الطاقة- الطاقة المتجددة

مستقبل محفوف بالمخاطر ينتظر صناعة بطاريات السيارات الكهربائية .. الجائحة تعصف بالمبيعات

في عام 2017 بلغت قيمة سوق بطاريات السيارات الكهربائية 23 مليار دولار.

رغم التوقعات ببلوغ الاستثمارات في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية نحو 620 مليار دولار بحلول عام 2040، إلا أنه للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود تقريبا، يتراجع الطلب على بطاريات الليثيوم - أيون المستخدمة أساسا في السيارات الكهربائية.
السبب بطبيعة الحال يكمن في تقلص الطلب على تلك النوعية من السيارات، ولا حاجة إلى القول "إن انخفاض مبيعات السيارات الكهربائية، يأتي في سياق عام تدهورت فيه مبيعات السيارات عالميا نتيجة جائحة كورونا".
في عام 2017 بلغت قيمة سوق بطاريات السيارات الكهربائية 23 مليار دولار، ومن المتوقع أن تبلغ 84 مليار دولار بحلول عام 2025، بينما قدر النمو المركب لسوق البطاريات خلال الفترة من 2018 إلى 2025 بـ17.2 في المائة. وكان التطور المتواصل في تكنولوجيا بطاريات الليثيوم – أيون قد أسهم في نمو هذه السوق على مدى عقدين من الزمان.
التقديرات الراهنة تشير إلى أن الطلب على بطاريات السيارات الكهربائية انخفض هذا العام بنسبة 14 في المائة، وسيتواصل انخفاض الطلب العام المقبل أيضا. لكن المناخ التشاؤمي بشأن العامين الجاري والمقبل، لا ينفي قناعة المنتجين بأن المستقبل لهم، وأن الطلب على الأمد الطويل لن يهدأ.
أجواء التفاؤل على الأمد الطويل تعود في جزء منها إلى التوقعات المتعلقة بزيادة الطلب على السيارات الكهربائية، ففرنسا ستقدم ثمانية مليارات يورو إلى قطاع السيارات لتعزيز الدعم للسيارات الكهربائية، بينما تتضمن حزمة التحفيز الألمانية نحو 5.6 مليار يورو لقطاع السيارات الكهربائية في مقدمتها بناء محطات وقود لشحن البطاريات.
ويقول لـ"الاقتصادية"، المهندس أريك سميث الخبير في مجال الطاقة المتجددة، "الأهم أن بطاريات الليثيوم- أيون تعمل حاليا لساعات أطول وتكلفتها تنخفض، ليس فقط للسيارات، لكن حتى في الأجهزة الإلكترونية الصغيرة، في الوقت ذاته تزداد قوة فيما يتعلق بالقدرة على تخزين الطاقة لساعات أطول".
إيلون ماسك رجل الأعمال الأمريكي ورئيس شركة تسلا لصناعة السيارات الكهربائية، يعد أحد أكثر رجال الأعمال في العالم اهتماما بـ"عالم البطاريات"، وخلال هذا الشهر تجاوزت شركة تسلا لفترة وجيزة شركة تويوتا لتصبح شركة السيارات الأكثر قيمة في العالم. أحد الأسباب وراء ذلك كان الحملة الترويجية التي قام بها ماسك، وهدد فيها منافسيه بما أطلق عليه "يوم البطارية" حيث ذكر أنه سيعلن عن سلسلة من التطورات في تكنولوجيا البطاريات.
أحد أهم التطورات التي تجعل الأسواق متفائلة تجاه المستقبل، رغم الأوضاع الصعبة حاليا في سوق بطاريات السيارات الكهربائية، ما أعلنته شركة كونتبمبروراي أمبريكيس الصينية للتكنولوجيا أخيرا، التي تمد معظم صانعي السيارات بحاجاتهم من البطاريات، بما في ذلك شركة تسلا للسيارات الكهربائية، عن نجاحها في إنتاج أول بطارية قادرة على تشغيل السيارة لأكثر من 1.9 مليون كيلو متر أي لمدة 16 عاما.
وإذا أخذ في الحسبان أن معظم بطاريات السيارات يضمن مسافة تراوح بين 60 و150 ألف ميل على مدى يراوح بين ثلاثة وثمانية أعوام، فإن العالم أمام قفزة عملاقة إلى الأمام في عالم بطاريات السيارات الكهربائية، وهذا التحسن حدث مع زيادة في التكلفة لا تتجاوز 10 في المائة من الثمن الحالي للبطارية.
وفي الواقع فإن أهمية تلك البطاريات، والنجاح في عملها لمدة زمنية طويلة، أمر يتجاوز في أهميته بكثير استخدامها في السيارات الكهربائية.
وفي هذا السياق يقول لـ"الاقتصادية" الدكتور جافيد أرشاد أستاذ الطاقة المتجددة في جامعة جلاسكو، "لا شك أن تلك البطاريات الجديدة خبر سار لصناعة السيارات الكهربائية، وستساعد على إحداث التحول من السيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الذاتي إلى السيارات الكهربائية، لكن هذا النوع من بطاريات الشحن طويلة الأمد يعد ضروريا فيما يعرف بالتخزين "الثابت"، إذ يمكن إرفاقها بتوربينات الرياح أو الألواح الشمسية، بحيث تخزن الطاقة ويمكن استخدامها عندما تتغيب الشمس أو تنخفض قوة الرياح".
وتوقع أن يتسع نطاق استخدام هذا النوع من البطاريات الثابتة في المنازل لجمع الطاقة المولدة من الألواح الشمسية المنزلية.
هذا الإنجاز التقني لا شك في أهميته، لكن مع هذا يظل السعر هو المحدد الرئيس في مدى إقبال المستهلكين على بطاريات السيارات الكهربائية، حيث تشير البيانات المتاحة إلى أن الطلب على بطاريات الليثيوم- أيون زاد بنحو الضعف منذ عام 2015. ويتوقع ارتفاع الطلب تسعة أضعاف خلال العقد الحالي، يتعزز ذلك بانخفاض تكاليف الإنتاج، وعلى الرغم من الإجماع على أن أسعار بطاريات السيارات الكهربائية تتراجع، فإن هناك تباينا في التقديرات بشأن مقدار الانخفاض.
فبينما تشير بعض الدراسات إلى انخفاض أسعار البطاريات بنسبة 87 في المائة خلال العقد الماضي، فإن دراسات أخرى تشير إلى أن تكلفة البطارية كانت تمثل 57 في المائة من تكلفة السيارة الكهربائية عام 2015، وأن الأسعار تراجعت من 1037 يورو عام 2010، إلى 160 يورو عام 2018، إلى 143 يورو العام الماضي، بينما تتجه التوقعات إلى أن تكلفة بطارية السيارة الكهربائية ستبلغ 90 يورو بحلول عام 2024.
ومع انخفاض أسعار البطاريات وزيادة المدة الزمنية للاستخدام، فإن معدلات الطلب الاستهلاكي سترتفع بشكل كبير، ما يسهم في جذب التدفقات الاستثمارية في هذا القطاع.
بدوره، يقول لـ"الاقتصادية" إل. آر مايلز المهندس في مجال الطاقة في مصنع "أكيوترونيكس" أكبر مصنع لإنتاج بطاريات الشحن في المملكة المتحدة، "من الآن حتى عام 2040 سيبلغ الاستثمار في مجال البطاريات متجددة الشحن، التي ستستخدم أساسا في السيارات الكهربائية نحو 620 مليار دولار أمريكي".
وحول أبرز الأسواق التي ستتدفق عليها تلك الاستثمارات، يؤكد وجود سوقين مهمتين يتم التركيز عليهما بشكل خاص، الأول الصين التي تبني قدرة تصنيع عالية في مجال البطاريات، وتعد لاعبا رئيسا في تلك الطفرة، والثاني الولايات المتحدة تحديدا ولاية كاليفورنيا، التي اتخذت سلسلة من الإجراءات في الأعوام الأخيرة من شأنها تحفيز مزيد من استخدام البطاريات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الحد الذي دفعها إلى إصدار تشريع بأن تأتي كل كهرباء الولاية من مصادر خالية من الكربون بحلول عام 2045.
لكن التقدم المتواصل في صناعة البطاريات يأتي مع مشكلات من نوع آخر تتعلق بسؤال: من أين ستأتي المواد الخام لصناعة تلك البطاريات؟
تشير تقديرات قسم المعادن في جامعة أكسفورد إلى أن الطلب على المعادن المستخدمة في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، يمكن أن يرتفع إلى ستة أضعاف، إذا وصلت الزيادة في استخدام السيارات الكهربائية 8 في المائة.
وتعتمد صناعة تلك البطاريات حتى الآن على مادة الكوبالت، التي تأتي في الأساس من مقاطعة لوالايا في جنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية. وبحلول عام 2030 يتوقع أن يعادل إنتاج الكوبالت ما يقرب من 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في الكونغو وأكثر من نصف صادراتها.
لكن الدكتورة هولي ماتيس أستاذة الجغرافية الاقتصادية في جامعة أكسفورد تقول لـ"الاقتصادية"، "إن التفاؤل الراهن بمستقبل صناعة بطاريات الشحن، يمكن أن يصطدم بالجغرافيا ويتحطم على صخرتها، فالكونغو دولة غير مستقرة، ومن ثم عملية إنتاج الكوبالت فيها محفوفة بالمخاطر، وتأمين المناجم يرفع التكلفة، ويترك بصمات سلبية على مساعي خفض تكلفة إنتاج البطاريات، وذلك أمر حاسم في زيادة الطلب عليها".
ووفقا للدكتورة هالي، "فإن هناك صراعا شرسا بين شركات التعدين الصينية والأمريكية في السيطرة على تلك المناجم، وسيزداد الأمر سوءا مع تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الطاقة- الطاقة المتجددة