«تقويم التعليم» والإصرار على الاختبار التحصيلي

|
يبدو أن جائحة كورونا أثرت في كل العالم وأوقفت شركات عملاقة ومطارات ورحلات بل أوقفت حروبا ونزاعات، لكنها مع ذلك لم تكن كافية لتقنع هيئة تقويم التعليم للتوقف عن تنفيذ اختبار القياس التحصيلي، كما لم تقنعها لتكشف لنا عن المبررات الأساسية التي تجعلها تصر على ذلك، في الوقت الذي تعاملت فيه وزارة التعليم مع هذه الجائحة بعقلانية كبيرة، واستطاعت أن تمر بالتعليم العام والجامعي من خلال الفصل الدراسي الثاني بكل اقتدار، ولم تكن هناك شكوى أو تذمر أو حتى تشكيك فيما قامت به الوزارة. لقد أدركت وزارة التعليم أن الهدف من التقويم هو قياس مدى تحصيل الطالب للمهارات والمعرفة التي يحتاج إليها في مستواه ومرحلته، كما أدركت تماما حجم الضرر الذي تسبب به مرض كورونا في العالم، ودرست الممارسات العالمية المقبولة في الظروف الراهنة، كما أدركت حجم الصعوبات التي تواجه الأسر مع تجربة التعليم عن بعد، ولهذا اتخذت قراراتها بتأن شديد، وركزت في بدايات الأزمة على ضمانات استمرار العملية التعليمية، وخفضت الأهداف إلى مستويات يمكن تحقيقها في ظل المخاطر الراهنة، ثم قررت في نهاية الأمر - بعد أن تحقق لها الهدف المعرفي - أن العدالة تقضي الرضا بأقل الضررين كما تقرر الشريعة الإسلامية، فلا يتعرض أبناؤنا والمجتمع لمخاطر المرض ولا يظلم أحد، ولهذا اتخذت القرار بعد الأخذ بالتوجيهات الملكية الكريمة، وأن يتم نقل (نلاحظ كلمة "نقل" هنا) جميع الطلاب للمراحل التالية، كما تعاملت مع طلاب الثانوية بعناية كبيرة، ونفذت عمليات الاختبارات النهائية بطريقة عادلة خفضت فيها احتمالات الإخفاق في الاختبار لأسباب خارجة عن إرادة الطالب، وفي الوقت نفسه ركزت على تقويم المستوى المعرفي وتحققه تماما وأن يكون الفيصل في المفاضلة بين الطلاب، كما ساعدها على ذلك أن درجات الطلاب كانت تراكمية لأربعة فصول وليست لفصل واحد فقط، فالعدالة ناجزة بين الطلاب، لذا كانت النتائج النهائية مقنعة تماما، هذا على مستوى التعليم العام، بينما كان النجاح على مستوى التعليم الجامعي لا نظير له. هكذا تعاملت وزارة التعليم مع الجائحة واستطاعت أن تجنب المجتمع والتعليم ارتدادات ومخاطر غير محسوبة سواء كانت صحية أو اقتصادية أو اجتماعية نتيجة للجائحة الكبرى التي لم يشهد لها العالم مثيلا منذ عقود طويلة جدا. فإذا كانت هذه تجربة وزارة التعليم وهي الحاضنة الأساسية له، فلماذا أصرت هيئة التقويم على أن تمارس تجربة مغايرة، وفي غاية الصعوبة رغم ما يكتنفها من تحديات هائلة ليس للهيئة فقط بل للمجتمع؟
سأعرض هنا عددا من المخاطر التي واجهت الأسر، أولها انقطاع أو ضعف الاتصال، فرغم التجارب التي قامت بها الهيئة قبل الاختبار، إلا أن التجربة تختلف تماما عن الاختبار الحقيقي لساعة كاملة من الاتصال، فبعض الأجهزة لا تتحمل، والهيئة تفترض أن جميع الطلاب لديهم الإمكانات والظروف العادلة نفسها، وهي فرضية غير صحيحة، فقد حصل انقطاع مع عديد ممن أعرفهم شخصيا، وعند الشكوى أعطتهم الهيئة فرصة أخرى من خلال الاختبار في مقار الحاسب الآلي، وهذا اعتراف من الهيئة أن الظروف غير قياسية وغير عادلة، وهذا يخل بعدالة أي اختبار، وبما أن بعض الطلاب حصل الآن على فرصة أخرى في مقر ذي تجهيزات عالية، فإن الأسر التي غامرت بالاختبار من المنزل وكافحت في الاتصال رغم الظروف السيئة لم يكن لها الظروف العادلة نفسها، وقد شهدنا قبل الاختبار كيف نفدت الأجهزة الجيدة والحديثة من الأسواق تماما، وقد لامست هذا شخصيا وارتفعت الأسعار بشكل كبير، فلماذا أصرت الهيئة وعرضت الأسر لهذه التجربة القاسية جدا؟
لقد جاءت تصريحات الهيئة بعد الاختبار بأنها لمست حالات غش، وهذا الاعتراف يزيد من قولنا بعدم عدالة الاختبار، فنحن نعرف صعوبة إثبات حالات الغش في الاختبار العادي فكيف باختبار عن بعد، وإذا كانت الهيئة قد أقرت بوجود غش فإننا أمام احتمالات واسعة أن هناك من استطاع الغش باستخدام تقنية أو أساليب مبتكرة لم تكن الهيئة قادرة على اكتشافها أو ردعها وادعاء الهيئة بأنها ضبطت كل الحالات ادعاء غير واقعي، فهذه الاحتمالات ولو كانت مجرد احتمالات فإنها تضع عدالة النتائج محل شك كبير، واذا كان الاختبار بذاته قياسيا وهو في بنيته محل شك نظرا لأنه يفترض حصول الطلاب على فرص التعليم نفسها مع أننا ندرك الاختلافات الجوهرية بين المدارس والمعلمين، فإن وجود احتمال أن أحدهم كانت لديه فرصة أفضل من غيره سواء في بيئة الاختبار أو في أدواته أو الدعم الذي يجده فإنه لا يسعنا القول بعدالة النتائج.
لقد كان التبرير الأساس لوجود اختبارات القياس هو زيادة الثقة في مخرجات التعليم العام، والسؤال الآن وبعد هذه التجربة، هل فعلا أضاف الاختبار ثقة أو قدم قيمة مضافة أم أنه انتهى للشك وفقد مبررات وجوده؟ فلماذا أصرت الهيئة على تنفيذ الاختبار في هذه الظروف، وإذا كانت وزارة التعليم قد أوقفت اختبار الثانوية العامة المركزي لمشكلات عديدة جلها وقع فيها اختبار القياس التحصيلي الآن، فلماذا تصر الهيئة على المضي قدما حتى الآن؟ وعندما أكتب مقالا بهذا الشكل فإني لا أسعى للتشكيك في الهيئة أو أهدافها، بل في أن الاختبار التحصيلي الذي نفذ أخيرا لم يكن عادلا في نظري بما يكفي لتبرير قدرته على المفاضلة بين الطلاب، ولهذا فإنه ومع إصرار الهيئة عليه أهيب بالجامعات مراعاة ذلك عند تقدير توزيع درجات القبول للمفاضلة بين الطلاب.
إنشرها