ما بين حضارة المجسمات وحضارة الكلمة

|
من الفروقات بين الشرق المسلم والغرب "المسيحي"، يقع ولع الأخير بالمجسمات والنصب وتركيز الأول على الكلمة. في الظاهر والمكشوف، الفرق والتضاد من الاتساع بمكان. في الباطن والمستور، التشابه من القرب بمكان.
ضمير المجسم والكلمة مستتر، بيد أن تقديره ليس صعب المنال. كما أن الكلمة في الشرق المسلم قد تحيي وتميت، كذلك المجسم في الغرب "المسيحي" له قيمة كبيرة قد تصل إلى دور سحري في الحياة العامة.
لم يجاف الحقيقة المفكرون الذين أطلقوا صفة "الكلمة" على الحضارة العربية والإسلامية، وصفة "المجسم" على الحضارة الغربية.
لقد رسخت الأيقونات والمجسمات مكانتها وتأثيرها ودورها في المجتمعات الغربية، بعد أن خاضت نخبه الدينية والمدنية حربا ضروسا أهلكت الحرث والنسل حول إن كانت للمجسم قيمة روحية أو دينية أو سماوية.
حرب الأيقونات التي بدأت في مستهل القرن الثامن واستمرت أكثر من 100 عام، وضعت أوزارها في الغرب بغلبة محبي المجسمات والأيقونات التي مثلت في عيونهم ولا تزال رموزا مقدسة سماوية، على كارهيها الذين لم تعد لديهم إلا أصنام صماء.
والكنائس والساحات العامة في الغرب مليئة بالأيقونات والمجسمات. بعضها يرقى لدى أصحابه إلى درجة القداسة، وبعضها الآخر رمزيته ترقى لدى أصحابه إلى رمزية العلم الذي يستحق القتال والشهادة في سبيله.
ويتفنن الغربيون في نحت المجسمات ورسم وتصميم الأيقونات، التي صار اقتناؤها اليوم مؤشرا على الثراء والرخاء والذوق السليم، ووجودها مثار ورع وخشوع وإيمان وقضية.
الجوامع في الشرق هي أمكنة يبرز فيها دور الكلمة. بصورة عامة، لا مكان للأيقونة والمجسم في أمكنة العبادة لدى المسلم.
ويتفنن المسلمون في تطريز وتزيين أماكن عبادتهم بالكلمة، التي صار خطها فنا يبهر الأبصار ويلقي في قلوب ناظريه من المؤمنين الطمأنينة والخشوع.
وكان للشرق بصورة عامة حتى وقت قريب رفض يكاد يكون مطلقا للمجسمات والأيقونات. لم تر المجسمات النور بشكل لافت للنظر في ساحات دول شرق أوسطية محددة، ولم تصبح جزءا من العمارة وانعكاسا للتاريخ فيها إلا في العصر الحديث. وللكلمة والأيقونة قوة ذاتية سحرية مهولة لدى الذين يسبغون القدسية عليهما.
في ذاكرة أغلبية القراء من المطلعين على الأدب الغربي أو السينما الغربية مشاهد حول كيف يستعين الناس بالأيقونة ظنا منهم أنها ستدرأ عنهم ما هم فيه من كرب أو مرض.
وفي الشرق، يتكئ الذين في نفوسهم كرب وفي جسدهم وباء على الكلمة المستقاة من النصوص، التي يرونها مقدسة من أجل الشفاء.
هذه كانت مقدمة مبسطة حول دور المجسمات والكلمة في حضارتين متباعدتين، كانتا في صراع دام منذ القرن السادس. ولن نبعد عن الواقع كثيرا إن قلنا، إن الخلاف بينهما من الرحب ما قد يجعل ردم هوته أمرا عسيرا.
وليس من اليسر تفسير استعصاء التقارب واللقاء بين الحضارتين. وفي ظني أن ما لدينا من تفاسير لتفكيك البون، ومن محاولات للدنو، لم تفلح في التقريب من أجل وضع حد لصراع بدأ في نهاية القرن السادس ولا يزال شاخصا أمام ناظرينا ونحن في العقد الثالث من القرن الـ21.
الشرق يحمل كلمته معه أينما حل بأهله الدهر، ويربط حياته بماضيها وحاضرها ومستقبلها بالكلمة وبما تحمله من قداسة ورمزية لديه، حسب شرحنا لها في هذا المقال.
الغرب يحمل أيقوناته ومجسماته معه أينما حل بأهله الدهر، ويربط حياته بماضيها وحاضرها ومستقبلها بما تحمله هذه الأيقونات من رمزية وقداسة لديه، حسب شرحنا لها في هذا المقال.
وكل حضارة ترى ما لديها هو الأفضل والأنسب، ليس لديها وحسب بل للبشرية أيضا. وليس فقط ترى، بل تذهب أحيانا أبعد من ذلك بكثير من خلال وضع قيم ودرجات لما لديها مقارنة بالحضارة الأخرى.
وكثيرا ما لا تكتفي حضارة محددة منح نفسها أعلى القيم والدرجات. وهنا تنبع خطورة الوضع بين الشرق والغرب.
كل حضارة ترى ما لديها أسمى وأقدس وأرفع شأنا مما لدى الأخرى. وقد لا تكتفي بهذا، حيث تعمل على إقناع وإكراه الآخر على قبول واقع مثل هذا.
وها هو الغرب ينتفض اليوم ليس ضد حضارة معاكسة أو متضادة له، بل يثور على نفسه وتاريخه وحاضره. الناس في الغرب يهدمون ويخربون ويشوهون المجسمات في حملة تذكرنا بحرب الأيقونات - في غياب صراع ونزيف دموي حتى الآن - ولكن ضمن إشارة واضحة إلى عدم الرضا والضجر منها ومن معانيها.
وما أثار انتباهي أخيرا أن المعركة الحالية ضد المجسمات والأيقونات في الغرب، رغم رمزيتها الكبيرة، أمست تطول الكلمة حسب المفهوم الغربي وليس المشرقي. كيف ولماذا حدث ذلك؟ لنترك الجواب لرسالة مقبلة.
إنشرها