FINANCIAL TIMES

انهيار "إف تي إكس".. الدرس المستفاد

انهيار "إف تي إكس".. الدرس المستفاد

من الصعب رؤية الجانب المشرق لانهيار "إف تي إكس" الدراماتيكي إذا كنت أحد الدائنين المليون أو نحوهم في إجراءات إفلاس بورصة العملات المشفرة. ستكافح المجموعات المهنية والأفراد من أجل استعادة أموالهما. حتى الرئيس التنفيذي الجديد، الرجل الذي أشرف ذات مرة على تصفية شركة "إنرون"، قال إنه أفظع فشل شهده على الإطلاق للشركات.
قال كين جريفين، رئيس شركة سيتادل، في مقابلة مع "بلومبيرج" الأسبوع الماضي إن الحادثة برمتها "تقوض الثقة بالأسواق المالية. كما اهتزت ثقة جيل بالأسواق المالية. هذا فظيع حقا لأن الذين تراوح أعمارهم بين 20 عاما و40 عاما ممن انخرطوا عميقا في سوق العملات المشفرة، وعليهم الادخار لتقاعدهم، وإذا كانوا لا يؤمنون أو يثقون بالأسواق المالية، فهذه مشكلة كبيرة".
أتساءل عما إذا كان العكس صحيحا. قد لا تكون الأسواق الخاضعة لضوابط تنظيمية سليمة مثالية، لكنها تبدو فجأة أكثر جاذبية.
باستثناء المتضررين مباشرة، يبدو أكيدا أن هذا الانهيار في غطرسة العملات المشفرة لم يسبب أي ضرر. تشير النبرة المتفائلة عموما في أسواق الأسهم إلى أن مديري الصناديق في فئات الأصول الأخرى متماسكون بشكل واضح.
عانت الأسهم في مجال التشفير بلا شك. انخفضت الأسهم في "كوين بيس"، بورصة العملات المشفرة، نحو 16 في المائة منذ أن بدأت "إف تي إكس" في الانهيار، لكن بعد انخفاضها أكثر من 80 في المائة منذ إدراجها العام الماضي، من يأبه للأرقام؟ شركة "جالكسي ديجيتال"، التي تطلق على نفسها اسم "جولدمان ساكس للعملات المشفرة"، عانت هبوط سعر سهمها 19 في المائة. خسرت "مايكرو ستراتيجي"، مجموعة البرمجيات التي تعمل صندوقا للعملات المشفرة، نحو ثلث قيمتها. فيما بين هذه الشركات إجمالا، إلى جانب شركة الوساطة "روبن هود"، التي تعمل في مجال العملات المشفرة وتعد الرئيس التنفيذي السابق لشركة "إف تي إكس" مساهما، انخفضت القيمة السوقية أكثر من ستة مليارات دولار لتصل إلى 23 مليار دولار، وفقا لحسابات "يو بي إس".
لكن بعض تقديرات التناسب تساعد هنا. بقيمة 23 مليار دولار، هذه الشركات مجتمعة تمثل 8 في المائة فقط من شركة ميتا، وفقا لما يشير إليه "يو بي إس". الضغط حقيقي، لكن التأثير في العالم الأوسع ضئيل.
علاوة على ذلك، بعض أسوأ المخاوف بين المنظمين حول انتقال العدوى لم تتحقق. قال إميل فان دن هيليجنبرج، رئيس تخصيص الأصول في شركة ليجال آند جينرال إنفستمنت مانجمنت، إنه تلقى أسئلة عديدة من العملاء عن إمكانية انتقال عدوى فشل "إف تي إكس" إلى الأسواق المالية الأساسية. "على الأرجح لن تصل إليها. تصبح العدوى منهجية عندما تدخل في نظام التمويل السائد من خلال البنوك. إذا تكبدت البنوك خسائر كبيرة في العملات الرقمية، فإن ذلك يؤدي إلى عمليات تصفية في أماكن أخرى"، كما قال. لكن حتى الآن، لا يبدو أن هذا هو الحال.
لعل الأمر الأهم هو أن انهيار "إف تي إكس" قد قدم درسا قاسيا في مبدأين من المبادئ التوجيهية لإدارة الأموال، أد واجبك، واجعله بسيطا.
إذا طرحت أسئلة كافية عن العملات المشفرة، أو أعربت عن شكوك كافية بشأن مزاعمها العظيمة، فسيتهمك الواثقون حقا بنشر الخوف وعدم اليقين والشك، إحدى أكبر الإهانات التي يمكن أن يوجهوها إلى أولئك الذين رفضوا اللحاق بالركب بحماسة للمضاربة. المشكلة ليست في الرموز المميزة، أو البورصات الجديدة الغريبة، كما يقولون. إنه جهلك.
اتضح أن العالم بحاجة إلى مزيد من الخوف وعدم اليقين والشك. السر الصغير الذي لا يرغب أحد في معرفته هنا هو أن كثيرا من الممولين العقلانيين يفشلون باستمرار في طرح أسئلة أساسية عن الشركات التي يتعاملون معها. أقدمت شركات رأس المال المغامر البارزة، التي أنفقت كل منها مئات الملايين من الدولارات، على شطب استثماراتها في "إف تي إكس" كليا. إحداها، "سيكويا"، التي تكبدت عناء كتابة مقال من نحو 14 ألف كلمة عن عبقرية رئيس "إف تي إكس" التنفيذي السابق، سام بانكمان فرايد. قالت شركة تيماسيك الاستثمارية في سنغافورة إن دعمها للبورصة بقيمة 275 مليون دولار كان "في غير محله". لكنها دافعت عن دراستها وإجرائها فحصا دقيقا "مكثفا" لهذا الاستثمار الذي استغرق ثمانية أشهر.
من الصعب تخيل ما أخذ منها ثمانية أشهر لفعله بالضبط.
إذا خسرت شركات رأس المال المغامر المال على ذلك، فلا مانع. المشكلة هي أن دعمها يضفي مصداقية. قال بعض مديري صناديق التحوط المشفرة إنهم استثمروا الأموال في "إف تي إكس" لأنهم افترضوا أن شركات رأس المال المغامر قد أجرت الفحص الدقيق. هذا ضرب من الجنون. "في رأس المال المغامر، كلما طالت مدة إجراء الفحص، زادت مخاطر خسارتك للصفقة"، كما يقول أحد المديرين التنفيذيين السابقين في هذا المجال. "إنه سباق إلى القاع".
"إف تي إكس" ليست أول مثال على ذلك، بالطبع. لكن طبيعة هذه القضية ربما تساعد على تشجيع المستثمرين للتفكير بأنفسهم.
أوضح مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا السابق، هذه النقطة في محاضرة ألقاها في 2020. "إذا شرح لك أحدهم نقطة في شأن مالي ولم تكن منطقية، اطلب منه إعادة شرح المبررات، إذا ما زالت إجابته غير منطقية، عليك الهرب".
جريفين محق في القلق بشأن مصير الذين تعرضوا للسعات كارثة "إف تي إكس". لكن إذا كان هذا يعطيهم دفعة نحو إبداء مزيد من الخوف وعدم اليقين والشك، فربما ذلك أمر جيد.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES