ثقافة وفنون

الموريش .. تاريخ مجهول لطائفة تعد أمريكا أرض الأجداد

يضع الرجال على رؤوسهم الطربوش "الفاسي" نسبة إلى مدينة فاس.

تتعدد الروايات التاريخية حول هذا الانتساب الثقافي حد التضارب.

سلطت احتجاجات السود في الولايات المتحدة ضد العنصرية - عقب مقتل جورج فلويد الأمريكي من أصول إفريقية، على يد عناصر الشرطة - الضوء على "طائفة الموريش" Moorish أو "مغاربة أمريكا" كما يعرفون أنفسهم، بعدما لفت أشخاص ببشرة سوداء وطربوش أحمر الأنظار، وهم يلتحفون العلم المغربي في المظاهرات التي جابت شوارع معظم الولايات الأمريكية. ظهرت هذه الطائفة التي يقدر المنتسبون إليها بنحو 60 ألف شخص، وبلغت معابدهم التي تتزين وجوبا بالراية المغربية، فوق التراب الأمريكي زهاء 90 معبدا عام 1913، حيث تشكلت من مجموعة من العائلات التي تؤمن بالانتساب الثقافي إلى المغرب.
تتعدد الروايات التاريخية حول هذا الانتساب الثقافي حد التضارب، فأغرب السرديات وأكثرها مدعاة للشك والريبة، تفيد باعتقاد الموريش أن أمريكا كانت أرضا تابعة للإمبراطورية المغربية، قبل اكتشافها من قبل الأوروبيين عام 1492، فقد استوطنوها، وانتشر فيها الإسلام، إلى أن جاء الأوروبيون، بعد عقدهم صفقة مع سلطان المغرب، باستئجار الأراضي الأمريكية، وفق عقد مدته 50 عاما، من أجل استغلالها فلاحيا، لكنهم نقضوا العقد بعد انقضاء المدة ليحتلوا أراضيها كاملة. تزعم رواية أخرى أن هؤلاء أحفاد مصطفى الزموري "الأسير المغربي" - إستيفانيكو في المراجع الغربية - الذي وصل إلى المنطقة، واستقر هناك بعدما اختلط بقبائل الهنود في ولاية أريزونا حاليا.
تعود إحدى أصح الروايات المسكوت عنها في التداول الموريشي، التي تسقط تلك المزاعم، إلى اتفاقية الصداقة الموقعة بين سلطان المغرب محمد الثالث، عام 1787، والولايات الـ13 الأمريكية التي اعترف بها كدولة مستقلة وذات سيادة، وسمح لها بولوج الموانئ المغربية، ونجد ضمن بنود تلك المعاهدة، معاملة رعايا السلطان المغربي في الأراضي الأمريكية كمواطنين أمريكيين لهم كامل الحقوق. بعدها بأعوام ستختطف مجموعة من رعايا السلطان ذوي السحنة السوداء من طرف البرتغاليين، بعدهم عبيدا، تم بيعهم في ولاية كارولينا الجنوبية، احتج هؤلاء على وضعهم في العبودية، بتقديم طلب إلى برلمان الولاية قصد تحريرهم بناء على بنود المعاهدة، ومنحهم حقوقا تتساوى والمواطن الأمريكي.
كان هذا الحدث المدخل الوحيد الذي يخول للأفارقة فرصة الانعتاق من براثن العبودية، فتزايدت أعداد المنتسبين إلى المغرب جيلا بعد جيل، حتى ترسخت تلك الفكرة في نفوس أحفادهم، وأصبحوا يبحثون لها عن مبررات واهية وغير منطقية في بعض الأحيان، ثم ما لبثت أن تحولت قبل أكثر من قرن إلى طائفة دينية، حين ادعى مؤسسها "علي درو" المسمى "تيموثي درو" - المولود لأب من أصول مغربية، وأم من قبائل الهنود الحمر - النبوة، مؤسسا لمعتقد مزج فيه بين مبادئ الإسلام وطقوس المسيحية.
كان التوتر سيد الموقف في العلاقة بين الموريش والحكومة، بدءا بامتناع أفراد الطائفة عن المشاركة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الولايات المتحدة، عادّين أنفسهم منفصلين عنها، مرورا بالمعاملة الوحشية لشرطة شيكاغو لزعيم الطائفة، أثناء التحقيق عام 1929، حيث توفي بعد أيام قليلة من الإفراج عنه، وصولا إلى ملاحقة أتباع الطائفة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، بدعوى تأييدهم لليابان في الحرب العالمية الثانية.
شهدت إحدى المحاكم الأمريكية، عام 2013، قضية غريبة، عندما وقف باتلر لامونت المنتمي إلى هذه الطائفة أمام القاضي بعد أن استولى على قصر غير مأهول في واشنطن، مدعيا ملكيته، وقدم لامونت بغية إثبات ذلك للقاضي معاهدة سلام وصداقة قديمة بين المغرب والولايات المتحدة لعام 1787، إلى جانب معاهدة فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، وبرر ادعاءه بكون أسلافه كانوا هنا قبل تشكيل الولايات المتحدة، وعليه فالموريش هم الورثة الشرعيون لتلك الأراضي، بما فيها من عقارات. فما كان من القاضي إلا إصدار أمر بوضع الرجل في السجن، وعرضه على طبيب نفسي.
تقوم مبادئ طائفة الموريش على خمسة أركان، هي: الحب، الحقيقة، السلام، الحرية، والعدالة، ولهم كتاب يدعى "عهد الدائرة 7″ أو كتاب مجموعة الموريش، يتضمن آيات من القرآن وعظات من الإنجيل، ولهم إيمان قاطع بالأنبياء والرسل السابقين، لكنهم يقدسون "زعيمهم" علي درو، الذي أسس "المحفل العلمي لمغاربة أمريكا"، واستطاع وضع مذهب لأنصاره، يمزج بين شعائر الديانتين المسيحية والإسلامية، إلى جانب تبنيه تفاصيل من واقعه تأثرا بها.
على غرار باقي الطوائف الدينية، يحتفل الموريش بأعياد مرتبطة بالتقويم الميلادي، منها رأس السنة الموريشية في 15 كانون الثاني (يناير)، وعيد ميلاد نبيهم في 8 كانون الثاني (يناير) من كل عام، ويوم العطاء في 17 آذار (مارس)، ويحتفلون في أول أحد من الشهر ذاته بيوم كبار السن، ويوم السلطة في 20 تموز (يوليو)، وأخيرا أسبوع الملتقى الوطني لطائفة الموريش من 15 إلى 20 أيلول (سبتمبر).
لا يحمل معظم أعضاء طائفة الموريش الجنسية المغربية، إلا أن ارتباط بعضهم بالمملكة وطيد، من خلال الحرص على زيارتها بصفة منتظمة، ويقدسون بشكل خاص مدينة مراكش المغربية، التي تشير بعض المصادر إلى أن اسم الطائفة ربما يكون مشتقا من اسمها، ويحافظون على رموز تقليدية مغربية في لباسهم، فيضع الرجال على رؤوسهم "الطربوش "الفاسي" نسبة إلى مدينة فاس، ولدى نسائهم حجاب يشبه عمامة، غالبا ما يكون لونه أحمر، تتوسطه قطعة من الحلي. وسبق لبعثة من الموريين الأمريكيين أن تواصلت عام 1990 عبر رسالة مع الملك الراحل الحسن الثاني.
يكون الانضمام إلى هذه الطائفة بطلب جنسية رمزية تثبت الأصل الموري، وتعطي هذه الجماعة الدينية بطاقة تثبت ذلك، مع إضافة "ال" أو ألقاب أخرى مثل "الباي" إلى أسماء المنتمين، لربطهم بالأصل المغربي، والابتعاد عن الأسماء الأوروبية. لكن هذا الحرص المستمر على التقرب نحو الرباط، يجابه من جانبها بجفاء مطلق لهذه الطائفة، عكس ما تفعله المغرب مثلا مع مواطنيها اليهود، التي تعدهم سفراء لها في الدول التي هاجروا إليها، يدافعون عن مصالحها. فهل تجاهل المغرب للمنتسبين إليها عائد إلى مسائل الاعتقاد لدى هذه الطائفة أم إلى طبيعة العلاقة المتوترة بينها وبين الحكومة الأمريكية، ما يعني ضعف تأثيرها في الأوساط الأمريكية؟.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون