FINANCIAL TIMES

الدولار القوي يجعل الاقتصادات الناشئة بائسة وفقيرة

الدولار القوي يجعل الاقتصادات الناشئة بائسة وفقيرة

تعيش الدول النامية حياتها الاقتصادية تحت رحمة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. قد يبدو هذا فظا، لكن الفظاظة لا تقلل من حقيقته.
عندما تكون الظروف النقدية للولايات المتحدة فضفاضة، يتم دفع رأس المال نحو الاقتصادات الناشئة، الأمر الذي يسهل على هذه الدول تمويل نفسها. وعندما يشدد الاحتياطي الفيدرالي، كما يفعل هذه الأيام، تعكس الموجة مسارها ويتحول رأس المال الباحث عن عوائد أعلى إلى الولايات المتحدة مرة أخرى.
عادة ما تفهم هذه الدورة على أنها ناتجة عن تأثير ارتفاع أو انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية على تدفقات رأس المال إلى الدول النامية. لكن، ليس العائد على الأصول الأمريكية هو الذي يؤثر في هذه الدول فحسب، سعر صرف الدولار يلعب أيضا دورا كبيرا في هذه الدراما.
فيما يلي أربع طرق يمكن من خلالها للدولار القوي أن يجعل الحياة صعبة بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة.
أولا، يميل الدولار القوي إلى كبح نمو التجارة العالمية. فهو العملة السائدة في الفوترة وتسوية مجموعة ضخمة من المعاملات التجارية العالمية. ونظرا إلى أن القوة الشرائية للعملات غير الأمريكية تنخفض عندما يرتفع الدولار، فإن ارتفاع قيمة العملة الأمريكية يميل إلى جعل العالم أفقر وأقل انخراطا في التجارة.
ولأن الدول النامية تميل إلى أن تكون ما يسميه الاقتصاديون اقتصادات صغيرة ومفتوحة تعتمد بشكل خاص على التجارة العالمية، فمن المحتمل أن يكون أي شيء يضع ضغطا هبوطيا على ذلك غير مفيد لها.
ثانيا، يميل الدولار الأقوى إلى تقويض الجدارة الائتمانية للدول النامية التي لديها ديون مقومة بعملة الولايات المتحدة. ارتفاع قيمة الدولار يجعل شراء العملة الأمريكية التي تحتاج إليها هذه الدول لخدمة ديونها أكثر تكلفة. ومن المرجح أن يكون هذا الأمر أكثر إيلاما للدول منخفضة الدخل التي عادة ما يكون لديها فقط قدرة محدودة على الاقتراض دوليا بعملاتها الخاصة، حتى في أفضل الأوقات.
ثالثا، من المرجح أن يكون الدولار القوي أمرا يزعج الصين في هذه الفترة، وما يعد سيئا لهذا البلد يصبح غير مفيد عموما للاقتصادات الناشئة نظرا إلى ارتباطها بسلاسل التوريد الصينية والطلب على السلع الأساسية.
الاعتقاد أن ضعف الرنمينبي قد يكون وسيلة ملائمة لتعزيز الصادرات الصينية يعد أمرا جذابا في ظاهره، إلا أن هناك قوتين أكبر تعملان في الاتجاه المعاكس.
إحداهما هي أنه من خلال زيادة تكلفة السلع المستوردة، فإن ضعف الرنمينبي يجعل الأمور أصعب على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في الصين التي تواجه في كل الأحوال ضغوطا مطولة على ربحيتها. القوة الأخرى هي أن الرنمينبي الضعيف يميل إلى تحفيز تدفقات رأس المال إلى خارج الصين، وهو أمر تفضل السلطات في بكين أن تتجنبه لأنها تسعى إلى إبقاء التوقعات بشأن عملتها إيجابية.
أخيرا، في الوقت الحالي من المرجح أن يتسبب الدولار الأقوى في تضخم أكثر للاقتصادات الناشئة مما كان عليه الحال في الماضي. فقد سمحت لنا الأعوام الأخيرة أن ننسى أن انخفاض قيمة العملة في دولة نامية يمكن أن يؤدي بسرعة إلى التضخم. وذلك لأن ما يسمى "المرور" من سعر الصرف إلى التضخم كان في الواقع يميل إلى أن يكون منخفضا نسبيا في الأعوام الأخيرة.
مع ذلك، قد لا يعد الماضي دليلا جيدا لكي ننظر من خلاله إلى الحاضر. فمن بين الأسباب الرئيسة في أن انخفاض أسعار الصرف لم يتبين أنه تسبب في التضخم في الأعوام الأخيرة، هو ببساطة أن التضخم العالمي كان منخفضا بشكل عنيد. لكن هذا الشيء لم يعد صحيحا. ويجدر بنا القلق من أنه في الوقت الذي يتسارع فيه التضخم، من المرجح أن يؤدي انخفاض قيمة العملة إلى زيادة الضغط على الأسعار المحلية. إذا أضفت مادة قابلة للاشتعال إلى النار فستحصل على مزيد من النار.
الاقتصاد العالمي أصبح بيئة معادية إلى حد ما بالنسبة إلى الدول النامية في هذه الفترة، فهناك مخاطر الركود المتزايدة في الغرب، والتباطؤ غير المريح في الصين، وتضاؤل وفرة التمويل وارتفاع تكلفته بعدما أصبح المستثمرون أكثر عزوفا عن المخاطرة، وتسارع التضخم في كل مكان تقريبا، وزيادة القلق بشأن توافر الغذاء في عدد من الدول.
وهذا كله المقدمة فقط. أما ما وراء ذلك، فاحتمال جهود إزالة العولمة من قبل صانعي السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا والصين لتحقيق مرونة في سلسلة التوريد ستأتي على حساب التدفقات المستقبلية للاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصادات الناشئة.
ومع وجود كل هذه العناصر، فإن تعزيز الدولار هو آخر شيء تحتاج إليه الدول النامية. ومع هذا، قد لا تنتهي المشكلة قريبا. ففي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي - وهي آخر مرة واجهت فيها الولايات المتحدة مشكلة تضخم مستعصية بالفعل - ارتفع الدولار نحو 80 في المائة. قد لا يكرر التاريخ نفسه تماما، لكن إذا كان الدولار سيواصل قوته بالضراوة نفسها قبل 40 عاما، فستكون رحلة الاقتصادات الناشئة مليئة بالمطبات.

*رئيس اقتصادات الأسواق الناشئة في سيتي بانك
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES