ثقافة وفنون

صوفيا لورين تحمل رسالة السلام في فيلم «الحياة المقبلة»

بوستر الفيلم.

مشهد من العمل.

شكل ظهور أيقونة الجمال الإيطالي صوفيا لورين صدمة إيجابية لجمهورها، بعد أن أطلت علينا وأخاديد الزمن تحفر وجنتيها، عادت في عمر الـ87 و‫على وجهها طيات كثيرة تدل على شيخوخة مثقلة بمسيرة حافلة، وتعد صوفيا لورين‬ إحدى أبرز جميلات هوليوود في العصر الذهبي،‫ فهي التي أسرت القلوب بأدائها وتكحلت العيون بجمالها، وبعد انقطاع نحو عشرة أعوام عن الشاشة السينمائية، أطلت في فيلم مميز بحواراته المفعمة بالأفكار الثقافية، وأداء أبطاله المتفاوتة أعمارهم، يحمل عنوان "الحياة المقبلة" A life Ahead.‬
ما بين العجوز والطفل
يبدأ الفيلم بمشهد النهاية، وكلام على لسان البطل السنغالي ابن الـ12 الذي يدعى مومو، يؤدي دوره الطفل إبراهيم جوي‫، عن الأقدار التي يرفضها هذا الصبي "يقول البعض إن كل شيء مقدر ومحتوم، وإنك لا تستطيع تغيير أي شيء، لكن أريد أن أغير كل شيء، أريد أن أعود إلى البداية عندما لم يكن أي شيء مقدرا بعد"، بهذه الكلمات بدأت بفيلم ظننت في البداية أنه ترويجي للمنتج إدواردو بونتي، ابن صوفيا لورين، لكن مع تطور الأحداث اكتشفت أنه فيلم مكتمل في جميع عناصره، فالطفل مومو هو ابن مهاجرة سنغالية توفيت قتلا على يد زوجها، وأصبح مومو بعدها في مأتم، هو مراهق عنيد وعنيف، ‬ذو شخصية مستقلة، فطن وحاد الذكاء، وجريء، يسأل أسئلة واقعية، وعلى الرغم من مشاكساته إلا أنه واقعي في تفكيره وسلوكه، تقوده واقعيته إلى أن يدرك الحقائق ويفهم معنى الحياة، ‫ترك المدرسة بسبب زميل له تنمر عليه فضربه بالقلم على رقبته، بعدها يتولى طبيب الحي الاهتمام به، لإنقاذه من الشارع، بعد أن بدأ يبيع الممنوعات، فيبحث عن شخص يتبناه، ولا يجد أمامه سوى مدام روزا العجوز، وهي واحدة من مرضاه‬،‫ تساعد روزا على تربية أطفال بائعات الهوى المتوفيات اللواتي سارت معهن ذات مرة في الشوارع، يعرض عليها الاهتمام بالصبي مقابل مبلغ شهري، بعد أن أصرت على الرفض، فتوافق على مضض، وهنا تبدأ العلاقة تتحول بين الصبي والعجوز من علاقة مستحيلة إلى علاقة كلها ود ومحبة.‬
نفحات الخير
ترى روزا أن الصبي مومو يجب أن يتعلم حرفة كي لا ينحرف، فتأخذه عند صديقها بائع السجاد يدعى هاميل، يؤدي دوره باباك كريمي، ليعمل معه في حياكة السجاد، الذي كان له دور بارز في إرشاده إلى الخير، من خلال رسمة أسد على سجادة، فعندما وجد هاميل أن مومو يراقب الأسد قال له "يعد الأسد رمزا للقوة والصبر والإيمان، الإيمان أشبه بالحب، كل إنسان يجب أن يتذكر هذا دائما"، لم يتقبل مومو هذا التوجه وأخبره عن سبب طرده من المدرسة، فما كان من هاميل إلا توجيهه إلى استعمال اللغة التي هي أعظم سلاح، على حد قوله، لكن الصبي المتمرد أصر على أن طريقته العنيفة هي الأسلم وخرج، وفي حوار آخر عندما كان مومو في حالة من الغضب وأوقع كتاب "البؤساء" للكاتب فيكتور هيجو أرضا، جاء هاميل يتحدث إليه قائلا "هذا كتاب البؤساء، يعلمنا فيه‫ فيكتور هوجو أن كل شيء يعد نسبيا، خاصة الخير والشر، هذا يتوقف على الناس الذين تقابلهم وكيف تستمع لهم‬" من خلال هذه الكلمات يحثه على الابتعاد عن أولاد السوء الذين يعاشرهم، وليتوجه إلى الخير.
السلام
يطرح الفيلم من خلال السيناريو قضايا تدعو إلى المحبة والخير والسلام، فمدام روزا كانت دائما تتوجه إلى قبو في أسفل المبنى وتجلس ساعات لأن هذا المكان يشعرها بالسلام، وكل منظر جميل تراه تتأمله جيدا وتقول "السلام" وترافق هذه الكلمات تعابير رائعة على وجهها تقحمك في المشهد وتشعرك بكل كلمة تقولها، لقد أثبتت فعلا رغم كبر سنها أنها ما زالت بارعة في الأداء، تنشأ بينها وبين مومو علاقة متينة، ولقد وعدها بأن يرعاه بنفسه بعد أن ازداد مرضها، فذهب إلى المستشفى وخطفها على كرسي وعاد بها إلى القبو الذي يحوي السلام داخل جدرانه، وجلس إلى جانبها، يسقيها الماء ويطعمها إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة وهي تحضنه، فكان مشهدا مؤثرا، لكنه البداية لحياة جديدة لمومو، الذي ابتعد عن رفاق السوء وبيع الممنوعات، إلى إنسان مسؤول، وينتهي الفيلم بمشهد البداية نفسه.
بين دفتي الكتاب والشاشة
تميز الفيلم بحبكة محكمة كتبها‫ أوجو تشيتي وإدواردو بونتي، مقتبس عن رواية "الحياة قبلنا" The Life Before Us للكاتب والدبلوماسي الفرنسي رومان جاري، الذي كان يكتب باللغتين الفرنسية والإنجليزية، صدرت عام 1975، وأنتجت كفيلم أول مرة عام 1977، وفي عام 2008 قُدمت على شكل مسرحية، دام عرضها لمدة عامين، في 2010 قُدمت كمسلسل تلفزيوني، وفي 2020 قام المخرج إدواردو بونتي ابن صوفيا لورين بتحديث رواية جاري، مجريا بعض التغييرات المهمة، وقد اشترك في كتابة السيناريو مع أوجو تشيتي، وظل محافظا على الراوي مومو نفسه، كما أنه خفف من جرأة الرواية، ومن تراجيديتها التي تميز بها جاري، واجتهد لتقديم نهاية عاطفية مؤثرة بدل النهاية المأساوية التي اعتمدها الكاتب في نصه.‬
آخر أعمال صوفيا لورين
في عام 2014 شاركت صوفيا لورين في الفيلم القصير Human Voice، وآخر ظهور لها في فيلم تلفزيوني عام 2010 كان تحت عنوان My House Is Full of Mirrors، أما آخر أفلامها السينمائية فكان Nine الذي عرض عام 2009، وفي سجل صوفيا لورين، التي أطلت للمرة الأخيرة في عمل فني قبل أكثر من عشرة أعوام، جوائز عدة، أبرزها جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن دورها في فيلم "امرأتان" Two Women عام 1961، وكانت تلك المرة الأولى التي تعطى فيها هذه الجائزة لممثلة في فيلم أجنبي، كما نالت ست جوائز "ديفيد دي دوناتيلو" لأفضل ممثلة، وجائزة "جرامي"، وخمس جوائز "جولدن جلوبز"، وجائزة من الأكاديمية البريطانية للأفلام "بافتا".
وتعد صوفيا لورين ذات الأصول الإيطالية، من أبرز نجوم العصر الذهبي لهوليوود، بدأت مسيرتها التمثيلية في عمر الـ16 عاما 1950، قبل أن تدخل العالمية بتوقيعها عقود لخمسة أعمال مع شركة "باراماونت"، وبعد 40 عاما من الإنتاجات الفنية، نالت صوفيا لورين عام 1991 جائزة الأوسكار الفخرية تكريما لإسهاماتها في عالم السينما.
يذكر أن الفيلم بدأ عرضه على منصة نتفليكس، إذ باتت المنصة تستقطب كبار صناع الفن السابع، وتستحوذ على أبرز الأسماء في عالم التمثيل والإخراج، خاصة بعد مرحلة كورونا التي أوقفت صالات العرض السينمائي، ونشطت منصات البث.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون