FINANCIAL TIMES

من واد قاحل إلى مدينة صديقة للشركات العالمية

من واد قاحل إلى مدينة صديقة للشركات العالمية

يطلق السكان المحليون على مدينة "بيسكوريا" الواقعة خارج مدينة مونتيري في المكسيك، اسم "بيس كوريا" مع قيام شركة كيا لصناعة السيارات برفع الإنتاج في مصنعها، الذي سيتم توسيعه قريبا من أجل إنتاج السيارات الكهربائية.
وبدأت المستودعات بالظهور في جميع أنحاء المدينة على طول الطريق المؤدي إلى منطقة صناعية صينية شاسعة. كما تمت ترجمة بعض اللوحات الإعلانية الخاصة بالعقارات إلى الإنجليزية أو الكورية أو الماندرين.
العقارات الصناعية آخذة في التوسع، لكن معدلات الشواغر في الوقت نفسه تقل عن 2 في المائة. حتى إن المطورين العقاريين يقومون ببناء رمز مادي يدل على الثقة المفرطة: وهو عبارة عن ناطحة سحاب أعلى من مبنى إمباير ستيت.
وقال لورينزو باريرا سيغوفيا، الرئيس التنفيذي لبنك بانكو بيس، الذي يقع مقره في المدينة: "لا يمر أسبوع بالنسبة إلينا دون أن نلتقي مسؤولين تنفيذيين صينيين وكوريين ويابانيين، يتطلعون إلى فتح مكاتب أو مصنع".
تعد مونتيري، وهي مدينة صديقة للشركات على بعد بضع ساعات بالسيارة من تكساس، بمنزلة مؤشر لقدرة المكسيك على جني ثمار نقل عمليات التصنيع لمكان قريب - وهو تحول بدأ يحدث بفضل جائحة فيروس كورونا، والرسوم التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وعدم الاستقرار الجيوسياسي منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
وقد اختار المستثمرون المكسيك بوصفها واحدة من أفضل الدول التي يمكنها الاستفادة اقتصاديا من التغيرات الجيوسياسية. حيث تخرج المدن الشمالية في البلاد حاليا الآلاف من الخريجين ذوي المهارات العالية وترسل ملايين الأطنان من البضائع إلى الولايات المتحدة والتي تراوح من الثلاجات إلى ألعاب الليجو.
وفي إشارة إلى المكسيك، قال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورجان، لتلفزيون بلومبيرج هذا الشهر: "إذا كان عليك اختيار بلد، فقد تكون المكسيك أفضل فرصة".
وبفضل أنها باتت رمزا للتصنيع، فقد أصبحت مونتيري - التي تقع في واد شبه قاحل تحيط به الجبال الوعرة - نقطة جذب للمكسيكيين من أماكن أخرى للبحث عن عمل. إلا أنها تمثل أيضا عديدا من الاختناقات التي يمكن أن تعيق تقدم البلاد.
وأصبحت مونتيري، التي طالما استخف بها سكان العاصمة بوصفها مدينة صناعية إقليمية، أكثر عالمية مع إعلان شركات من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا عن استثمارات فيها.
وقال إيفان ريفاس، وزير الاقتصاد في نويفو ليون، وهي الولاية التي تضم مونتيري: "في مدرسة أطفالي يوجد كوريون وفنزويليون وأرجنتينيون، وأناس من كل مكان، عندما كنت صغيرا لم تكن ترى ذلك".
وقد أعرب قادة الشركات عن أسفهم لأن ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية لا يستفيد بشكل كامل من فرصة نقل العمليات المصانع والأنشطة الخدمية لمكان قريب. حيث يلقي كثيرون باللوم على حكومة الرئيس اليساري أندريس مانويل لوبيز أوبرادور. ولكن على الرغم من استمرار الشكوك، فقد ساعد النمو الصناعي في الشمال على تغيير المزاج العام، وتقول مزيد من الأصوات الآن إن نقل العمليات التجارية لمكان قريب أصبحت تظهر في البيانات.
وقال ميجيل أنخيل ألكاراز، الشريك في شركة ماكينزي في مكسيكو سيتي، الذي عاد أخيرا من الحديث مع الشركات الصينية الكبيرة التي تفكر في التوسع في أمريكا اللاتينية لخدمة عملاء الولايات المتحدة: "كنت أعد نفسي متفائلا حذرا بشأن قضية نقل العمليات التصنيعية لمكان قريب - أعتقد الآن أنني أكثر تفاؤلا".
"لقد قدمنا بعض أرقام الاستثمارات التي تم الإعلان عنها وأخبرونا أن عشرة أضعافها مقبلة".
وقام المحللون بمراجعة حادة لتقديراتهم للنمو في البلاد في 2023 إلى 3.3 في المائة، من أقل من 1 في المائة في يناير.
كما قفز أحد مقاييس الاستثمار في الأصول الذي يعكس القطاعين العام والخاص إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، وفقا للمعهد الوطني للإحصاء والجغرافيا. وفي الوقت نفسه، ارتفع البيزو المكسيكي بنسبة 15 في المائة مقابل الدولار هذا العام، وهو ثاني أكبر مكسب لأي عملة في أي سوق ناشئة.
وأصبحت المكسيك هذا العام أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، متقدمة على كندا، حيث بدأت تفوز بحصة أكبر من الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي خسرتها الصين.
ويشير المتشككون إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 32.9 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، يعكس في الأغلب إعادة استثمار الأرباح وليس إقامة المشاريع الجديدة.
لكن حكومة ولاية نويفو ليون في مونتيري تقول إن مليارات الدولارات من الاستثمارات التي تم إعلانها هناك لم تنعكس بعد في أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات.
وهي تشمل التزاما بقيمة خمسة مليارات دولار من شركة صناعة السيارات الكهربائية الأمريكية تسلا لبناء مصنع جديد - على الرغم من أن مالكها إيلون ماسك أخبر المستثمرين أخيرا أنه قام بتأجيل المشروع بسبب مخاوف تتعلق بالاقتصاد العالمي.
وقال ريفاس عن الصادرات: "عندما يتم تنفيذ كل هذه الأمور، فإن الرقم سيرتفع بشكل هائل".
لكن سوء التخطيط والبنية التحتية القديمة واستمرار انعدام الأمن قد يضع سقفا لطموحات المكسيك الاقتصادية.
هذه المسائل تبدو جلية في مونتيري. حيث تضاعفت حركة المرور على الطرقات منذ 2019، ما جعل المدينة الأكثر ازدحاما في البلاد وفي المرتبة 11 على مستوى العالم، وفقا لشركة أي إن آر أي إكس. كما أن وسائل النقل العام محدودة، على الرغم من التوسع من خلال خطوط المترو الجديدة. وكانت أزمة المياه الحادة الناجمة عن الجفاف تعني أنه في وقت ما من العام الماضي، كانت المدينة بأكملها مقيدة بست ساعات فقط من ضخ المياه يوميا.
وقال الناس إن الشركات تنفق أيضا مبالغ متزايدة على البنية التحتية للكهرباء لربط المشاريع بالشبكة، حيث بدأت أعوام من نقص الاستثمار الوطني تصل إلى نقطة حرجة.
وقال روبرتو دوران، الأستاذ في جامعة تكنولوجيكو دي مونتيري: "تعاني مونتيري وبقية البلاد عجزا في التخطيط من حيث إعطاء اتجاه استراتيجي للنمو الاقتصادي".
إن المشكلات الهيكلية الوطنية التي لم يتم حلها - مثل الفساد والافتقار إلى المنافسة في الاقتصاد - تدفع بعض المراقبين، مثل جيسون توفي، الخبير الاقتصادي في الأسواق الناشئة في شركة كابيتال إيكونوميكس، إلى التشكيك في أن القوى الخارجية ستكون تحويلية بالنسبة إلى المكسيك.
وقال: "لقد أبرمنا اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة وكندا منذ 30 عاما تقريبا، وكانت الإنتاجية ونمو الناتج المحلي الإجمالي الأوسع في المكسيك ضعيفين للغاية".
لم تقم حكومة لوبيز أوبرادور اليسارية التقليدية بصياغة استراتيجية شاملة لجذب الاستثمار أو توجيهه. فقد ألغى وكالة برو مكسيكو الحكومية للاستثمار، تاركا البنوك والمستشارين وحكومات الولايات في البلاد تروج للمكسيك كوجهة بدلا من ذلك.
وعلى الرغم من سمعته بالعداء للقطاع الخاص، فاجأت الحكومة المستثمرين أخيرا بالإعلان عن حوافز مالية للاستثمارات من قبل الشركات التي تركز على التصدير في قطاعات معينة. وعد البعض ذلك علامة إيجابية قبل الانتخابات لتعيين رئيس جديد في يونيو.
وقال جابرييل يوريو نائب وزير المالية: "الرئيس وهذه الحكومة منفتحان للغاية على الاستثمار الأجنبي المباشر. القطاع الخاص مرحب به. ما كان لدى الحكومة هو تركيز واضح للغاية على قضايا الأمن القومي مثل الطاقة".
ويعد هذا الانتعاش الاقتصادي توقيتا موفقا بالنسبة إلى لوبيز أوبرادور، حيث لم يتبق سوى أقل من عام على الانتخابات، إذ يأمل أن تفوز ربيبته، عمدة مكسيكو سيتي السابقة كلوديا شينباوم، بالرئاسة.
وقال ألكاراز من شركة ماكينزي في إشارة إلى الاستثمار من الخارج: "السؤال لم يعد: هل سيزداد الاستثمار؟ سيزداد".
وقال إن السؤال الذي يجب حله يدور حول القضايا المستمرة منذ فترة بعيدة مثل البنية التحتية وانعدام الأمن: "هل سنترك 20 مليار دولار سنويا على الطاولة لأن هناك أشياء لا نفعلها؟".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES