوروبا ؟
أندية إنجلترا تلجأ إلى طرق مبتكرة لمواصلة الإنفاق الضخم .. هل توقفها أوروبا ؟
حين أعلن نادي "تشيلسي" لكرة القدم في وقت سابق هذا العام بيع فريق السيدات إلى شركته الأم مقابل 200 مليون جنيه إسترليني (269 مليون دولار)، أثار الرقم حيرة المستثمرين، فقيمة الفريق تكاد لا تتجاوز ربع ذلك المبلغ حسب التقديرات.
لكن هذه الصفقة ستبدو منطقية أكثر عند الأخذ في الحسبان أن الجهة المالكة "بلو كوت 22" (BlueCo 22) هي بقيادة تود بويلي، الشريك في ملكية نادي "لوس أنجلوس دودجرز"، والساعي إلى تعزيز الاستثمار في فريق الرجال دون انتهاك قواعد الإنفاق في الدوري الإنجليزي الممتاز.
بفضل هذه العملية المحاسبية الداخلية، بات بويلي يمتلك فريقاً نسائياً تُقدّر قيمته بنحو 198.7 مليون جنيه إسترليني. أما "تشيلسي" بصفته كيانا مستقلا، فيمكنه إدراج صفقة يونيو 2024 ضمن أرباح الموسم، ما يسمح له بمواصلة الإنفاق بسخاء على اللاعبين الجدد دون التعرض لعقوبات مالية أو خصم نقاط، بموجب قواعد الربحية والاستدامة التي أقرها الدوري منذ 2013.
غضب الجمهور
مع اقتراب إغلاق نافذة الانتقالات الصيفية في الأول من سبتمبر، كان "تشيلسي" قد سجل ثالث أعلى إنفاق على التعاقدات بين أندية أوروبا لموسم 2025 - 2026.
تعد صفقات بيع الأصول داخليا من الأساليب التي تعتمدها الأندية الإنجليزية بشكل متزايد للإنفاق على النجوم دون خرق قواعد الدوري التي تحث الأندية على إدارة مواردها المالية بشكل مسؤول، فبحسب اللوائح يتعين على للأندية أن تحد خسائرها الإجمالية دون 105 ملايين جنيه إسترليني خلال فترة متدرجة مدتها 3 سنوات.
وقد لجأ "أستون فيلا" و"إيفرتون" هذا الصيف أيضا إلى بيع فرق السيدات التابعة لهما داخليا، مستفيدين من المناورة المحاسبية ذاتها لتقليص الخسائر على الورق.
لكن هذه التكتيكات أثارت جدلا متصاعدا بشأن قواعد الدوري التي تمنح الأندية – لا سيما الصغيرة منها – حافزا لبيع اللاعبين الشباب الواعدين الذين تخرجوا من أكاديمياتها خلال موسم الانتقالات، إذ تُحتسب عائدات تلك الصفقات أرباحا صافية بالكامل في السجلات المحاسبية.
تجلت موجة الغضب حيال هذه الممارسات خلال المباراة الافتتاحية للموسم بين "نيوكاسل يونايتد" و"أستون فيلا" في 16 أغسطس، إذ صدحت المدرجات بهتافات نابية من الجانبين تتهم الدوري بالفساد.
أقر كيران ماغواير الأستاذ المشارك في مجال تمويل كرة القدم والمحاسبة بجامعة ليفربول، أنه "من الضروري وضع بعض الضوابط"، لكنه لفت إلى أن القواعد الحالية تحمي الأندية الثرية والمترسخة مثل "تشيلسي"، بينما تعاقب الأندية الصاعدة التي باتت ثرية عن جديد مثل "نيوكاسل".
إذ يملك "نيوكاسل" قدرة مالية تكاد تكون غير محدودة منذ استحواذ صندوق الاستثمارات العامة على النادي عام 2021، لكن متطلبات الربحية تمنعه من الإنفاق يشكل كبير مثل منافسيه الأقدم ذوي الإيرادات الأعلى.
عقب خسارة فريقه أمام "ليفربول" في أغسطس، قال مدرب "نيوكاسل" إيدي هاو "نحن خاضعون لقواعد الربحية والاستدامة، وما زالت تلك القواعد تقيد ما يمكننا فعله، هذا هو الواقع".
حيل محاسبية
في الموسم الماضي، اصطدمت أندية مثل "إيفرتون" و"نوتنغهام فورست" بسقوف الربحية التي يفرضها الدوري الإنجليزي الممتاز، ما أدى إلى فرض عقوبات خصم نقاط بسبب الخسائر المالية، ما وضعها على حافة الهبوط إلى دوري الدرجة الثانية. ويبدو أن أندية أخرى استوعبت الرسالة.
قال ماغواير "قبل عام، كان هناك ستة أندية مهددة بخرق السقف الأعلى"، من بينها أندية كبرى مثل "نيوكاسل" و"مانشستر يونايتد"، مضيفاً "هذا العام، لا يوجد أي نادٍ في دائرة الخطر".
يعود ذلك جزئيا إلى ارتفاع الإيرادات من خلال رفع أسعار التذاكر، فضلا عن العوائد المتزايدة من البطولات الدولية المربحة مثل دوري أبطال أوروبا، الذي يجمع نخبة أندية القارة، كما توصل المحاسبون إلى طرق ناجحة للالتفاف على القواعد، وأضاف ماغواير "المحاسبون المبدعون باتوا من الركائز الأساسية في الدوري الإنجليزي".
سجل "تشيلسي" أرباحا قبل الضرائب بلغت 128 مليون جنيه إسترليني خلال موسم 2023 - 2024، بفضل صفقة بيع فريق السيدات، وفقا لأحدث نتائج مالية نشرها النادي. وكان قد أعلن في العام الذي سبق عن أرباح بـ 76.5 مليون جنيه إسترليني ناتجة عن بيع بعض الفنادق، ما ساعده على تقليص خسائره إلى 89.9 مليون جنيه.
في كلتا الحالتين، بيعت الأصول إلى الشركة المالكة "بلو كوت 22"، والتي سجّلت خسائر قدرها 430 مليون جنيه إسترليني في 2024.
وقالت كريستينا فيليبو، الأستاذة المساعدة في المحاسبة وتمويل الرياضة بجامعة بورتسموث، في اتصال هاتفي، إن تقديراتها تشير إلى أن قيمة فريق السيدات تتراوح بين 60 و70 مليون جنيه.
أما ماغواير، فيقيّم الفريق بناء على قاعدة تضاعف الإيرادات مرتين، أي نحو 22 مليون جنيه على أساس مبيعات بقيمة 11 مليوناً. وأضاف"نظراً للنمو السريع الذي يشهده قطاع كرة القدم النسائية، قد أرفع التقييم ستة أضعاف الإيرادات، أي حوالي 66 مليون جنيه".
لكن أياً من هذين التقديرين لا يقترب من السعر الفعلي للصفقة. وفيما يملك الدوري الإنجليزي صلاحية مراجعة مثل هذه المبيعات الداخلية للتحقق من عدالة تقييمها، إلا أن "تشيلسي" باع لاحقاً حصة بنسبة 10% من فريق السيدات لمستثمر خارجي مقابل 20 مليون جنيه، ويعتبر أن هذه الصفقة الخارجية تؤكد صحة التقييم.
في غضون ذلك، لا يزال "تشيلسي" من بين أكبر المنفقين في سوق الانتقالات، إذ أنفق حتى الآن 280 مليون يورو (328 مليون دولار) على صفقات اللاعبين لموسم 2025 - 2026، وفقاً لبيانات موقع TransferMarkt.
في يونيو، أعلنت "أستون فيلا" أنها اتبعت نهج "تشيلسي" ببيع فريق السيدات إلى المالكين مقابل أكثر من 50 مليون جنيه إسترليني. وفي يوليو، أعلن "إيفرتون" عن خطوة مشابهة، ببيع فريق السيدات إلى شركته الأم، وقالت فيليبو: "الأندية أصبحت تعرف كيف تبقى ضمن النظام".
نزيف المواهب
يواجه نظام الربحية والاستدامة معارضة جماهير كرة القدم أيضاً، لأنه يمنح الأندية حافزاً لبيع اللاعبين الذين تخرّجوا من أكاديمياتها الخاصة، وقالت فيليبو "أهم ما غيّره نظام الربحية في سوق الانتقالات هو تشجيع بيع لاعبي الأكاديميات".
ففي أغسطس، باع نادي "أستون فيلا" لاعبه الشاب جاكوب رامسي، أحد خريجي أكاديميته، إلى "نيوكاسل" مقابل 40 مليون جنيه إسترليني، وسجّل كامل المبلغ كأرباح مباشرة في دفاتره، إذ كان قريبا من تجاوز حدود الخسارة المسموح بها.
أما بيع اللاعبين القادمين من أندية أخرى، فيُسجَّل محاسبياً كربح أو خسارة على أساس سعر الشراء الأصلي، الذي يُوزّع على مدة العقد، ما يقلل من القدرة على تسجيل أرباح فورية.
في المقابل، كان "نيوكاسل" قد باع لاعب خط الوسط الواعد إليوت أندرسون إلى "نوتنغهام فورست" في العام السابق مقابل 35 مليون جنيه إسترليني، في وقت كان يقترب فيه من خرق قواعد الإنفاق.
أما "تشيلسي"، باع لاعبين بقيمة 277 مليون يورو خلال نافذة الانتقالات الحالية، ما ساعده إلى حد كبير في موازنة كلفة التعاقدات الجديدة القادمة من خارج الدوري، وقال كيران ماغواير "الدوري الإنجليزي الممتاز يتفوق بفارق شاسع على الدوريات الأوروبية الأخرى من حيث الأموال، وهذا ما يتيح له شراء كبار النجوم".
وبالرغم من قواعد الربحية، فإن ثمانية من بين أكثر عشرة أندية إنفاقاً في نافذة الانتقالات الحالية تنتمي إلى الدوري الإنجليزي الممتاز.
تحت المجهر الأوروبي
بدأت أندية انجلترا تلفت أنظار الاتحاد الأوروبي الذي يفرض قواعد مالية أكثر صرامة من تلك المعتمدة في الدوري الإنجليزي، إذ يلزم الأندية بتحقيق التوازن المالي خلال ثلاث سنوات، ويضع سقفا لتكاليف تشكيلة الفريق كنسبة من الإيرادات، كما لا يسمح باحتساب أرباح الصفقات الداخلية ضمن حدود الخسائر المسموح بها.
في يوليو، فرض الاتحاد الأوروبي غرامة على تشيلسي 31 مليون يورو بسبب مخالفته لقواعد الإنفاق، إلى جانب أستون فيلا الذي تمكن حتى الآن من تجنب العقوبات.
رغم إعلان الدوري نيته السير على الخطى الأوروبية، فقد أرجأ في فبراير تطبيق سقف لتكاليف تشكيلة الفريق حتى 2026 على أقرب تقدير. كما صوتت الأندية، وهي التي تملك الدوري، ضد مقترح يستثني أرباح الصفقات الداخلية من حسابات الربحية، وقال ماغواير "القواعد الحالية تصب في مصلحة الأندية.. فلم ترغب بتغييرها؟".