سويسرا ليست الحل المستقبلي الموعودة

سويسرا ليست الحل المستقبلي الموعودة

سويسرا ليست الحل المستقبلي الموعودة

ينظر الكثير من الألمان إلي سويسرا على أنها بلد رخاء باعتبار أنها تشهد ازدهارا اقتصاديا كبيرا. ولكن في الحقيقة فإن الوضع هناك ليس مشرقاً للغاية كما يتصوّر الكثير فحتى في سويسرا هناك حاجة لإعادة الهيكلة رغم أن هناك أمورا ً كثيرة في سويسرا تبدو أكثر ثباتاً من ألمانيا. ففي سويسرا لا يهتم المرء هناك كثيرا بالتخطيط لمستقبله لذا فهو يبدو أكثر فرحا وانتعاشا .
لقد تحول الباحثون الاقتصاديون في سويسرا إلى مجرد مراجعين عليهم تدقيق و مراجعة توقعات النمو لأن الاقتصاد لم يكن ينمو بالطريقة السليمة. أما الآن فقد أصبحت التوقعات و التقديرات أكثر تفاؤلاً، ومن الممكن تحقيق نمو فعلي تتراوح نسبته ما بين 1.3 إلى 1.7 في المائة هذا العام. ورغم أن هذه النسبة ليست مبشرة للغاية إلا أنها على الأقل أفضل من نظيرتها في ألمانيا التي لم تتجاوز 0.8 في المائة. ومن المفترض أن يتحسن الوضع خلال العام المقبل بسرعة أكثر: ويُقدّر خبراء الاقتصاد نمواً خلال عام 2006 بين 1.6 إلى 2 في المائة وبهذا سترتفع هامات السويسريين أمام الألمان الذين من المفترض أن يحققوا نمواً معدّله 1.2 في المائة .

وبالفعل، فإن الألمان السويسريين هم أفضل حالاً من الألمان أنفسهم و يعزز هذا من ثقة الصغار في مواجهة الكبار- إن صح التعبير - ومن ناحية أخرى يدرك الألمان أن هذا التفاوت لا يجب أن يزيد على حد معين لأنه إذا ساءت الأمور في ألمانيا فإن رأس المال سوف يهرب الأمر الذي سيصب في مصلحة سويسرا المجاورة .
وبالنسبة لباقي فروع الاقتصاد فإن التراجع الألماني يُعد سيئاً، فخمس الصادرات الألمانية تتجه شمالا وفي حالة حدوث تراجع فإن سويسرا ستجني الكثير من وراء ذلك. ويُقدّر خبراء الاقتصاد في بنك كريديت سويس، أن الاقتصاد السويسري ينمو بنحو 0.4 نقطة في المائة أسرع من النمو في ألمانيا الذي يُقدّر بنحو نقطة في المائة.
وعقب الانتخابات الألمانية الأخيرة ساد نوع من القلق والفضول إزاء ما تنوي الحكومة الجديدة فعله. ويأمل السويسريون أن تتمكن الدولة من توثيق خطة إعادة هيكلة سريعة، وكذلك إلى أن تجد طريقها خارج حالة الضعف الاقتصادي، حيث إن الإحباط الألماني، وكذلك الإحباط الاقتصادي الذي يحيط ببعض دول منطقة اليورو الأخرى، أصبح ملموساً بوضوح أكثر خلال الأعوام الأخيرة الماضية. ولذلك كان لا بد من تعديل التوقعات.
وأدى الضعف الألماني بصورة غير مباشرة إلى أن يحرّك اقتصاد التصدير نفسه بقوة إلى تنويع توجهاته الجغرافية. فازداد إجمالي حجم التجارة مع آسيا، وروسيا، وأمريكا، وتراجع الجزء الخاص بدول الاتحاد الأوروبي بالمقابل إلى ما دون 60 في المائة. وأكثر من 300 شركة لها مقرات حاليا في الصين، كما فتحت شركة جورج فيشير لقطع غيار السيارات و شركة روشية للأدوية مصنعين جديدين لهما هناك. وبهدف التركيز على الأبعاد خارج أوروبا تأخذ الحكومة بعين الاعتبار، إلى جانب الميثاقين الثنائيين مع الاتحاد الأوروبي، عقد معاهدة تجارة حرّة الآن مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وتحظي التجارة الخارجية باستمرار بحوافز خارج أوروبا إلى أن يزداد حجم التصدير الفعلي من البضائع و الخدمات لعام 2005 بنسبة 3.9 في المائة. ويتوقّع خبراء الاقتصاد لعام 2006 نمواً أقل بصورة طفيفة جداً في حدود 3 في المائة. وتستفيد سويسرا من بناء شبكات الإنتاج العالمية، وذلك لأن الدول الناشئة تحتاج إلى الكثير من الآلات والمعدات لتتمكن من إحراز نجاح في موقفها العملي الدولي.
وينمو حجم التصدير، وبالأخص المتّجه إلى الصين من خلال صناعة الأدوية، وتقنية الطب، وكذلك إنتاج الساعات الفخمة، حيث تستحوذ الدولة على ثلاثة قطاعات ذات قدرة تنافسية عالية، ولا تؤمن بالتحوّل إلى دول الأيدي العاملة الرخيصة. وتحظى الدولة بشركات كبيرة عاملة في قطاع تقنية الطب، مثل شركة شتراومان أو شركة فوناك لتصنيع أجهزة السمع الطبية. كما أن هناك شركة سواتش التي تقوم بتصنيع ساعات اليد الفاخرة و كذلك هناك الشركات البارزة أوميجا، وبلانكبين، وكذلك مجموعة جينيفر ريتشمونت (كارتيير، IWC، ييجير لي- كولتري). وكل تلك العلامات التجارية السابقة تشرق منذ زمن بمعدلات نمو متضاعفة.
وتعتبر السياحة التي تشهد مزيدا من الازدهار ثالث أكبر عنصر جذب للعملات الأجنبية في سويسرا. و تزداد أعداد الأثرياء في العالم من دول مثل الهند ممن يقومون برحلات سياحية إلي سويسرا ذات التكلفة الباهظة. ويتواكب مثل هذا الارتفاع مع تراجع نسبة أعداد السياح الألمان. ولهذا يتعافى القطاع السياحي لدى سويسرا تدريجياً من أزمته، حيث من المؤكد أن محصّلة زيادة إشغال الفنادق لعام 2005 ستكون مميزة، وكذلك فإن الخبراء أكثر تفاؤلاً حول تنبؤات العام المقبل.
ويعتبر الوضع الاقتصادي في سوق العقارات في سويسرا أفضل مما هو عليه الحال في ألمانيا نظراً لانخفاض نسبة الفوائد ومتطلبات التراكم، و يتم في الوقت الراهن بناء العديد من الشقق. والسويسريون أكثر فرحاً و راحةً في الاستهلاك، وذلك لأنهم ببساطة أكثر ثراء و لا يكادون يتأثرون بالمشاكل السياسية والاقتصادية. ويبلغ معدل البطالة في سويسرا ثلث نسبته في ألمانيا.
ومن الممكن أن ينمو الاستهلاك الخاص خلال هذا العام بنحو 1.5 في المائة. ويُتوقّع نمواً كذلك لعام 2006: وأغلب التوقعات تدور حول 1.4 و 1.6 في المائة وعلى ما يبدو، فإن خبراء الاقتصاد في البنك UBS الكبير يبدون أكثر تفاؤلاً، حيث أكدوا على أن مناخ الاستهلاك تحسّن بصورة واضحة خلال فترة الصيف. وفي أيلول (سبتمبر) على سبيل المثال، ازداد الطلب على السيارات الصغيرة الخاصة.
و لا تجتذب التجارة حالياً زبائنها عن طريق تكثيف الإعلان، بل من خلال تنافس حاد في تخفيض الأسعار كما لم يكن الحال من قبل أبداً. وحتى الآن هيمنت شركتا ميجروس، وكووب، على سوق تجارة التجزئة وهما تعملان كشركات احتكارية، وبلغ معدل الهامش أعلى من معدل تجارة التجزئة في ألمانيا. وجاء دخول السوق السويسرية من قبل شركة ألدي الألمانية ذات الأسعار التنافسية التي افتتحت مواقعها الأربعة الأولى، ليغير شيئاً من الموقف. وبالفعل، ردّ المزودون السويسريون على هذه المنافسة الجديدة بتخفيض الأسعار، وتعزيز التصنيفات الرخيصة. ويساهم ضغط خفض الأسعار في التجارة إلى حد كبير في كبح زيادة حجم التضخم مع ارتفاع أسعار النفط.

وعلاوةً على ذلك فإن الدولة تملك جزءاً كبيراً من القوة الماية، وبالتالي عليها استخدام نفط أقل في محطات توليد الطاقة الكهربائية. ولدى سائقي السيارات، يستشعر السويسريون بغلاء النفط، ولكن نظراً لشبكة المواصلات العامة المتوافرة والجيدة، يمكنهم أن يخففوا عن أنفسهم عبء ضغط الأسعار، واستخدام الحافلة أو القطار في تنقلاتهم.

ويبقي عنصر الإنفاق الأكبر من صميم الحياة السويسرية ذاتها ألا وهو نظام التأمين الصحي رغم أن سويسرا تُعد صورة مثالية وقدوة للعديد من الألمان، حتى للمستشارة الجديدة أنجيلا ميركل وذلك لأن سويسرا تقدّم نسبة أساسية للفرد في التأمين الأساسي، حيث تنمو الأقساط التأمينية منذ أعوام بالمعدل بنحو 6 في المائة.
ونظراً لأن التضخم يمكن أن يصل إلى 1.3 في المائة هذا العام، و بما أن بنك الاحتياط لا يرى أن هدف الاستقرار لعام 2006 (ارتفاع الأسعار إلى أقصى حد بنسبة 2 في المائة) معرّض للخطر، فعلى البنك أن يتجنب رفع الفائدة الأساسية التي تعادل حالياً نحو 0.75 في المائة. ومعظم خبراء الاقتصاد يقدّرون حتى الآن من خلال تقييمهم للأوضاع الجديدة مع حلول منتصف كانون الأول (ديسمبر)، أن الفائدة لن تتغيّر على الأقل في الوقت الراهن. وهذه التوقعات موضع شك لأن هناك احتمالاً كبيراً بزيادة سعر الفائدة قريباً في منطقة اليورو. وبما أن سعر تبادل الصرف بين اليورو الفرنك السويسري مهم جداً، فلا يمكن للبنك الاحتياطي السويسري أن يتجاهل هذه الخطوة الأوروبية.
وتُحسد سويسرا على سوق العمل الموجودة لديها، وذلك لأنه يعمل عن طريق تحديد الأجور بطريقة لامركزية في المصانع، وبطريقة مرنة جداً (بدلاً من فرض كارتل التعريفة على القطاع بأكمله)، وتتم معادلة العرض مع الطلب باستمرار. وعلى هذا فقد انخفض معدل البطالة في التسعينيات من 6 في المائة بسرعة إلى 2 في المائة. ويصل معدّل العاطلين عن العمل برغم النمو الاقتصادي إلى 3.7 في المائة. ولا تنبئ مؤشرات عام 2006 إلى انخفاض واضح في نسبة البطالة، حيث يرى البعض في ذلك سياسة توظيف متحفّظة للمصانع أكثر من كونها نقص مؤهلات لدى العاطلين عن العمل.
ورغم المحاولات المستمرة التي تبذل في بروكسل لضم سويسرا إلي الاتحاد الأوروبي إلا أنه يبدو أن الطريق ما زال طويلا قبل أن تنفذ هذه الخطوة. ولم يلحق ضرر بدور سويسرا خارجيا حتى الآن في ظل وجود اتفاقيات ثنائية تلبي احتياجات البلاد و تمكنها من النفاذ إلى السوق الخارجية. ويستفيد المرء من الانفرادية أحياناً، وذلك لأن فوائد الفرنك أقل من فوائد منطقة اليورو نظراً لانسياب الرأسمال. وبسبب طبيعتها الخاصة لم تنجح سويسرا على كل حال في تحرير اقتصادها الداخلي، كما هي الحال في الاتحاد الأوروبي.
ومنذ فترة طويلة، لم يسمع أحد اللغة الألمانية الفصحى في سويسرا. و لا نعني هنا للسويسريين الذين تخلوا عن لهجتهم، بل نعني الألمان الشباب الذين يتدفقون إلى سويسرا فرادى وجماعات. وفي بعض العيادات لا تجد سوى أطباء ألمان فقط وهؤلاء هم من فروا من الأجور المتدنية وفترات العمل الطويلة في المناطق الشرقية في ألمانيا. ووجد أكثر من عشرة آلاف ألماني في العام الماضي وظائف في سويسرا. لكن أصحاب العمل غالبا ما يستبدلون بمواطنين من دول البلقان فهم أكثر تكيفا من غيرهم من الجنسيات الأوروبية الأخرى الذين لا تخلو تصرفاتهم من شعور بالأنفة و الاعتزاز بالذات
وفي زيوريخ، يُعتبر الألمان أكبر أقلية أجنبية. وتسجّل سويسرا دوماً معدلات أقليات أجنبية عالية (20 في المائة )، وذلك بسبب الازدهار الاقتصادي الكبير و الواضح. ومع وجود الألمان لا ترتفع النسبة فحسب، بل تؤدي إلى فروق في الطبقات: فسويسرا التي يفد إليها قليل من العمالة المؤهّلة من غير دول الاتحاد الأوروبي تجتذب أيضا عمالاً مؤهلين وجيدين من دول الاتحاد الأوروبي وهذا بالضبط ما يريده السويسريون.

الأكثر قراءة