عقل "جوجل"المدبر يتوعد محركات البحث الأخرى بالتدمير
عقل "جوجل"المدبر يتوعد محركات البحث الأخرى بالتدمير
في الحقيقة كادت ماريسا ماير تنوي أن تصبح معيدة في مجال علوم الكمبيوتر عقب إنهاء دراستها في جامعة ( ستانفورد) في ولاية كاليفورنيا. لكن الأقدار ادخرت لها أن تلتقي مع شابين حاصلين على درجة الدكتوراة. كانت ماير حينها تبلغ من العمر 23 عاماً والتقت دون تخطيط مسبق لاري بيج وسيرجي برين اللذين كانا يخططان تنظيم المعلومات الموجودة كافة في العالم بمساعدة محركات البحث على شبكة الإنترنت.
واقتنعت ماريسا ماير وتخلّت عن طموحها للعمل في الجامعة، ووقّعت، إضافة إلى غيرها من عشرات الموظفات حينها، على عقد عمل مع بداية عام 1999، بصفتها موظفة تطوير لما كان يُسمى حينها بالتشغيل الأول ""Start-Up لمحرك البحث "جوجل"، Google المليء بالغموض. وبالفعل تمكّنت من إثبات ذاتها بكل ثقة وقدرت قيم "جوجل" اليوم في الأسواق المالية و البورصات بما لا يقل عن 130 مليار دولار. وكان لماير دوراً بارزاً في هذا النجاح الذي حققته "جوجل"، حيث تتم مكافأتها على عملها وفقاً لمؤشرات تداول الأسهم في البورصات.
مارسيا ماير (30 عاماً) وتشغل منصب "مدير إدارة التطوير" وهي مسؤولة عن قسم منتجات المستهلك بـ "جوجل" وتشمل جميع مفاجآت المنتجات والخدمات الجديدة التي تقدمها الشركة اليوم وهذه الخدمات التي تحرّك أسعار الأسهم التابعة لشركة جوجل على أساس أسبوعي. وتقول ماير: "أنا أحب أن أطرح المنتجات الجديدة باكراً في السوق، هذه عقيدتي الراسخة". وعندما اطّلعت عن طريق محادثة مع إحدى المطورين الأستراليين على الفكرة التي تُشير إلى القدرة على التنقيب عن كافة البيانات المفصّلة في العالم داخل جهاز الكمبيوتر، تجاوبت مع هذه الفكرة بسرعة هائلة، حيث قامت بتوظيف الأسترالي، وعيّنت له فريقاً تطويرياً كاملاً للعمل على الصفحة، وفي غضون فترة قياسية، تم طرح خدمة البحث Google Desktop إلى الأسواق، قبل شهرين من طرح منافستها مايكروسوفت خدمتها المُشابهة.
وتعمل ماير غالباً منذ الساعة التاسعة صباحا و حتى منتصف الليل. ولا توجد فترات استراحة في غمرة تنافس حاد لا يهدأ مع "ياهو" و"مايكروسوفت") من أجل السيطرة على قطاع الإنترنت وعلى الفور أعلنت، عملاق صناعة البرمجيات وأنظمة الكمبيوتر "مايكروسوفت" عن تأسيس مختبرين جديدين للبحث، لتتمكن من استعادة مركزها في سوق شبكة الإنترنت. ونظراً للجاذبية التي تتميز بها نجاح المحركات التجارية المستخدمة للبحث على شبكة الإنترنت، تزيد شركات التزويد الجديدة، مثل "تيكنوراتي" من حجم الضغط على المنافسين الموجودين في السوق. وستعمل أقسام ودوائر التطوير الموجودة لدى تلك الشركات على حسم نتائج هذه المنافسة الحادة، الشيء الذي تبدو ماير متأكدة منه إلى حدٍ بعيد. وتقول ماير :"هذه المنافسة مهمة جداً بالنسبة للمستخدمين، فهم الذين سيتخذون القرارات الحاسمة حول الخدمات المطروحة، والتي يستخدمونها بشكل يومي. وسيكون من الخطأ أن نترك لدوائر وأقسام التسويق مهمة حسم نتائج هذه المنافسة".
وبهدف الحفاظ على قوام الخطوط الإنتاجية في "جوجل" فصلت الشركة كافة عمليات التطوير والتحديث عنها. ويُعد مكتب ( ماير) الذي يقع مقره مشرفا على جبال كاليفورنيا نقطة اتصال مركزية لأكثر من ألف مطوّر يعمل كافتهم يوماً واحداً في الأسبوع. أما في بقية الأسبوع فلا يفعلون شيئاً سوى التفكير في منتجات أو مبتكرات جديدة.وتقول ماير: "يتقدّم إليّ الكثير من الموظفين بأفكار حول منتجات جديدة. هذا هو عملي، دراسة هذه الاقتراحات المطروحة، والبحث عن تحسين لهذه الاقتراحات، والنظر فيما إذا كانت هذه المنتجات تتناسب مع استراتيجيتنا المُتّبعة". وفي حال تمت الموافقة على تبني الفكرة، فهي وحدها المسؤولة عن تحديد طاقم العمل على هذه الاقتراحات المُبتكرة كما أنها تحتل فعليا المركز الرابع في الشركة بعد اريك شميت رئيس مجلس الإدارة ومسؤولي التطوير لاري بيج وسيرجي برين.
ولا تطيل ماير التفكير بالسؤال الذي طُرح العام الماضي قائلةً: "خرائط جوجل واضحة للعيان، ومن يبحث عن سوق محلية على الإنترنت، يمكنه بكل سهولة أن يتتبع خريطة دولته. ونحن اليوم نُعد خبراء في هذا، ولدينا أفضل خرائط دول في العالم"، وتضيف: "سيكون هناك كذلك خدمة خرائط "جوجل" ألمانيا عمّا قريب"، ولكنها لا تعطي أية تفاصيل محددة. وتُضيف قائلةً: "عندما نُدرك موقع إقامة أحد المستخدمين بالضبط، عندها يمكننا أن نمنحه معلومات دقيقة، على سبيل المثال، مواقع و أماكن المتاجر الموجودة بالقرب من مكان إقامته. وكذلك سندرس في المستقبل حتماً إتاحة خدمات الربط ما بين أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وخرائط دول جوجل، ومحركات البحث المحلية".
والحقيقة اليوم هي ضرورة البحث عن وسائل الإعلام الرقمية، كالأفلام فهل ستصبح "جوجل" اليوم شركة إعلامية أيضاً؟ بالتأكيد لا، ترفض ماير هذا التصوّر، وتصف النموذج التجاري الجديد جداً، المسؤول عن مبيعات الإعلانات على الإنترنت أخيرا، حيث حققت هذه الخدمة خلال العام الماضي نحو ستة مليارات دولار من حجم المبيعات لدى "جوجل"، قائلةً: "ما نبحث عنه نحن هو مساعدة مستخدمي شبكة الإنترنت في إيجاد المحتويات التي يبحثون عنها بسرعة، وعندما يجد المستخدم موقع الصفحة التي تحتوي على ما يريد، يترك صفحتنا، ليتصفّح على سبيل المثال مواقع تزويد الأفلام الرقمية، حيث يمكنه شراء الأفلام عن طريق الشبكة. عندها نتقاسم نحن الإيرادات مع شركات التزويد تلك". ويمكن للمستخدمين اليوم البحث عن الأفلام التي تنتجها شركة البث، CBS، ومباريات دوري كرة السلة الأمريكية. وتُضيف ماير: "ستتم إضافة المزيد من شركات تزويد المُحتوى. ألحقنا أجزاء من نصوص الأفلام في محركات البحث، بحيث يتمكّن المستخدم من البحث حسب بعض الكلمات الموجودة في الفيلم نفسه، التي ترد في عروض ترويج الأفلام مثلاً. وسيصبح من الممكن يوماً ما البحث عن البرامج التلفزيونية كافة وِفقاً للمفردات المستخدمة".
وتبدو مصالح شركة جوجل في هذا الشأن واضحة فمن يشاهد التليفزيون ويرغب في المستقبل في البحث عن بعض الوثائق، أو أراد التأكّد من صحة المعلومات الواردة عن شركات بث الأخبار، فلن يحتاج إلى العودة إلى الصحف المتخصصة في برامج التليفزيون، وما يرد فيها، بل ما عليه سوى الدخول إلى موقع "جوجل"، والبحث عن التفاصيل الدقيقة على شبكة الإنترنت. ومن وجهة نظر ماير، فإن وسائل الإعلام التقليدية لا تواجه خطراً "فلن يكفّ الناس أبداً عن مشاهدة التليفزيون، أو قراءة الكتب" حسب قولها .
وبالطبع تملك ماير تصوّراً مستقبلياً حول محركات البحث: "سنعمل في المستقبل على ربط نصوص، ومشاهد متحركة، وموسيقى، وصور، كلها مع بعضها البعض عن طريق محركات البحث المُطلقة، وسنوصلها بالحاجات الخاصة لدى المستخدمين، حيث من الممكن أن تكون أفضل نتيجة للبحث محتويةً على نص، أو صورة، أو فيلم. ويمكن للمستخدم الذي يودّ إعداد قالب من الحلوى على سبيل المثال، أن يجد فيلماً مصوّراً يوضّح الخطوات اللازمة، كنتيجة للبحث". ولكن ليس بالضروري أن يكون هذا متوافراً على شبكة الإنترنت فقط. وتقول ماير: "لن تكون "جوجل" متاحة في المستقبل على شبكة الإنترنت فقط، حيث ستصبح عمليات البحث عبر الهاتف ممكنة أيضاً، ولكن بالطبع بمساعدة تعريف اللغة، والرموز الكلامية. أنا أعتقد أن هذه خدمة تطويرية بالغة الأهمية، وسنعمل على استثمار جهودنا كافة في هذا الاتجاه". وتضع ماير نصب عينيها سكّان الدول النامية، الذين لا يمتلكون مدخلاً إلى شبكة الإنترنت، في تطبيق فكرة تليفون "جوجل"، المُشار إليها سابقاً.
وتتولى ماير وظيفة أخرى في "جوجل" إذ عليها أن تحرص في الحفاظ على العلاقات الودية مع المستخدم. وهذا ما يُسمى في "جوجل"، بدقة تصميم صفحات الإنترنت وكأنها اتجاهات مقدّسة، حيث لا يمكن هزّها. وفي الإجابة عن السؤال الذي يشير إلى كيفية إمكان المستخدم أن يحظى بكل تلك الخدمات و لا يوجد على الصفحة الأم سوى ستة أو سبعة مختصرات لها، تُجيب هي بطرح سؤال مناقض: " كم عدد الخدمات التي يمكنك أن تتذكرها، من تلك الموجودة على صفحة ياهو الأم؟ خمسة، ستة، أو سبعة.. ؟ لا يمكن لأغلب المستخدمين أن يتذكّروا أكثر من هذا بصورة عفوية. تستدرج ياهو نحو 38 خدمة على صفحتها الأم. وتمكّنت أنا من استرجاع أفضل عدد، نحو 23 خدمة ، حتى من عمل لدى ياهو منذ فترة وجيزة لن يتمكّن من استرجاعها للذاكرة". لا تُعتبر "جوجل" مدخل Portal إلى الإنترنت كياهو، والتي تريد تقديم جميع الخدمات للمستخدمين كافة. "نحن نتّبع فلسفة مختلفة: فنحن لا نقوم بطرح خدمات على سوق الإنترنت لمجرد أن المستخدم سيجدها شيّقة. نحن نعمل على تطوير خدمات تساعدنا على تنظيم جميع المعلومات الموجودة في العالم. نحن محركات للبحث، وسنبقى محركات للبحث على الإنترنت". وهذا يعني: "من خمس إلى ست خدمات فقط تهم مستخدمينا فعلاً. وهي الموجودة على صفحتنا الأم. وعندما نقرر عرض خدمات جديدة، علينا أن نفكّر طويلاً، حول كيفية ربطها مع الخدمات الموجودة أصلاً، فعلى سبيل المثال خدمة "خرائط" مع خدمة "محلي". أو خدمة بحث البلوج، الأرشيفات الخاصة، هي مهمّة بالفعل، ولكن ليس إلى درجة عرضها على الصفحة الأم. وقمنا بربطها بدلاً من ذلك بمحرك بحث الأخبار- جوجل". ونسألها هل توجد أية مناقشات، ومباحثات داخلية حول إعادة تصميم الصفحة الأم؟ فتجيب: "هنالك دوماً أماني في تغيير التصميمات. ولكن أنا أعتقد أن هذه مقترحات خاطئة".
حظيت ماير الآن على دعم آخر من قبل الشركات المنافسة للاتجاه الذي تتبناه في العمل. وتقول سوزان ديكير المديرة المالية في شركة ياهو :"نحن لا نؤمن أنه من المنطقي أن نوافق الرأي الذي يُشير إلى أننا قادرون على خفض حصص "جوجل" من السوق". وتُضيف ديكير: "ليس من ضمن أهدافنا أن نصبح محركات البحث رقم واحد على شبكة الإنترنت. سنكون بالفعل راضين، إن تمكنّا من الحفاظ على حصصنا الحالية من السوق".