FINANCIAL TIMES

الفيروسات تحب الخفافيش .. فلنتعلم منها

سرب من الخفافيش.

مشهد من داخل مختبر شركة أدابتيف تكنولوجيز.

خفافيش معروضة للبيع في سوق للحوم في فيتنام.

الفيروسات تحب الخفافيش. هذه الثدييات الليلية الطائرة هي من المضيفين الرائعين لأنها - تماما مثل البشر - تعيش في مجموعات كبيرة وكثيفة، سفرها الجوي ينشر الجراثيم بين المجموعات السكانية، وطول عمرها يمكن الفيروس من البقاء لأعوام في مخلوق واحد.
الفرق الكبير هو أن جهاز المناعة المذهل لدى الخفافيش يروض ويتحمل عديدا من الفيروسات التي تعيث فسادا عندما تنتقل إلى البشر، بما في ذلك فيروس كورونا المسؤول عن كوفيد - 19.
"ينبغي أن ننظر إلى ما تفعله الخفافيش للسيطرة على الفيروس ومضاهاة ذلك بطريقة ما"، كما يقول برنارد كريسبي، أستاذ علم الأحياء التطوري في جامعة سايمون فريزر في كندا، وهو واحد من مجموعة متزايدة من العلماء الذين يستكشفون أدلة ومؤشرات تقود إلى فهم الوباء من خلال علم مناعة الخفافيش.
تكمن المناعة في صميم التحقيقات العلمية والطبية حول فيروس كوفيد - 19. كل جهد لشرح المسار المتنوع بشكل غير عادي للمرض، لمعالجته بالعقاقير والوقاية منه باللقاحات، يعتمد على فهم كيف يتفوق الفيروس على جهاز المناعة البشري - أو بالعكس.
في الخيال الشائع، "المناعة" تعني مقاومة المرض، بينما بالنسبة للعلماء هي شيء أكثر دقة وتعقيدا بكثير. يفكر فيها علماء المناعة كمسألة درجة - ما مدى سرعة استجابة الفرد الأولية لمسببات الأمراض؟ هل تعرفت عليها خلاياه من تعرض وتجربة سابقة وبدأت العمل بسرعة؟ كم عدد الأجسام المضادة التي أنتجتها وهل كانت هي الأجسام الصحيحة؟
كانت فيروسات كورونا تتطور في الخفافيش منذ آلاف أو ملايين السنين. وانتقلت إلى البشر منذ فترة حديثة للغاية - ربما في العام الماضي كأقرب وقت في حالة سارس-كوف-2، الفيروس المسؤول عن كوفيد - 19.
انتشر عدد من الأمراض "حيوانية المصدر" الخطيرة إلى البشر من الخفافيش، غالبا عبر مضيف حيواني وسيط، على نحو أكبر من جميع الثدييات الأخرى مجتمعة. هذه القائمة من الفيروسات الشرسة تشمل إيبولا، وماربورج، ونيباه، فضلا عن فيروسات كورونا التي تسببت بفيروسات سارس، وميرس، والآن كوفيد- 19.
يقول البروفيسور كريسبي: "تكون الفيروسات أكثر ضراوة بكثير عندما تنتشر إلى البشر من الخفافيش مقارنة بالثدييات الأخرى. مع ذلك، يبدو أنها لا تلحق كثيرا من الضرر بالخفافيش نفسها".

تدمير الدفاعات

تفسير ذلك يكمن في الطريقة التي تسيطر بها تلك الثدييات الطائرة على العدوى. تقول كاترين بليش، عالمة المناعة الفيروسية في جامعة ستانفورد، إن أكبر الاختلافات عن الحيوانات الأخرى موجودة في "جهاز المناعة الفطري"، خط الدفاع الأول ضد مسببات الأمراض الغازية. على وجه الخصوص، تنتج الخفافيش كميات أكبر من الإنترفيرون، وهي جزيئات تلعب دورا رئيسا في تنشيط الاستجابة المناعية الأوسع وفي منع الفيروس من التكاثر.
فيروسات كورونا مثل سارس-كوف-2 تطورت لتنتشر وتزدهر في الخفافيش من خلال تدمير الإنترفيرون. يقول البروفيسور كريسبي: "يشن الفيروس هجوما خفيا، ويغلق الأنظمة التي يستخدمها الجسم لإظهار أنه مصاب".
كما أن الفيروسات المشتقة من الخفافيش أيضا لا تنزعج من استجابة البشر الفطرية - تطوير حمى لجعل الجسم أقل استقبالا للجراثيم. يقول البروفيسور أندرو كانينجهام، من معهد علم الحيوان في لندن: "المجهود المذهل للطيران يتسبب في ارتفاع درجة حرارة جسم الخفافيش إلى درجة حرارة عالية مرتين في اليوم، وهو أمر اعتادت عليه مسببات الأمراض التي تطورت مع الخفافيش لآلاف السنين".
تشير الأبحاث الأخيرة إلى أنه في عديد من مرضى كوفيد - 19 الذين بلغت حالتهم درجة خطيرة، يتسبب الفيروس في إساءة توقيت استجاباتهم المناعية. يستجيب الجسم بعد فوات الأوان للعدوى، من خلال إطلاق كميات عشوائية من الإنترفيرون وجزيئات الإشارات المناعية الأخرى التي تسمى السيتوكينات. "عاصفة السيتوكين" هذه تنشط استجابة التهابية مفرطة، حيث تغمر المريض بالأجسام المضادة وخلايا الدم التي تدمر الأنسجة البشرية دون أن توقف العدوى.
تمت الإشادة بمواد الإنترفيرون باعتبارها "عقارات عجيبة" محتملة في السبعينيات والثمانينيات. لكنها لم ترتق لذلك الوصف، على الرغم من أنها علاج مهم لمرض التصلب المتعدد. لكن يعتقد البعض أن دورها في تعديل جهاز المناعة قد يكون مهما في مكافحة كوفيد - 19.
في 20 تموز (يوليو) أعلنت سينيرجين Synairgen، وهي شركة انفصلت عن جامعة ساوثامبتون في المملكة المتحدة، أن جسيمات بيتا إنترفيرون المستنشقة التي تنتجها تقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض الرئة الحادة لمرضى كوفيد - 19 الذين يتم إدخالهم إلى المستشفى.
ستيفن هولجيت، المؤسس المشارك لشركة سينيرجين وأستاذ علم الأدوية المناعية في جامعة ساوثامبتون، يقول إن الإنترفيرون يبدو أنه يعمل في الوقت المناسب لمنع أجهزة المناعة لدى المرضى من الدخول في حالة من النشاط المفرط الضار. تجري الشركة تجربة سريرية ثانية لمعرفة ما إذا كان استنشاق الإنترفيرون في وقت مبكر قد يحول دون دخول المستشفى.

استجابة تكيفية

عندما تعمل المناعة الفطرية، وهي خط الدفاع الأولي ضد العدوى، بشكل صحيح - كما تفعل في معظم الأشخاص المصابين بفيروس سارس-كوف-2 الذين تظهر عليهم أعراض طفيفة للمرض أو لا تظهر عليهم الأعراض - تبدأ المرحلة الثانية، وهي المناعة التكيفية، بعد بضعة أيام.
المناعة التكيفية هي ذلك الجزء من النظام الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام خلال الوباء. وتشمل الخلايا التائية والخلايا البائية والأجسام المضادة التي تنتجها. تطورت جميعا للبحث عن مستضدات معينة وتدميرها - جزيئات البروتين على مسببات الأمراض الغازية - وتتذكرها في حالة الإصابة المستقبلية.
بينما يعمل جهاز المناعة التكيفي، تندفع خلايا الإرسال والمواد الكيميائية إلى مناطق الجسم حيث يتم تخزين خلايا الدم المتخصصة هذه وتحذيرها من وصول الفيروس. عدد قليل من هذه الخلايا قد يكون مبرمجا بالأصل لمهاجمة الفيروس، وإذا كانت موجودة، ستتكاثر بسرعة وتشن هجوما.
داني ألتمان، أستاذ علم المناعة في كلية إمبريال في لندن، يقول إن كوفيد - 19 أنتج أعلى مستوى على الإطلاق من الاهتمام العام في مجال المناعة التكيفية. فقط ظهور الإيدز في الثمانينيات هو قريب من هذا الاهتمام.
أجزاء الخلايا التائية والبائية التي تتعرف على المستضدات وتلتصق بالفيروس هي مستقبلاتها. قال ألتمان: "قمنا باستثمار استثنائي في مجال الجينات في القدرة على إنتاج عدد كبير من المستقبلات المختلفة للتعرف على مسببات الأمراض المختلفة".
بدأ العلماء بدراسة التنوع شبه المعجز للخلايا المناعية الناتجة عن عملية إعادة التركيب الجيني التي تسمى V(D)J التي يتحد فيها الجسم مع ثلاثة مكونات مختلفة لصنع مستقبلات يمكنها معالجة مسببات الأمراض الجديدة.
هذا يمكن أن ينتج مليارات المستقبلات ذات الأشكال المختلفة. من المرجح أن يحصل كل فرد على ما يرواح بين عشرة ملايين و100 مليون من الخلايا التائية والبائية المختلفة، اعتمادا على حالة جهازه المناعي وعدد المستضدات التي يواجهها خلال حياته.
يقول البروفيسور فليكس بريدن، من جامعة سايمون فريزر في كندا: "عندما تتعرض للفيروس، يختار جهازك المناعي الترتيبات التي يمكنها التعامل مع العدوى بأفضل طريقة، وينسخها وينشر هذه المستنسخات بسرعة كبيرة".
البروفيسور بريدن هو المدير العلمي لاتحاد iReceptor+، وهو اتحاد دولي يموله الاتحاد الأوروبي وكندا يعمل على بناء قاعدة بيانات جينية لمستقبلات الخلايا المناعية من مرضى كوفيد - 19. يحتوي بالأصل على 200 مليون تسلسل حمض نووي مقدمة من سبعة فرق بحثية من دول مختلفة.
شركة أدابتيف بايوتكنولوجيز Adaptive Biotechnologies ـ مقرها سياتل ـ طورت قاعدة بيانات مفتوحة مماثلة بالشراكة مع شركة مايكروسوفت، تسمى إميون كود ImmuneCode، وقد حددت استجابة الخلايا التائية من ألف مريض كوفيد - 19 لمستضدات معينة على فيروس سارس-كوف-2.
يقول لانس بالدو، كبير الإداريين الطبيين في شركة أدابتيف بايوتكنولوجيز: "بالنظر إلى الاستجابة لفيروس سارس-كوف-2، يتضح ما ندعوه المستقبلات ’العامة‘ ذات التسلسلات الجينية التي يتشاركها عديد من الأشخاص والمستقبلات ’الخاصة‘ التي لا نراها بشكل منتظم".
يضيف البروفيسور بالدو: "بدأنا نرى أنماطا في البيانات. ستؤدي مشاركة البيانات إلى تسريع في العلاجات واللقاحات المضادة لفيروس كوفيد بشكل كبير. إذا كنت تطور لقاحا، فأنت تريد منه إنتاج خلايا مناعية ذات تسلسلات جينية تظهر في أكبر عدد ممكن من مرضى كوفيد - 19".
وبحسب البروفيسور ألتمان، داخل الفرد المصاب "يستغرق انقسام الخلايا البائية والتائية وإنتاج الأجسام المضادة بعض الوقت. لتحقيق الاستجابة المناعية الكاملة لكوفيد - 19، يجب أن تصل إلى الـ11 أو الـ12 بعد الإصابة".

مزيد من التعرض

بعد ذلك، السؤال المهم هو إلى متى ستحمي الاستجابة المناعية من مزيد من التعرض للفيروس. بعد عدة تقارير غير مؤكدة عن عودة الإصابة بفيروس سارس-كوف-2، تم نشر أول حالة مؤكدة الشهر الماضي من قبل باحثين في جامعة هونج كونج.
في آذار (مارس) تم تأكيد إصابة رجل يبلغ من العمر 33 عاما، كان في المستشفى وعليه أعراض معتدلة لفيروس كوفيد - 19 في هونج كونج، وظهرت عليه الأعراض مرة أخرى في آب (أغسطس) عندما تم فحصه في المطار عند عودته من رحلة إلى إسبانيا. أثبت العلماء أنه كان قد أصيب مرة أخرى، وليس أن فيروس كورونا بقي في جسمه، من خلال أخذ بصمات جينية في كل مرة. هذا أظهر أن الفيروس الثاني لديه 24 اختلافا عن الأول - أكثر مما يمكن أن يحدث من خلال الطفرات أثناء بقائه داخل فرد واحد.
لم يفاجأ علماء المناعة بأنباء عودة العدوى ويتوقعون تأكيد مزيد من الحالات في الأشهر المقبلة. وشعروا بالطمأنينة من أن الرجل لم تظهر عليه أعراض المرض في المرة الثانية، ما يشير إلى أن جهازه المناعي - المستعد بسبب العدوى الأولى - نجح في السيطرة على الفيروس عندما التقى به مرة أخرى.
قد لا يكون حتى من الضروري مواجهة سارس-كوف-2 بالنسبة لجهاز المناعة التكيفي لتوفير بعض الحماية ضد كوفيد - 19. تقول جينيفر جونو، عالمة المناعة الفيروسية في جامعة ملبورن: "واحدة من أكبر المفاجآت هي أنه يبدو أن هناك بعض استجابات الخلايا التائية لدى الأشخاص الذين لم يصابوا بفيروس سارس-كوف-2".
هذا "التفاعل التبادلي" يحدث لأن فيروسات كورونا ذات الصلة، التي ظلت تنتشر بين البشر منذ قرون أو آلاف السنين ونادرا جدا ما تسبب مرضا أسوأ من نزلات البرد، متشابهة بدرجة كافية للتعرف على سارس-كوف-2. لكن لا توجد أدلة كافية حتى الآن لتقييم مدى التفاعل التبادلي بين السكان في جميع أنحاء العالم أو إلى أي مدى قد تحمي من كوفيد - 19.

التغيرات الجينية

اللقاحات هي بالطبع طريقة أكثر منهجية مدروسة لمنع مرض من فيروس لم تقابله من قبل. يتسابق عديد من الشركات والدول لتطوير لقاحات ضد كوفيد - 19، بتكلفة إجمالية تصل إلى مليارات الدولارات، وهناك العشرات في مراحل مختلفة من الاختبارات السريرية، على الرغم من أن أيا منها لم يصل بعد إلى ما يكفي لتقديم دليل واضح على السلامة والكفاءة.
يقول علماء المناعة إن اللقاح المصمم جيدا يمكن أن يوفر مناعة أفضل من العدوى الطبيعية بالفيروس، لكن الجيل الأول من لقاحات كوفيد - 19 قد يكون جيدا بما يكفي فقط لتخفيف الأعراض بدلا من منع الإصابة تماما.
وفي الوقت نفسه، فإن سارس-كوف-2 نفسه يتطور في الوقت الذي ينتشر فيه عبر مضيفه الجديد: الإنسان. تتحول فيروسات كورونا خلال الطفرات بشكل أبطأ من الإنفلونزا ولكن أسرع من عديد من الفيروسات الأخرى.
يلاحظ العلماء بعض التغيرات الجينية، ولا سيما في "البروتين الشائك" الذي يستخدمه سارس-كوف -2 لدخول الخلايا البشرية، ما قد يجعله أكثر عدوى وفي الوقت نفسه يسهل على الجهاز المناعي التعرف عليه ومعالجته. لكن لم يغير أي منها طبيعة الفيروس.
عندما يعبر الفيروس حاجز الأنواع الحية، يكون هناك ضغط دارويني قوي للتكيف مع بيئته الجديدة. تشير النظرية التطورية إلى أن الفيروسات لا تريد قتل مضيفيها ولكن تريد الانتشار من خلالها بأكبر قدر ممكن من الكفاءة مع إحداث القليل من الضرر، كما يقول جافين سكرياتون، رئيس قسم العلوم الطبية في جامعة أكسفورد.
يضيف: "على المدى الطويل، قد تتأقلم الفيروسات مع العائل وتصبح أقل عدوى". فيروسات كورونا الأربعة التي تسبب اليوم أعراضا شبيهة بالبرد ربما كانت أكثر مسببات الأمراض فتكا عندما انتقلت لأول مرة إلى البشر - اثنان من الخفافيش والآخران من القوارض.
يقول بيتر أوبنشو، أستاذ الطب التجريبي في إمبريال كوليدج لندن، إن هناك كثيرا من التكهنات العلمية حول ما إذا كان سارس-كوف -2 "سيضعف ويصاب بالوهن ليصبح شيئا مثل الزكام العادي".
ويضيف أنه مهما حدث "لدينا فرصة مذهلة لمشاهدة ـ في الوقت الحقيقي ـ كيف يتطور الفيروس بعد أن يقفز بين الأنواع الحية". سيتعلم علماء المناعة دروسا لا تقدر بثمن من كوفيد - 19 للتعامل مع الوباء التالي الذي لا مفر منه بعد قفزة فيروس قاتل من الخفافيش (أو الجرذان) إلى بني البشر.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES