Author

تكلفة الرقابة عامل لا يؤخذ في الحسبان

|

من منا لا يريد ثروة عظيمة ومالا لا حدود له، لكن كلما زادت الثروات زاد الطمع فيها من قبل الآخرين، فالملائكة لا تمشي على الأرض ولم يعد بيننا أنبياء، وفي عالم البشر فإن كل مال مهدد بالاختلاس وسوء الاستخدام، ومن أجل ضمان استخدام الأموال فيما خصصت له، والأصول فيما هي معدة من أجله، فإننا في حاجة إلى الرقابة، سواء كانت هذه الرقابة شخصية من قبل صاحب المال أو أن يكلف شخصا آخر لهذا الغرض، وفي كل الحالات فإن الرقابة ستكلف مالا، وهو يدفع عادة من الأموال التي تجب مراقبتها أو من حصيلتها، فالرقابة تقتات على ما تحميه، حتى لو كانت هذه الأموال كنزا تحت جدار صامت، فإنه لا بد من حماية وصيانة الجدار فلا ينكشف المال من تحته، ولهذا فإنه من المعلوم بالضرورة ألا تتجاوز تكلفة الرقابة حجم الأموال والأصول التي نراقبها، وإلا فإن الرقابة هنا هي اللص الذي نخشاه. ورغم وضوح هذه الحقيقة وبديهيتها فإنها لا تؤخذ في الحسبان كما يجب.
كقاعدة قديمة، لا تشتري ذهبا لا تعرف كيف تحميه من السرقة، والمعنى واضح فلا تورط نفسك باقتناء أصول لا تعرف كيف تحميها من التلف والسرقة، هذه حقيقة واضحة، ولكن البعض يعتقد في البدايات أنه قادر على ذلك حتى يتضح له حجم التكلفة الباهظة للرقابة والحماية، التي تصل في مجموعها إلى قيمة الأصل نفسه، وإذا أصبحت الرقابة عبئا كبيرا فلا منفعة متبقية من الأصل الذي اقتنيناه. والمعني المرادف لذلك هو عليك ألا تتحمل تكلفة رقابة أكبر بكثير من الأصول التي تحميها، فلا فائدة من وضع كاميرات مراقبة لكمية من الحصى ذلك أن تكلفة سرقتها أكبر من أو تمثل تكلفة الحصول عليها من السوق، وإذا كانت هذه المقدمة المنطقية صحيحة فإن المشكلة المصاحبة لتكلفة الرقابة أننا لا نحسن قياسها بدقة، ولا نفرق بين الأدوات الرقابية والتشغيلية، ونخلط فيما بينها كثيرا، والسبب في ذلك أن بعض أدوات الرقابة تحتاج إلى تشغيل لكنها في الأصل رقابة. وكمثال فإن كثيرا من الأجهزة الحكومية تبالغ اليوم في آليات التحول الرقمي، وهو جهد مقدر وله آثار كبيرة في تحسين جودة ومخرجات العمل، ولكن معظم تقنيات التحول الرقمي اليوم هي تقنيات رقابية وليست تشغيلية، وهذه الأجهزة والبرمجيات تحتاج إلى تشغيل باهظ التكلفة، وعند اتخاذ القرارات باعتماد نموذج عمل إلكتروني فإن كثيرا من الشركات والمؤسسات لا تفرق بين تكلفة رقابة وتكلفة التشغيل، وإذا جاء يوم الدفع تتكشف لها التكلفة الإجمالية الباهظة للمشروع التقني.
وبالقياس فإننا نبالغ أحيانا في بعض المشاريع النظامية من مثل الأنظمة التي تراقب تنظيم مهنة معينة، فهناك اشتراطات وآليات ومخالفات جسمية، لكن تكلفة تطبيق هذا النظام تحتاج إلى أدوات رقابية، وليست بلا تكلفة ولم يتم أخذها في الحسبان عند وضع المشروع، ولو تم قياس العوائد من تطبيق الرقابة والمخالفات لما طبق، ولو طبق سنجد أن تكلفة الرقابة من موظفين وأجهزة وساعات عمل تفوق كل العوائد، ولو تم قياس المخاطر من عدم النظام ورقابة تطبيقه فقد تكون أقل، وفي مثل هذه الحالات ونظرا إلى تكلفة التطبيق الكبيرة فإن المشروع النظامي يصبح عاجزا عن تبرير وجوده ويصبح تحديثه أمرا لا مفر منه، وهذا ليس بلا تكلفة أيضا، ورغم ذلك فإن تكلفة الرقابة مع التحديث لا تؤخذ في الحسبان.
وفي المفهوم نفسه فإن التحول الرقمي لعديد من الجهات ليس بالأهمية ولا المستوى أنفسهما، ومع ذلك فإن البعض يذهب بعيدا جدا في تنفيذ التحول الرقمي دونما سؤال كاف عن حجم وتكلفة الرقابة، فلم تعد تكلفة التحول الرقمي تكمن في تقادم الأجهزة أو التدريب، بل أصبحت تتعداها اليوم إلى تكلفة حماية البيانات، فالبيانات التي تملكها كل شركة أو مؤسسة أصبحت عرضة للانكشاف والتسريب، بما في ذلك البريد الإلكتروني الرسمي والصورة والوثائق، وهناك اليوم ما يسمى بالإنترنت العميق وهو مثل الدهاليز الخلفية التي تباع فيها الأرقام السرية وأساليب الاقتحام، بل حتى المقتحمون أنفسهم يقدمون خدماتهم للبيع والثمن عبارة عن عملات من مثل البيتكوين وهي خارج الرقابة تماما. وهنا اليوم ما يسمى بالفدية، وهي نوع من الهجمات لا تعرفه المؤسسات حتى تقع ضحيته ولا مجال لفك البيانات والبرامج من المختطفين إلا بدفع مبالغ باهظة، وإذا قررت المؤسسات المختلفة تعزيز الحماية والرقابة على البرامج، فإنها حتما ستقع في فخ تكلفة الرقابة، فالشركات التي تقدم مثل هذه الحماية تستخدم أساليب تستنزف بها العملاء من مثل قيمة الرخص باهظة الثمن محدودة المدة، وقد تكتشف أن لكل خدمة رخصة خاصة وأن الرخص بعدد المستخدمين بينما الأصول والمعلومات التي نحميها لا تبرر التكاليف التي ندفعها فيما لو تم تشغيلها بطريقة آلية عادية بعيدا عن التطبيقات الإلكترونية والإنترنت.
إنشرها