FINANCIAL TIMES

الرقم 4 .. النسخة الجديدة من التضخم

الرقم 4 .. النسخة الجديدة من التضخم

الأسبوع الماضي، كان كريستيان أولبريتش، الرئيس التنفيذي لمجموعة جيه إل إل العالمية العقارية، يجوب أرجاء المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في محاولة منه، مثله مثل المديرين التنفيذيين الآخرين، لتحليل عالم مربك. يقول "إن أحد استنتاجاته، هو أن الرؤساء التنفيذيين متفائلون بشكل مفاجئ بشأن النمو المستقبلي، وإن النظام التضخمي قد تغير".
اعتادت نخبة دافوس أن تنظر إلى معدل تضخم يبلغ 2 في المائة على أنه معدل طبيعي، لأسباب ليس أقلها أنه راسخ في أهداف البنوك المركزية. لكن الآن "لدينا كثير من الاتجاهات الأساسية"، ما يعني أن "التضخم سيظل ثابتا عند نحو 5 في المائة"، حسبما يقول أولبريتش. كما يتوقع أن "تظل أسعار الفائدة عند نحو 5 في المائة أيضا"، مشيرا إلى أن هذا سيؤدي إلى انخفاض أسعار العقارات. بعبارة أخرى، بالنسبة إلى أولبريتش وأمثاله، فإن الرقم أربعة "أو خمسة" هو النسخة الجديدة من معدل التضخم البالغ اثنين.
ينبغي للمستثمرين الانتباه. الأسبوع الماضي، أشارت أسواق السندات العالمية إلى نهاية الذعر التضخمي الذي حدث العام الماضي. مثلا، تراجعت عوائد سندات الخزانة لأجل عشرة أعوام إلى 3.3 في المائة تقريبا بعد أنباء عن انخفاض نمو الأسعار الاستهلاكية والإنتاج، وتشير الأسعار إلى مزيد من التراجع في التضخم العام المقبل، مع تحرك دورة أسعار الفائدة.
بالنسبة إلى بعض الخبراء الماليين، هذا أمر منطقي. تتوقع آن والش، كبيرة مسؤولي الاستثمار في شركة جاجينهايم الاستثمارية، مثلا، أن يكون التضخم في الولايات المتحدة أقل من 3 في المائة بحلول نهاية 2023، لأن "كثيرا من العوامل التي أدت إلى ارتفاع التضخم (مثل اختناقات العرض) تنعكس الآن بشكل حاد".
ربما الأمر كذلك، لكن يبدو أن هذه وجهة نظر أقلية، بينما لا يتوقع معظم الحاضرين في دافوس عودة العالم إلى صدمة التضخم التي حدثت العام الماضي، فإنهم لا يتوقعون العودة إلى نمط ما قبل 2019 من التضخم شديد الانخفاض وأسعار الفائدة القريبة من الصفر أيضا. لقد تغيرت القاعدة.
لماذا؟ إن أحد العوامل هو الصين. في بداية هذا الشهر، بدا منظمو المنتدى الاقتصادي العالمي متشككين فيما إذا كانت بكين سترسل حتى وفدا إلى دافوس هذا العام، لكن إحدى مفاجآت الأسبوع كانت أن ليو هي، نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، خاطب المنتدى علانية، وأصر على أن الصين تعيد فتح أبوابها، وتعاود التعامل مع العالم.
في مناسبات العشاء الخاصة، شدد على هذه الرسالة بقوة أكبر. عزز ذلك تفاؤل المسؤولين التنفيذيين بشأن النمو العالمي. لكن الصعوبة، كما يشير نيكولاي تانجين، رئيس صندوق النفط النرويجي، هي أن عودة الصين توجد "حالة عدم يقين كبيرة للغاية حول ما سيحدث للتضخم العالمي". قبل عشرة أعوام كانت الصين قوة انكماشية من حيث التضخم. الآن من المرجح أن تعزز الطلب على السلع، والأسعار العالمية.
قضية أخرى هي سلاسل التوريد. كشف اجتماع هذا العام أن معظم المديرين التنفيذيين يتوقعون قدرا أقل بكثير من الانفصال بين الولايات المتحدة والصين، ما قد يوحي به خطاب واشنطن حاليا. يقول أحد الرؤساء التنفيذيين في مجال التكنولوجيا "إن هذا ليس واقعيا".
لكن المناقشات أظهرت أيضا أن كل مجلس إدارة تقريبا يعيد هيكلة سلاسل التوريد الخاصة به لإيجاد مزيد من المرونة والتكيف تحسبا لصدمات مستقبلية. سيؤدي ذلك إلى زيادة التكاليف على المديين المتوسط إلى الطويل لا محالة، لأنه "حيثما نتحرك، فسيكون لإنتاجنا أجور أعلى"، كما يقول أحد الرؤساء التنفيذيين في مجال التصنيع، مشددا على أن هذه عملية تمتد إلى أعوام.
القضية الثالثة هي البيئة. أدى رد الفعل اليميني العنيف في العام الماضي ضد الحركة البيئية والاجتماعية والحوكمة إلى جعل بعض المديرين التنفيذيين -ولا سيما أولئك الذين يتخذون من أمريكا مقرا لهم، و/ أو يديرون بنوكا كبيرة- حذرين بشكل متزايد من الإشادة باعتمادات المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة. إن "الصمت الأخضر" جار على قدم وساق.
رغم ذلك، يبدو أن عددا قليلا من مجالس إدارة الشركات يتراجع عن خطط إزالة الكربون. على العكس من ذلك، هم يسرعون تلك الخطط، ولا سيما في أمريكا، في أعقاب قانون خفض التضخم المثير للجدل.
يميل المحاربون من أجل البيئة إلى التفكير "أو يرجون" أن تكون إزالة الكربون انكماشية في المدى الطويل، لأن تكلفة الطاقة المتجددة آخذة في الانخفاض. نأمل ذلك. لكن على المدى القصير إلى المدى المتوسط، يرى معظم الرؤساء التنفيذيين أن هذا التحول يمثل ضغطا كبيرا آخر على التكلفة، بما أن المكونات والمهارات اللازمة للتحول الأخضر غير متوافرة. يكاد يكون من المؤكد أنهم مصيبون.
ثم هناك عامل رابع أكثر دقة: روح العصر الثقافي. حتى وقت قريب، كان معظم الحاضرين في دافوس يعتقدون أنهم يعيشون في عالم أسواق حرة، حيث ستحد المنافسة العالمية من تكلفة العمالة والسلع بلا هوادة. لكن الحرب في أوكرانيا، والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، وجائحة كوفيد - 19، والاضطرابات الاجتماعية توجد اقتصادا سياسيا عالميا جديدا: مزيد من التدخل الحكومي، والقوى العاملة المضطربة، والتهديد المستمر بالحمائية.
لا يعرف الرؤساء التنفيذيون إلى متى قد يستمر هذا، لكنهم يشعرون، وهم محقون في ذلك تماما، بأن كل جانب من جوانب هذا النظام الجديد تقريبا يمكن أن يكون تضخميا، ليس فقط على المدى القصير، لكن على المدى المتوسط أيضا.
بالطبع هناك عامل واحد على الأقل لا يمكن التنبؤ به في هذه النظرة المستقبلية: إذا ظلت البنوك المركزية كالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ملتزمة حقا بمستهدف 2 في المائة، فقد تسحق النشاط الاقتصادي بطريقة تحقق ذلك الهدف.
لكن كلما طالت فترة اعتقاد جماعة دافوس أن "الأربعة هو الاثنان الجديد"، فمن المرجح أن تكون مهمة الاحتياطي الفيدرالي أكثر صعوبة، في كل من المعنيين السياسي الاقتصادي. أو بعبارة أخرى، قد يتجاهل مستثمرو السندات الذين يراهنون الآن على أننا سنعود إلى أنماط التضخم الحميدة في الماضي طبيعة الاقتصاد السياسي الجديد. إن ما يهم الآن هو التحولات الهيكلية، وليس دورات الأعمال فقط.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES