الجوائز تصالح كيليطو .. فقيه الحكاية وإمام السرد

الجوائز تصالح كيليطو .. فقيه الحكاية وإمام السرد

فاز الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو، قبل أيام، بجائزة الملك فيصل العالمية للغة العربية والأدب، إحدى أكبر الجوائز العربية التي تمنح تكريما عن مجمل عمل الكاتب، لتملأ فراغا كبيرا اتسع بين الكاتب والجوائز، فغالبا ما تتجاهل لجنة تحكيم الجوائز الرجل، لأنه من زمرة الكتاب المتمردين، فعادة ما يكتب بعيدا عن مقاس شروطها، فضلا عن وفائه خلال مساره الكتابي لقاعدة الاشتغال بصمت، منقبا في مضان أمهات كتب التراث العربي والعالمي، في هدوء بلا صخب ولا ضجيج.
بعيدا عن أساليب الوساطة الفكرية أو الاجترار الممل لأحدث النظريات الغربية، وتحديدا البنيوية التي طغت في مجال الأدب والنقد، ذات المنتج الأدبي السطحي الثقيل الفاقد للمتعة، ينحاز كيليطو لمصلحة الكثافة والاختزال والعمق بلا إطالة ولا إطناب، فتأتي مؤلفات الرجل دسمة رغم قلة الصفحات، وآسرة لابتعادها عن المصطلحات النقدية المعقدة، والمنهجيات الصارمة للكتب النقدية، وفوق ذلك كله وفية لشيخ البنيويين رولان بارت، أستاذ كيليطو في الجامعة، لكن دون تقليد أعمى، فامتلاك ناصية الأدوات النقدية والمعرفية ساعد الكاتب على استحداث أدواته التي سخرها في اشتغاله على الكلاسيكيات العربية.
يظهر كيليطو لعشاق القوالب الجاهزة كاتبا يكرر نفسه، لإصراره على العودة إلى المصنفات التراثية نفسها، من ألف ليلة وليلة وأخواتها. لكن قراءة مؤلفاته بعين القارئ المتذوق المستكشف لا القارئ الناقد، تقود إلى اكتشاف معالم فقه الحكاية التي يبلورها مؤلف يكتب للقارئ لا للباحث والأكاديمي، فمنجز عاشق التراث العربي يتماوج بين الخطاب النقدي الصرف والنص الإبداعي الملتبس، مشكلا بقطعه، والقصد هنا الكتب، ما يشبه متاهة آسرة للمتلقي متى سقط بين صفحاتها.
رجوع كيليطو إلى دفائن التراث، أشبه بإحياء الموروث العربي فوق خشبة المسرح على يدي المسرحي المغربي الراحل الطيب الصديقي "محاكمة أبي حيان التوحيدي، مقامات بديع الزمان الهمذاني..."، فالمبدعان معا يشتركان في صناعة مشهدية للتراث، مع امتياز عودة فقيه الحكاية بازدواجية تراوح ما بين التأمل والتفسير والتأويل، وبين إعادة التدوير قصد إنتاجه وفق منظور خاص، يعمل على توريط المتلقي في دوامات الغموض والالتباس، بطرح أسئلة عما قد نراه بديهيا، ونمر عليه مرورنا على سطح الأشياء اللامعة، ظنا منا أنها لا تملك غير لمعانها.
ليست مبالغة في القول، إن كلمة السر التي تجعل مبدعنا يؤلف على غير مثال، ويقدم مفاتيح السرد للقارئ، بعيدا عن التعالم والادعاء، تمكن في الالتباس. وقد كشف بنفسه ذات حوار عن الأمر حين قال، "لا ينتج الوضوح إلا الأعمال السخيفة. يؤكد سيوران، اللعنة للكتاب الشفافين، لا نجاة إلا للكتاب الغامضين. ما قيمة العمل من غير أسرار". هكذا يستدرج الكاتب قراءه نحو قلق معرفي، يزداد مع كل قراءة، فهو لا يقدم وجبة نقدية شهية سريعة وسهلة الاستهلاك، بل يتغيا إقحام المتلقي، إن لم نقل تعذيبه، في متاهات تجمع بين البين الواضح تارة، والغامض تارة أخرى.
توفق الكاتب في إعادة الوهج إلى المضان التراثية أو بعبارة أخرى ردم الهوة بين شريحة كبيرة من القراء والأدب العربي القديم، فتوالي منجزاته الإبداعية كشفت عن آدب عربي آخر، استطاع الرجل التسلسل إلى أعماقه باسطا إياه بين أيدي القراء، بعيدا عن الفروض المنهجية والأسانيد النظرية. وبلغ مستوى بث الشعور بالاعتزاز والفخر السرد العربي القديم، فيتجاور في نصوص المعري مع دانتي، ويحضر الجاحظ إلى جانب دوستوفيسكي، ويتلازم ابن رشد مع مونتاني... وهلم جرا في قائمة طويلة للكبار في الثقافة العربية والعالمية.
تتويج كيليطو إذن، بالدورة 45 لجائزة الملك فيصل العالمية، منشؤه الفرادة والتميز بأسلوب ونهج خالصين، وعن دواعي الاختيار تقول اللجنة، "إن براعته في تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة، أحاطت بها في شتى أنواعها، وتمثله المناهج النقدية الحديثة تمثلا إيجابيا، وعمله على تكييفها بما يناسب رؤيته التي اتصفت بالجدة والطرافة والإبداع، وتميزه بالقدرة على تقديم السرد العربي للقارئ العام بأسلوب واضح ودقيق".
يشعرك الاقتراب من الرجل بحرص شديد، من جانبه، على الولاء للصمت، بالنفور من الحديث عن النفس وعن أعماله، عكس ما يفعل الكثيرون، عادات تفخيم الأنا وتمجيدها إرضاء لنزعة نرجسية لا تمل من الحديث عما قد تراه أمجادا وبطولات فكرية. وفي ذلك توجيه إلى القراء مفاده بأن مؤلفاته من عليها الحديث وليس أنا، فتفاصيل وشروحات مشروعه الإبداعي متناثرة في سطور مصنفاته.
أنحتاج إلى إفصاح أكثر من قوله، "أليس الفن إدخال الغرابة على الألفة، والإبهام والغموض على الشفافية والوضوح؟ ألم يقل مارسيل بروست، "إن الكتب الجميلة مكتوبة بما يشبه لغة أجنبية"؟". ثم أليست عبارة من قبيل، "لا يتبقى للمثقف إلا الانخراط في شبكات مقاومة تسعى جهدها إلى بلورة أسئلة وإحداث شروخ في عالم ينحو نحو التنميط والتخشب وتكريس البلاهة" جوابا شافيا عن أكثر من استفسار وتساؤل يراود القارئ حول مواقف كيليطو.
وحتى لحظة محاصرة الرجل بالأسئلة، مثلما حدث قبل أسابيع، بإحدى المكتبات في مدينة الرباط، فأجوبته عادة ما تحمل غرابة لا تقل عن تلك التي تواجهنا في كتاباته، فعن سؤال لماذا تكتب؟ يرد قائلا بأنه إذا ما انقطع عن الكتابة فإنه سينقطع حتما عن القراءة. لأن الكتابة هي مواصلة التحاور مع الآخرين بقطع النظر عن الزمان والمكان. ويمعن مبدعنا في الغرابة، وليست بالجديد عن صاحب "الأدب والغرابة" 1982، حين شكر الرجل قراءه، مخاطبا الحضور قائلا، "يمكن أن أقول إنهم هم صنعوني، فهم من يصنعون الكاتب. لكن، هل أستحق قرائي؟ سؤال يبقى".

الأكثر قراءة