FINANCIAL TIMES

ماذا فعل بنا الإغلاق وملازمة البيوت ؟

بعد ثمانية أسابيع من الإغلاق، بدأت أشعر بأني تائهة. توقع التحرر، في الوقت الذي يبدأ فيه رفع القيود، جعلني على نحو غريب مشاكسة وأكثر تشويشا وحيرة. وأنا لست وحدي في ذلك.
يتحدث الأصدقاء عن معارك متزايدة مع أطفالهم وأزواجهم بشأن أشياء تافهة، في الوقت الذي يذهب فيه الإحساس الأولي بالترابط في الأزمة ويحل محله الإيقاع الرتيب لإحساس الناس بأنهم محشورون معا، إلى جانب عدم اليقين بشأن ما إذا كان سيتم إرسال الأطفال إلى المدرسة، أو أن تكون هناك وظيفة للذهاب إليها. قليل من الناس اتخذوا إجراءات صارمة مثل الكاتب نيل جيمان، الذي ركب الطائرة من نيوزيلندا إلى جزيرة سكاي للابتعاد عن زوجته أثناء الإغلاق. لكن مقابل كل فرد يستمتع بزقزقة الطيور، هناك كثير من الأشخاص الآخرين الذين يعانون بشدة إرهاق الحجر الصحي.
في الثمانينيات، أجرى باحثون سلوكيون في وكالة ناسا دراسة على مشاركين في بعثات إلى القطب الجنوبي وفي رحلات الغواصات، لفهم كيف يمكن للبشر أن يتأقلموا مع ملازمة المكان والعزل في محطة فضائية. سرعان ما اتضح أن حالات التفكك في التفاعل الاجتماعي يمكن أن تعطل المهمة بشكل سيئ مثل المشكلات الطبية.
الباحث مارك لوفيسك، كتب عن عام قضاه في محطة القطب الجنوبي في أنتاركتيكا، "من دون القدرة على إخراج الشخص نفسه جسديا من الآخرين، فإن المتابعة العقلية للوقت والمكان والطريقة الدقيقة لوفاة زميل في طاقم أصبحت واحدة من الخيارات القليلة المتاحة للتكيف".
كان الإغلاق الذي مر به لوفيسك أكثر تطرفا بكثير من الإغلاق الذي نعيشه حاليا. كان عليه أن يتحمل مجموعة زملاء من الغرباء، والاستحمام خلال ثلاث دقائق. تجادل أسرتي حول من أكل آخر قطعة بسكويت، وليس من أخذ ما يسميه المستكشفون القطبيون "دش هوليوود": أربع دقائق فاخرة من الاستحمام. لكن من المثير للفضول أنه في كثير من المهام ازدادت مشاعر الكراهية والاستياء في المرحلة الأخيرة.
مفهوم "ظاهرة الربع الثالث"، وضع في عام 1991، من قبل الباحثين روبرت بيكتل وإيمي بيرنينج. وجدا أن الروح المعنوية تتراجع وتزداد التوترات بين الأفراد حين تصل البعثات إلى علامة الربع الثالث. سواء كانت الرحلة ستستمر عاما أو ستة أشهر، كان هناك شيء نفسي مؤلم حول معرفة أن الجزء الأول من الرحلة انتهى، وأن أمامنا فترة طويلة وصعبة في الانتظار.
لم يختر أي منا كوفيد - 19، والآن نحن نتأرجح على وشك الدخول في المرحلة التالية، دون معرفة متى سنعود "أو إن كنا سنعود" إلى حياتنا القديمة. قد نتحمل ربعا ثالثا مطولا، ونشعر بالسخط من استمرار الحرمان ونستعد لخطوة تالية لا يبدو أنها آتية أبدا.
قد يساعد هذا على تفسير سبب عدم حشد كثير منا للطاقة التي تجعلنا نهتم بالرسم الزيتي أو نقرأ رواية لتولستوي. سواء كنت بمفردك، أو تتنازع مع شريكك لتحصل على مساحة للكمبيوتر المحمول، أو تحاول العمل أثناء تعليم الأطفال في المنزل، فربما ينخفض مخزونك من القدرة على التحمل. صديقة لي في ماساتشوستس تعمل على تحضير الزبدة بنفسها، لأن الزبدة نفدت من المحال التجارية. بدلا من أن تستمتع بهذه التسلية المنزلية، هي مهتاجة غضبا، وتحاول حشر عملية تحضير الزبدة بين مكالمات العمل والتعليم المنزلي. أسألها: لماذا تحتاجين إلى الزبدة؟ تقول وهي تصرخ بغضب، "لأن كل ما نأكله هو الخبز المحمص!" يغمغم زوجها في الخلفية، "الوضع ليس على هذه الدرجة من السوء".
عندما نبدأ في الاختلاط الاجتماعي مرة أخرى، يجب أن نقبل أن "الوضع الطبيعي" لن يعود في أي وقت قريب. نحن غير قادرين على التخطيط للأشياء التي نتطلع إليها عادة، مثل العطلة الصيفية أو مناسبات نهاية الفصل الدراسي. طلاب المستوى الأول في الثانوية الذين يغادرون المدارس، وطلاب الجامعات الذين هم على وشك التخرج، لا يعرفون ما إذا كانوا سيعبرون عبر بوابات مؤسساتهم مرة أخرى.
حالات الحرمان هذه ليست بمستوى المرض أو الموت، لكنها تسبب نوعا من الحزن. بالنسبة إلى بعضهم تتسبب فيما يسميه الطبيب النفسي الإكلينيكي الدكتور هوجان برون "الاكتئاب القسري" من خلال تعطيل خطط المستقبل التي عادة ما توفر الأمل. ست من بين كل عشر نساء بريطانيات، يكافحن للشعور بالتفاؤل. بالنسبة إلى بعض الناس، المرحلة التالية تنتج الفزع. الأشخاص المعوقون وغيرهم ممن يعتمدون على مقدمي الرعاية الذين يأتون إلى منازلهم، يشعرون بالقلق الشديد خصوصا الآن على اعتبار أن مساعديهم قد يتعرضون للعدوى مع تخفيف القيود.
في استطلاع حديث للرأي، قال 60 في المائة من البريطانيين إنهم يشعرون بعدم الارتياح بشأن الذهاب إلى المقاهي والأحداث الرياضية أو استخدام وسائل النقل العام. 49 في المائة فقط منهم سعداء بفكرة العودة إلى العمل. وسم #ExtendLockdown "نرجو تمديد الإغلاق"، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعرب آلاف الأشخاص عن قلقهم بشأن تخفيف القيود، حتى مع أن آخرين يهاجمونهم بأنهم لا يريدون العمل. ينبغي لنا ألا نقلل من مدى الإجهاد الذي يسببه هذا.
كنت مستعدة للإجهاد الناتج عن الحجر الصحي. لم أكن أتوقع أن اصطدم بالشعور بأن البداية قد انتهت، لكننا لم نعد قريبين من النهاية ولو من بعيد. في المرحلة التالية من رحلتنا الوبائية، قد يتسبب الإجهاد والضغوط في خسائر أكبر.


زميلة عليا في جامعة هارفارد ومستشارة لدى وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية في المملكة المتحدة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES