ميركل تبحث عن شراكة في مجالات الطاقة والتبادل التجاري
ميركل تبحث عن شراكة في مجالات الطاقة والتبادل التجاري
من لا يزال يسمع الدوي العميق في آذان الذين رافقوا الساسة من اتحاد الحزبين المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي، الناجم عن سياسة صديقين هما فلاديمير بوتين، وجيرهارد شرودر، فإنه سيستغرب التزام الحكومة الاتحادية الجديدة تجاه روسيا. ويتم تداول المخاوف من موسكو، ومن المقاولين وأصحاب الشركات الألمان، من أن الربيع الاقتصادي الذي ازدهر في السنين الماضية في علاقة الطرفين معاً، يمكن أن يصب في شتاء بارد.
إن الائتلاف الحكومي الكبير يريد الاستمرار في سياسة روسيا كما هي الحال في عهد الحكومة السابقة، وتريد الحكومة بشكل خاص تحسين واستمرار العلاقة الاقتصادية. وإذا كان النغم في هذه القضية يوحي بثقة أقل، فإن ما كانت عليه الحال "بالأصدقاء الرجال" الذين يتكاتفون مع بعضهم البعض لم يصبه أي ضرر.
وأوضحت ميركل في بيانها الحكومي أنها ترى الأولويات في العلاقات تجاه الجار الغني بالمواد الخام في الشرق. وكلتا الدولتين تربطهما شراكة استراتيجية، غير أن الدور كشريك اقتصادي نادراً ما جرى ذكره صدفة.
وتشمل إشارتها الصحيحة إلى أن ألمانيا لها مصلحة خاصة "بنجاح عملية التحديث في روسيا"، وكذلك التحديث الاقتصادي والتبادل التجاري المتنامي. كما لا يُستبعد الاستعجال بالتغيير الاجتماعي والإصلاحات الديمقراطية، حيث إن الشراكة يمكن، ويجب أن تشملها، إذ لا يقف خلف ذلك حديث فارغ فقط، بل يظهر من برنامج الزيارة والسفر المكثف لفريق ميركل الحكومي. وما إن تولى وزير الاقتصاد الألماني الاتحادي، ميخائيل جلوس، منصبه، حتى التقى بنظيره الروسي في هامبورج.
سجل وزير الخارجية الألماني زيارة عمل رسمية إلى الرئيس الروسي بوتين، ويتوقع أن تصل ميركل منتصف كانون الثاني (يناير) المقبل إلى موسكو. وما إن عادت لتوها من زيارة إلى واشنطن، حتى استقبل بوتين وزير الاقتصاد الألماني، جلوس.
والواقع أن ألمانيا مهمة للروس كشريك سياسي وسوق لمنتجاتهم مثلما هي روسيا أيضا مهمة بالنسبة للألمان. ولا توجد دولة تشتري الكثير من السلع والمواد الخام من روسيا مثل جمهورية ألمانيا الاتحادية. ونمت التجارة الثنائية في النصف الأول من هذا العام بنحو 30 في المائة. وكان ذلك قبل كل شيء مرتبطاً بالأسعار المرتفعة للنفط والغاز الطبيعي، إذ إن روسيا هي أكبر مصدّر للطاقة لألمانيا. و احتلت المركز الأول بين الشركاء التجاريين لألمانيا في أوروبا الشرقية في ذلك. وكنتيجة لارتفاع أسعار الطاقة، يظهر التوجه ذاته مع الصغار مثل بولندا، وتشيكيا، والمجر. ولكن الشركات الألمانية تركز على السوق الروسية.
وفي ترتيب المستثمرين الأجانب في روسيا، فإن الألمان يحتلون المرتبة الرابعة. وهناك تسعة من عشرة تجار روس يرون أن المناخ التجاري تحسن في السنين الماضية، وسيأخذ أيضاً بالتحسن مستقبلاً، كما أعلنت اللجنة الشرقية للاقتصاد الألماني قبل فترة وجيزة. وفي حقيقة الأمر أنه لا يزال هنالك الكثير من الشكاوى حول البيروقراطية المتزايدة، إلا أن الشكاوى من قبل المستثمرين الأجانب حول التعامل اللامبالي للقضاء وسلطات الجمارك الروسية أخذت في التناقص. ونتيجة "للديمقراطية الموجهة" لبوتين، يسود الأسلوب المعروف سياسياً بالتوجه القوي ضد عملاق النفط السابق ميخائيل كودوركوفيسكي. ولا تؤدي الإيرادات المتنامية من تجارة المواد الخام فقط إلى رفع احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، وتسديد الديون الخارجية القديمة، ومنها ديون ألمانيا، بل إنها تعمل أيضاً على زيادة النمو الاقتصادي في روسيا. وبلغت نسبة النمو في النصف الأول من السنة نحو 5 في المائة. والواقع أن عارضي السيارات الألمانية الفارهة، والغسالات، والمواد الغذائية يعرفون كيف يقدرون ذلك، شأنهم شأن صانعي الآلات المختلفة، وأصحاب المنشآت، أو دوتشه بانك الذي تولى مهام وأعمال بنك الاستثمار الروسي.
وهناك شركتان من كل ثلاث شركات ألمانية لها نشاطات تجارية في روسيا. وكذلك يؤخذ بالحسبان طبقاً لمصادر اللجنة الشرقية، نمو فوق المتوسط لعائداتها وأرباحها، كما أن استثمارات بالمليارات في قطاع السيارات والطاقة هي قيد التخطيط.
وبكثير من الأبّهة، جرى تدشين خط أنابيب غاز- بحر الشرق. وعبر هذا الخط، سوف يتدفق الغاز في عام (2010) للمرة الأولى من المصادر السيبيرية باتجاه أوروبا الغربية. وبذلك ينشأ خط أنابيب ثالث ممول من الشركة الحكومية الروسية العملاقة، غاز بروم، وشركائها الألمان الممثلين في شركتي باسف، وإيون. وتلبية للرغبة الروسية، سوف يتم تمديده عبر البحر الشرقي، وليس عبر البلطيق وبولندا. وأخذت المستشارة الاتحادية ميركل ذلك بالحسبان حين تقدمت باقتراح لإنشاء خط جديد أثناء زيارة قامت بها إلى وارسو في نهاية الأسبوع. وهذا لا يغير شيئاً من مشروع خط الأنابيب الروسي، ولكنه يثبت أكثر من مرة، كم هي العلاقات الاقتصادية مع روسيا "سياسية". وسوف يبقى الأمر كذلك هكذا في ظل الحكومة الجديدة.