FINANCIAL TIMES

كيف أتاحت خطوات نيويورك الخاطئة للفيروس اكتساح الولايات المتحدة؟

الفشل في إبطاء تقدم كوفيد - 19 أدى إلى إجهاد المستشفيات وجعل الفيروس أكثر فتكا.

فحص كورونا لقائدي السيارات في شوارع نيوروشيل التي ظهرت فيها أول إصابة بكوفيد - 19 في نيويورك.

أندرو كومو.

دي بلاسيو.

شاهد عمدة نيو روشيل أفراد الحرس الوطني وهم يتوغلون في هذه المدينة التي هي مركز الركاب شمال مدينة نيويورك، مرتدين ملابس مموهة لا تدع مجالا للشك في هويتهم في مناطق الضواحي. بعد أسبوع من تشخيص إصابة محام محلي بفيروس كورونا، فرضت منطقة احتواء على نطاق ميل واحد حول أول حدث فائق معروف للفيروس على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
بعد ليلة بلا نوم، اتصل العمدة، نعوم برامسون، بمدير مدينته للتعبير عن مخاوفه. في 10 آذار (مارس)، كان من رأيه أن إغلاق نيو روشيل يبدو "عجيبا". لكن في غضون أيام، أغلقت الشركات والمدارس أبوابها، وساد هدوء مميت في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
يقول العمدة (50 عاما)، "استعرضت سلسلة من أسوأ السيناريوهات. ماذا سنفعل إذا كانت هناك أعمال شغب بسبب الغذاء؟ إذا اجتاحت اضطرابات مدنية أوساط القوة العاملة الأساسية؟".
لكن في العاصمة المالية للعالم، على بعد ثمانية أميال فقط، ازدهرت الأعمال. محامي نيو روشيل، الذي ينظر إليه على أنه "المريض صفر" وراء "الانتشار المجتمعي" لأنه لم يزر أي بؤرة ساخنة لفيروس كورونا، انتقل إلى المدينة.
مع ذلك، لم يتم إغلاق أي شيء في مدينة نيويورك. قال العمدة بيل دي بلاسيو في 11 آذار (مارس)، إن سكان نيويورك الذين ليسوا مرضى أو ضعفاء "يجب أن يواصلوا حياتهم"، حيث تفاخر أكبر مكان للمؤتمرات في المدينة بعرض تجاري "صاخب" للقهوة. في غضون 17 يوما، سيصبح مركز جافيتس مستشفى ميدانيا.
يقول برامسون، "كنا نظن أننا نتعامل مع حريق في المطبخ ويمكننا أن نطفئه بمطفأة يدوية. لكن في الواقع كانت النار قد انتشرت من خلال الجدران والأنابيب. كانت في كل مكان. كان هناك حتى ذلك الحين عشرة آلاف إصابة بفيروس كوفيد - 19 في مدينة نيويورك".


الثقة المفرطة

شهدت الولايات المتحدة وصول فيروس كورونا وهو يأتي من الصين عبر آسيا وأوروبا وإيران في أوائل عام 2020. قال رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب في 10 آذار (مارس)، "نحن مستعدون ونقوم بعمل رائع معه، وسيزول". قبل ذلك بأسبوع، أعلن حاكم نيويورك أندرو كومو: "اعذروا غطرستنا بصفتنا من أهل نيويورك. لكن لا نعتقد أنه سيكون بالسوء الذي كان عليه في الدول الأخرى".
في الوقت الذي استجاب فيه الحرس الوطني لـ108 حالات مسجلة في نيو روشيل، لاحظ كومو بشكل مطمئن أن مدينة نيويورك فيها 36 حالة فقط ولا يوجد وفيات. لكنها عانت منذ ذلك الحين أكثر من 260 ألف إصابة ودفنت 24 ألفا من مواطنيها، أي نحو عشرة أضعاف عدد الذين ماتوا في مركز التجارة العالمي في عام 2001.
تم اكتشاف الفيروس لأول مرة في الولايات المتحدة في أواخر كانون الثاني (يناير)، لدى رجل سافر إلى ولاية واشنطن من ووهان، المدينة الصينية التي اكتشف فيها. انتشرت فاشيات صغيرة في الساحل الغربي، لكن علماء الأوبئة يعتقدون أن فيروس كورونا لم يكتسب زخما إلا حين دخل نيويورك من أوروبا في منتصف شباط (فبراير). انتشر بسرعة في جميع أنحاء المدينة المكتظة اكتظاظا شديدا وفي جميع أنحاء البلاد.
تم الثناء على كومو لكيفية محاربة الحريق الذي أعقب ذلك، حيث قام بإبلاغ الجمهور بهدوء وحشد الموارد. يقارن كتابه الجديد بين مهاراته في إدارة الأزمات والاستجابة الوطنية التي تفتقر إلى الكفاءة. لكن الفحص الدقيق لتلك الأسابيع الأولى الحاسمة يخبرنا بقصة لا تعطي صورة إيجابية عن الانقسامات بين نيويورك وواشنطن، الحاكم والعمدة، العمدة وإدارة الصحة في المدينة، وأغنى وأفقر مستشفيات المدينة.
لا تزال كثير من هذه الانقسامات قائمة، ما يثير تساؤلات حول عدد الدروس المستفادة من ربيع نيويورك المشحون، مع دخول فصل الشتاء وارتفاع الحالات مرة أخرى.
بالنسبة إلى جوستافو ريفيرا، الذي يقود اللجنة الصحية في الولاية، كان من المفترض أن تغلق مدينة نيويورك عندما وصل الحرس الوطني إلى نيو روشيل "لكن كان هناك أسبوعان لم نفعل ذلك فيهما".
يقول، "فكرة أننا ينبغي أن نحتفل في الوقت الذي لا يزال لدينا فيه وفيات أكثر من معظم دول العالم هي قطعا فكرة تدل على الجنون".
تحسن فهمنا لفيروس كورونا منذ آذار (مارس)، لكن المقابلات مع عشرات من الأشخاص في مركز استجابة نيويورك تظهر أن قادتها تلقوا تحذيرات بالتهديد القادم وكان بإمكانهم التصرف بشكل أسرع.
دان لوسي باحث في جامعة جورج تاون ومختص بمطاردة الأوبئة. كل عام منذ الثمانينيات كان يسافر إلى حيث ينتشر المرض بسرعة: فيروس نقص المناعة البشرية، غرب النيل، سارس، إيبولا، الحمى الصفراء. في الساعة العاشرة مساء يوم 30 كانون الأول (ديسمبر)، تلقى خبرا عاجلا حول مرض جديد سيطلق عليه كوفيد - 19.
في 23 كانون الثاني (يناير)، قدم إلى المستشفيات العامة في مدينة نيويورك عرضا تقديميا على باور بوينت يبعث القشعريرة في النفوس، يشير إلى ما سيحدث في المستقبل، حذر فيه من أن العاملين في مجال الرعاية الصحية معرضون لخطر الإصابة إذا نفدت معدات الحماية الشخصية، وأوضح التهديد الذي تشكله أحداث الانتشار الفائق وبين كيف ساعدت الكمامات هونج كونج على احتواء سارس.
لم يكن لوسي من الذين يبالغون في تقدير المخاطر، لكن بحلول السادس من شباط (فبراير) كان يعمل جاهدا لجعل الناس يستمعون. أثناء حديثه في الأكاديمية الوطنية للعلوم بواشنطن، قام بنشر ملصقين طولهما سبع أقدام طبعا في مكتب محلي لشركة فيدرال إكسبرس. أظهر أحدهما خريطة لوصلات السكك الحديدية عالية السرعة المنبعثة من ووهان، التي تمثل مدى سرعة انتشار فيروس كورونا. والثانية كانت لوحة رامبرانت "عيد بلطشاطر"، التي تظهر الملك يحتفل بالنصر بينما تقول الكتابة على الحائط خلفه إن أيامه معدودة.
يعتقد لوسي الآن أنه كان يجدر به أن يذهب إلى أبعد من ذلك، "كان ينبغي أن أحضر طبلة وأن أقف فوق الطاولة وأرتدي ملابس غريبة أو شيئا ما وأقول، ’الوباء قادم!‘".
لكن زعماء نيويورك كانوا يحاولون تهدئة المخاوف وليس استثارتها. قالت أوكسيريس باربو، مفوضة الصحة العامة آنذاك، للصحافة في الثاني من شباط (فبراير)، "هذا ليس شيئا ستصاب به في مترو الإنفاق أو في الحافلة". وهي تؤكد الآن أن من الصحيح أن العلماء لم يكونوا قد فهموا في ذلك الحين انتشار العدوى من أشخاص لا تظهر عليهم الأعراض، لكن كان هناك ما يكفي من عدم اليقين لجعل هذا التصريح يدل على ثقة أكثر من اللازم.
ثبت أن المخاوف من أن أوبئة سابقة تضرب نيويورك الآن لا أساس لها من الصحة، وكان العمدة والحاكم يعاملان المرض وكأنه فيروس إيبولا – بمعنى أنهما يستعدان لحالات معزولة، وليس وباء جامحا. لكن مايكل أوسترهولم، أستاذ علم الأوبئة في جامعة مينيسوتا، يعتقد أن مجتمع الصحة العامة "خسر ستة أسابيع" لأنه كان يرى أن فيروس كورونا أقل تهديدا من جائحة إنفلونزا. ويقول إنه كان "أكثر من مجرد ضباب. بل كان مثل طبق الجيلي".

ارتداء أكياس النفايات

كانت المستشفيات الخاصة الثرية في نيويورك قد رأت العلامات الواضحة على قدوم شيء كريه للغاية، واقترضت واستخدمت علاقات أعضاء مجلس الإدارة للحصول على اللوازم. بدأ مستشفى جبل سيناء مناقشة كوفيد - 19 في السابع من كانون الثاني (يناير)، بينما كانت شركة نورثويل هيلث، أكبر صاحب عمل خاص في نيويورك، تخزن معدات الحماية الشخصية اعتبارا من كانون الثاني (يناير) وتأمين موظفين إضافيين بحلول شباط (فبراير).
لكن نظام الرعاية الصحية في المدينة منقسم. ليس بمقدور المستشفيات غير الربحية، التي تعتمد في الأغلب على المساعدات الحكومية، أن تتحمل تكاليف التخزين استعدادا لما يمكن أن يحدث. في مركز داونستيت الطبي، الذي يخدم مجتمعا فقيرا في بروكلين، كان على نقابة الموظفين المساعدة في العثور على معدات الوقاية الشخصية، وفقا لفريد كوال، رئيس النقابة.
يقول، "في المستشفيات الواقعة في منطقة أبر إيست سايد من مانهاتن، يمكنك الوصول بشكل كامل إلى أي شيء، لكن في كوينز وبروكلين كان لدينا أشخاص يرتدون أكياس القمامة لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على "الأرواب" الجراحية".
"المستشفيات الفاخرة الغنية كانت تحصل على أطنان من التبرعات"، تلاحظ إيمي بلاسينسيا، من قسم طب الطوارئ وممثلة النقابة في مركز بروكديل الطبي القريب. "كنا بحاجة إلى التبرعات ولم نحصل عليها".
ارتفعت أعداد المرضى الداخلين إلى المستشفيات بشكل ينذر بالخطر. عندما أبلغت دائرة الصحة العامة لأول مرة عن الأرقام التراكمية في 24 آذار (مارس)، تم قبول 15 ألف مريض لعلاجهم من كوفيد - 19. بعد أسبوع، كان المجموع 41 ألفا. في الأسبوع التالي قفز إلى 74 ألفا. أدى الفشل في إبطاء تقدم كوفيد - 19 إلى إجهاد المستشفيات، ما جعله أكثر فتكا. وجدت دراسة أجرتها مجلة الجمعية الطبية الأمريكية للطب الباطني أن معدلات البقاء على قيد الحياة في الولايات المتحدة كانت أسوأ ثلاث مرات في المستشفيات التي تحتوي على أقل من 50 سريرا للعناية المركزة.
المجتمعات الأفقر، التي تتألف من الملونين في الأغلب، كانت هي الأكثر تضررا. في برونكس، كان معدل المرضى الذين يعالجون في المستشفيات نتيجة إصابتهم بكوفيد - 19 هو 634 مريضا لكل 100 ألف من السكان، مقارنة بـ331 مريضا في مانهاتن، حيث كانت الأسرة فارغة لأن السكان الأغنياء فروا إلى منازل ثانية.
أمر أندرو كومو، حاكم نيويورك، في نهاية المطاف بزيادة حادة في عدد الأسرة وجمع رؤساء الأنظمة العامة والخاصة معا حتى يمكن للمستشفيات الأكثر فقرا نقل المرضى إلى المستشفيات التي بها أسرة احتياطية. لكنها كانت بداية مختلة.
قام كومو بتأمين سفينة مستشفى تابعة للبحرية الأمريكية، أبحرت عبر نهر هدسون في 30 آذار (مارس)، لكن ما احتاجته نيويورك حقا من الحكومة الفيدرالية كان إجراء اختبارات موثوقة.
كان القادة المحليون يضغطون على مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في واشنطن للحصول على إذن لإجراء اختباراتهم الخاصة من أواخر كانون الثاني (يناير)، لكنهم لم يحصلوا على الإذن إلا في 29 شباط (فبراير)، ما أجبرهم على اتخاذ قرارات مع قليل من البيانات.
لأكثر من شهر، كان بإمكان نيويورك اختبار الأشخاص الذين زاروا النقاط الساخنة فقط، وكان عليها إرسال كل عينة إلى مراكز السيطرة على الأمراض الذي فشلت اختباراتها الأولى. بمجرد أن بدأت الولاية الاختبارات الخاصة بها، لم يكن لديها سوى القدرة على إجراء 200 اختبار في اليوم. تقول سيرا ماداد، وهي عالمة أوبئة في نيويورك، إن هذا "الفشل الذريع" أعمى المدينة "عن مقدار الفيروس الذي كان موجودا أصلا في المجتمع".
لم تسمح الوكالة حتى لمختبرات نيويورك ذات المستوى العالمي مثل نورثويل بإجراء اختباراتها الخاصة. هذا إلى جانب نبرة ترمب الرافضة، كان يعني أن واشنطن لم تكن "لاعبا"، كما يقول مايكل دولينج، الرئيس التنفيذي لشركة نورثويل: تركت نيويورك لتدافع عن نفسها.
تتذكر ميليسا ديروزا، أقرب مساعدي كومو، عندما كانت السلطات الفيدرالية تختبر الأشخاص القادمين من آسيا وإيران، لكنها أبقت الرحلات الجوية مفتوحة من أوروبا، حيث كانت الحالات تتزايد، "كانت أيدينا مقيدة خلف ظهورنا". قالت إن أكثر من 1.7 مليون شخص جاؤوا بالطائرات من أوروبا في "الشهر الضائع" الذي هو شباط (فبراير)، بينما كان كوفيد - 19 يجتاح شمال شرق البلاد بصمت".
في اليوم التالي للحصول على إذن بإجراء الاختبارات، وجدت نيويورك أول حالة مؤكدة لها. تقول ديروزا، "كان الأمر مثل قنبلة. تخيل ما كان سيحدث لو كانت نيويورك لديها القدرة على إجراء الاختبارات الخاصة بنا في وقت سابق".
قادة نيويورك، الذين لم يتمكنوا من اكتشاف الفيروس مبكرا، اضطروا بدلا من ذلك إلى التعامل مع انفجار باستخدام أكثر أداة فجة متاحة: الإغلاق.
كان هذا احتمالا أدى إلى انقسام الشركات في نيويورك. تقول كاترين وايلد، التي تدير "بارتنرشيب فور نيويورك سيتي" Partnership for New York City، مجموعة الضغط القوية لمصلحة الأعمال، إن أرباب العمل العالميين الكبار الذين عانوا كوفيد - 19 في دول أخرى بدأوا في تعطيل الموظفين وإغلاق المكاتب في أوائل آذار (مارس). لكن مجموعات السياحة والمعارض التجارية أصدرت ثلاث رسائل مفتوحة بين الثاني والعاشر من آذار (مارس)، تحذر فيها من أن تقييد السفر "يهدد بالإضرار بالاقتصاد الأمريكي".
كان هناك توتر، أيضا، مع الشركات الصغيرة التي ظلت "في حالة إنكار" وكانت تحث المسؤولين على العمل بشكل أبطأ، كما تقول وايلد. دي بلاسيو ليس لديه تعاطف يذكر مع الشركات الكبرى. فقد قدم نفسه على أنه عمدة يمثل الشخص العادي، بعد 12 عاما من إدارة المدينة من قبل الملياردير مايك بلومبيرج.
فضل كومو القيود التدريجية، لكن الأحداث كانت تتحرك بسرعة. في 12 آذار (مارس)، أصيب عضو في مسرحية برودواي الاستعراضية "الطاحونة الحمراء" بالحمى، ما دفع منتجي المسرحية إلى إلغاء عروض ذلك اليوم. هذه الدراما التي تعود أحداثها إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتتحدث عن امرأة مصابة بالسل، أوقفت بسبب مرض جديد، وفي غضون ساعات أغلق كومو كل مسرح في برودواي.
في ذلك الخميس، عندما عانت "وول ستريت" أسوأ هبوط منذ عام 1987 "كان العالم ينقلب رأسا على عقب في نيويورك"، كما تقول شارلوت سانت مارتن، رئيسة رابطة برودواي.
بحلول نهاية الأسبوع، تذكرت ديروزا شعورها بأن شخصا ما من واشنطن لديه خبرة في الأوبئة كان يجب أن يخبر نيويورك بما ينبغي أن تفعله "لم يفعلوا ذلك. الفارس النبيل المنقذ لن يأتي".
في 16 آذار (مارس)، أمر كومو بإغلاق المطاعم وصالات الألعاب الرياضية، وإن لم يكن ذلك قبل قيام دي بلاسيو بتمرين أخير "وهو ما أضعف موقف الحاكم" من وجهة نظرة ديروزا. لكن الفيروس كان منتشرا أكثر مما أدركوا، وكان بعضهم يجادل في ذلك الحين بأن هناك حاجة إلى إغلاق أسرع وأكمل لتجنب كارثة بشرية واقتصادية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES