FINANCIAL TIMES

منظمة الصحة العالمية كبش الفداء المفضل

بعضهم انتقد منظمة الصحة العالمية بسبب تعاملها مع جائحة كوفيد - 19. من بين أمور عدة ألقي فيها اللوم عليها، مزاعم بأنها ساعدت الصين على التستر على التفشي الأولي في ووهان وتقديم نصائح خاطئة، أو مربكة حول كل شيء، من الأقنعة إلى قيود السفر.
بالنسبة لبعضهم أصبح تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام الإثيوبي لمنظمة الصحة العالمية، شخصية مكروهة. مثل أنطوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية، أصبح كبش فداء للسياسيين، ولا سيما الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بسبب استجابتهم المتعثرة للوباء.
منظمة الصحة العالمية هدف يسهل إلقاء اللوم عليه. لكن الهجمات على المنظمة لا تخدم أي غرض سوى تقويض المعركة ضد كوفيد - 19. إنها جزء من رد الفعل المتضخم ضد تعددية الأطراف، الذي أكده انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية في خضم الوباء.
إذا ارتكبت منظمة الصحة العالمية بعض الأخطاء، فإن ذلك ناتج عن معضلات حقيقية حول كيفية الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية. والأهم من ذلك، أنها تعكس صعوبات التعامل مع الدول ذات السيادة، وانهيار نظام ما بعد الحرب الذي يكافح لاستيعاب صعود الصين.
هذا لا يعني أن منظمة الصحة العالمية لم ترتكب أخطاء. بل لديها أخطاء. فقد أشادت بلا داع بالصين في المراحل الأولى من الوباء، ما قوض حيادها. الآن موقفها المبدئي ضد حظر السفر يبدو مشكوكا فيه، خاصة في سياق فيروس شديد العدوى مثل كوفيد - 19.
نصيحة منظمة الصحة العالمية هي نتاج 150 عاما من النضال بشأن أفضل السبل لتحقيق التوازن بين الاستجابة الصحية الطارئة وواجب حماية الاقتصادات وسبل العيش. إنها جزء من اللوائح الصحية الدولية في 2005، وهي صك ملزم بموجب القانون الدولي. عندما وقعت 192 دولة على الدليل الكوكبي حول كيفية التعامل مع الوباء، شكل ذلك علامة على مستوى عال من التعاون الصحي العالمي.
جزئيا استجابة لتهديد الأمراض الناشئة، بما في ذلك إيبولا والإيدز وسارس، كانت الدول مستعدة للتنازل عن مزيد من السلطة لمنظمة الصحة العالمية. اتفقت على أن المنظمة يمكنها جمع البيانات بشكل مستقل، بدلا من الاعتماد على الدول للاعتراف بتفشي المرض بنفسها. ومنحت سلطة إعلان حالة طوارئ صحية عامة حتى لو عارضت الدول الفردية.
هذه الصلاحيات صعبة الاستخدام. لا تحب الحكومات أن تتولى بيروقراطيات صغيرة في جنيف جمع المعلومات التي يمكن أن تدمر سمعتها واقتصاداتها. عندما تفشى مرض إيبولا في غرب إفريقيا في 2014، كانت مارجريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية آنذاك، مترددة في إحراج الحكومات الإفريقية بإعلان حالة طوارئ صحية. مع ذلك، لم يتهم أحد منظمة الصحة العالمية بأنها في جيب غينيا أو ليبيريا.
في حالة الصين، أثنى تيدروس ببذخ على الصين. "ينبغي شكرهم على كبح الفيروس في بؤرة التفشي. إنهم في الواقع يحمون بقية العالم"، حسبما قال لـ"فاينانشيال تايمز". في اندفاعه للإشادة بسياسات الاحتواء الفعالة لبكين، تجاهل تيدروس التعتيم المبكر لنظام الرئيس شي جينبينج.
لكن الاتهامات بأن منظمة الصحة العالمية تواطأت في التستر ليست منطقية. في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2019، استندت منظمة الصحة العالمية إلى الصلاحيات الممنوحة بموجب اللوائح الصحية الدولية، لتسأل الصين عما يجري في ووهان بعد سماعها بعض الأقاويل التي تدور حول حالات إصابة غامضة بالالتهاب الرئوي. في الخامس من كانون الثاني (يناير)، حذرت منظمة الصحة العالمية أعضاءها من حدوث شيء غير عادي، وأن يكونوا في حالة تأهب.
صحيح أنه في 14 كانون الثاني (يناير) أصدرت منظمة الصحة العالمية بيانات محيرة حول إمكانية انتقال الفيروس بين البشر. لكن بحلول 22 كانون الثاني (يناير)، كانت تحذر بوضوح من انتقال العدوى من إنسان إلى آخر.
لم يكن التأخير لمدة أسبوع مفيدا، لكنه لم يكن حاسما. كان لدى دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة والبرازيل أسابيع، إن لم يكن أشهرا، لإعداد استجابتها للوباء بينما كانت تراقب ما يجري في الصين وإيطاليا. من غير المرجح أن يكون التحذير الأكثر حدة من منظمة الصحة العالمية الذي قبل ذلك بأيام قليلة في كانون الثاني (يناير) قد أيقظهم من سباتهم.
أوضح ترمب أنه في أواخر كانون الثاني (يناير) وقع على أمر تنفيذي يمنع دخول أي مواطن غير أمريكي كان في الصين في الأيام الـ14 الماضية إلى الولايات المتحدة. سيكون ادعاؤه بأن هذا أنقذ كثيرا من الأرواح أكثر صدقية إذا تم تعزيزه من خلال تدابير أخرى، بما في ذلك الفحص الصارم وتتبع الحالات. في الواقع، جاء كثير من الإصابات الأمريكية من أوروبا.
يقول مارك مالوك براون، نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة: "ربما كانت منظمة الصحة العالمية لطيفة تجاه الصينيين في المراحل المبكرة، لكنها أيضا كانت حذرة حول حقيقة أن الولايات المتحدة لديها واحدة من أسوأ الاستجابات السياسية في العالم".
كانت هناك لحظة عابرة بعد الأزمة المالية في 2008، عندما تحدث الناس عن مجموعة الاثنين "جي2" G2 - فكرة أن الولايات المتحدة والصين يمكن أن تتعاونا لحل المشكلات العالمية من تغير المناخ إلى الانهيارات المالية. لكن سرعان ما انتهى ذلك إلى لما يسميه إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا، إلى عالم "جي ـ صفر" G-Zero أصبحت فيه الدبلوماسية الدولية لعبة محصلتها صفر.
عالقة وسط تبادل النيران، نسبيا لا يوجد سوى القليل جدا الذي يمكن لبيرقراطية صغيرة مثل منظمة الصحة العالمية أن تفعله. يقول ديفيد فيدلر، خبير الصحة العامة في مجلس العلاقات الخارجية، ما لم تتمكن الصين والولايات المتحدة من الوصول إلى نوع من "الانفراج الصحي العالمي"، منظمة الصحة العالمية ستكون في"عالم من المشاكلات".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES