Author

التمويل الإسلامي والمشاريع الصديقة للبيئة

|

خلال أقل من عشرة أيام شهدت الرياض حراكا كبيرا عالميا من خلال مجموعة من البرامج والملتقيات، لتؤكد قدرة الرياض عمليا أن تكون مدينة استثنائية عالميا، فقد بدأت بموسم الرياض لعام 2021 ومن ثم قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر 25 تشرين الأول (أكتوبر)، ومن ثم انطلقت النسخة الخامسة من مبادرة مستقبل الاستثمار لعام 2021 بتاريخ 26 تشرين الأول (أكتوبر)، وذلك بعنوان الاستثمار في الإنسانية الذي ركز على قضايا خاصة بالتحديات البيئية التي تواجه الإنسان، ومن خلال البرامج والمبادرات لاحظ المشاركون جدية المملكة في الإسهام بدور رائد في تحقيق تحول بيئي يخدم الإنسانية وهي الدولة الأولى في النفط في العالم إنتاجا واستثمارا، إلا أنها التزمت بالحياد الصفري عام 2060 إضافة إلى برامج عملية تهدف لما فيه خير للإنسان على هذه الأرض في ظل تنامي حجم الكوارث وتأثيرها في الانسان والأجيال المقبلة، حيث نجد أن المملكة بدأت فعليا ببرامج عملية لطرح نماذج متفوقة تكنولوجيا وبيئيا من خلال مشاريعها في نيوم والبحر الأحمر وبرامج لزراعة أعداد هائلة من الأشجار حول المملكة وهذا ملاحظ لكل من يزور الرياض بعد غياب فترة قصيرة، إذ إن التحولات متسارعة وتحقيق النتائج بات ملموسا، ما يؤكد جدية القرار في المملكة والتزام القيادة تجاه ما فيه مصلحة الأرض والإنسان.
المشاريع والبرامج البيئية الموجودة في العالم اليوم، أصبحت نشاطا متنوعا من خلال جهود اجتماعية وسياسية والجانب المهم في هذه المرحلة الجانب الاقتصادي، بدأ العالم يهتم بشكل أكبر اليوم بالاستثمارات ودعم المشاريع التي تعد اجتماعية من خلال برامج تخدم عملية الإصلاح في البيئة أن يتم العمل على مشاريع أثرها أخف في البيئة بما يخفف من الأضرار التي أصبحت واقعا ملموسا على البيئة وتهدد حياة الملايين ممن يسكنون في هذا الكوكب، وقد بدأت نشأة الصناديق الخضراء عام 1990، وتطورت إلى أن بلغ حجم الاستثمار فيها نحو 50 مليار دولار عام 2020.
ولعل الإنسان بعد أزمة كوفيد - 19 استشعر أن أي كارثة تحل في هذا الكون فلن يكون أحد على هذا الكوكب بمنأى من وصولها أو أثرها إليه، وبالتالي لا بد من العمل المشترك من قبل كل دول العالم للوصول إلى حلول والعمل بتنسيق مشترك يحقق لهذا الإنسان الأمن والاستقرار، ومن المتوقع أن تزداد هذه الاستثمارات بعد ازدياد الوعي عالميا والاهتمام بمثل هذا الأمر من خلال برامج عملية، ملتقيات على مختلف المستويات، وبناء المناهج التعليمية على أسس تدعم هذا الوعي في المجتمعات.
التشريع الإسلامي جاء بحفظ الضرورات الخمس ومنها النفس، أي: الإنسان وبالتالي، فإن العناية بالبيئة تتسق مع مقاصد الشريعة الإسلامية وبالتالي فإن البرامج التي تهدف إلى تحقيق ذلك تجد ما يؤيدها من خلال الأدلة والأحكام في الشريعة الإسلامية، وبالتالي فإن التمويل الإسلامي يمكن أن يسهم في دعم الحراك الخاص بحماية البيئة من خلال مجموعة من المبادرات التي يمكن أن تعزز بناء صورة مطلوبة في قيم التمويل الإسلامي بما يبرز رسالته الأخلاقية لمصلحة الإنسان.
يتميز التمويل الإسلامي بأنه قائم في الأساس على مبادئ وقيم خلال منهجية النظام الرأسمالي الذي يهتم بتحقيق الأرباح دون أن تكون هناك مرجعية قيمية، والإصلاح في النظام الرأسمالي جاء من خلال التشريعات التي تختص بها كل دولة في هذا العالم، ولذلك تجد التفاوت بين الدول التي تصنف بأنها رأسمالية في الحد من قسوة النظام الرأسمالي ومع ظهور اتجاهات لوجود قطاع مالي أو استثمارات تعتمد على أسس قيمية تفرضها على نفسها بعيدا عن إلزام الجهات التنظيمية بل لتحقيق رغبة كثير من المهتمين والناشطين بدأت تظهر صناديق من الصناديق الخضراء والصناديق الأخلاقية وهذه جاءت بسبب ردة فعل لنتائج الجانب السلبي في الرأسمالية، إلا أن الأمر مختلف نسبيا في نظام المالية الإسلامية الذي يلتزم في تشريعاته بالفعل وليس بردة الفعل، إسهام التمويل الإسلامي فيما يتعلق بالبيئة يأتي من خلال الاستثمار في الأنشطة الصديقة للبيئة من خلال إنشاء صناديق تهتم باستثمارات، كما أن من الأهمية بمكان أن يكون هناك اهتمام بتمويل مشاريع صديقة للبيئة من خلال مجموعة من الحلول بما فيها الصكوك الإسلامية، والتمويل من خلال أدوات التمويل الإسلامي المتنوعة. كما يمكن أن يكون عنصر الاهتمام بالبيئة جزءا من مادة الاقتصاد الإسلامي، تجمع فيه النصوص والأحكام الخاصة بمسؤولية الإنسان للعناية بالأرض التي يعيش فيها.
الخلاصة: إن الاهتمام بالبيئة مبدأ معتبر في التشريع الإسلامي باعتبار أن حفظ النفس مقصد شرعي، والتمويل الإسلامي يمكن أن يسهم بالبرامج الخاصة بالبيئة من خلال الاستثمار والتمويل، واعتبارها جزءا من المبادئ والقيم التي حث عليها التشريع الإسلامي.

إنشرها