عودة الاقتصادات المغلقة والمرحلة الحساسة

|
قد يكون الحديث عن التعافي الاقتصادي من ضربات وباء كورونا المستجد للاقتصاد العالمي مبكرا. على الرغم من تحرك عديد من الدول للعودة إلى فتح النشاطات التجارية والعودة إلى الحياة الطبيعية تدريجيا وفق لوائح وأنظمة تحافظ على الوضع الصحي من أجل مكافحة الجائحة بشكل منتظم ومستمر، كما أنه لا تزال نسبة كبيرة من الاقتصادات حول العالم، مغلقة إما كليا أو جزئيا. يضاف إلى ذلك الخلافات السياسية حول عملية إعادة فتح هذه الاقتصادات، فضلا عن تردد بعض الدول في اتخاذ قرارات بالفتح، ليس فقط خوفا من الرأي العام فيها، بل تحسبا لموجة جديدة من كورونا، يقول البعض: ربما ستكون أعنف، فعلى سبيل المثال، تقف اتحادات العمال ورابطة الأطباء البريطانيين ضد قرار حكومة بوريس جونسون الأخير بفتح المدارس أول الشهر المقبل، وإعادة فتح بعض المصانع ومراكز الإنتاج، الأمر الذي سبب إرباكا شديدا على الساحة المحلية، وهناك ما هو مشابه لهذه الحالة في هذه الدولة أو تلك.
إن العودة التدريجية للأنشطة في بعض الدول ولا سيما الصناعية منها التي عانت أضرارا اقتصادية جمة وتكبدت خسائر فادحة على كل المستويات والقطاعات، خاصة الاستغناء وتسريح الموظفين، ما تسبب في زيادة حجم معدلات البطالة وممكن أن نأخذ أمريكا مثالا، التي سجلت رقما قياسيا خلال فترة قصيرة منذ اندلاع أزمة انتشار فيروس كورونا، خطوة جيدة إلى الأمام بالطبع، لكن لا يمكن اعتبارها بداية لمرحلة التعافي، وذلك لأسباب عديدة في مقدمتها أن الحكومات ضخت مليارات الدولارات في اقتصاداتها لإنقاذ مؤسسات وشركات، ولإيفاء أجور الموظفين والعاملين فيها. هذا الأمر راكم ديون الحكومة بصورة كبيرة، حيث قفز العجز في عدد من الدول إلى أكثر من ناتجها المحلي الإجمالي، فضلا عن أن الفتح الجزئي للقطاعات بكل أشكالها، لن يوفر دفعة حاسمة للانتعاش الاقتصادي. فالتعافي لن يبدأ في الواقع، إلا إذا عادت الاقتصادات تدور بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل انفجار كارثة كورونا. وهذا الأمر يتطلب وقتا كما هو واضح على الساحة لكن في النهاية أن حراكا بصرف النظر عن مستواه، ليس إلا علامة إيجابية ما لعودة الأمور إلى نصابها لاحقا.
ومن هنا يمكننا النظر إلى ما قاله جيروم باول، رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي)، إن اقتصاد بلاده قد لا يتعافى بشكل كامل قبل إيجاد لقاح لفيروس كورونا. وهذا الكلام يبدو واقعيا جدا. ففي الولايات المتحدة - وحدها - تم حتى الآن خسارة 30 مليون وظيفة من جراء إغلاق الأنشطة التجارية وغيرها من تلك التي ترتبط بالخدمات. وعلى هذا الأساس، فإن السلطات الأمريكية تتحدث حاليا عن نهاية العام الجاري كموعد أولي لبدء التعافي الحقيقي. والأمر مشابه إلى حد بعيد في أغلب الدول الأخرى، خصوصا الأوروبية منها التي تعاني كغيرها انكماشا اقتصاديا متصاعدا، قدره البعض بـ 15 في المائة ككتلة أوروبية. ففي هذه القارة لا تزال الحكومات تعاني مسألة فتح الاقتصادات جزئيا أو كليا، أو الإبقاء على ما هو قائم في المرحلة الراهنة.
وفي الدول الآسيوية، ولا سيما تلك التي تعرضت لأعنف ضربات كورونا الأمر ليس ورديا أيضا. ففي الصين، ارتفع عدد العاطلين عن العمل في أسابيع قليلة فقط 10 في المائة، وهناك بعض القطاعات في هذا البلد لم تعمل بقدراتها الكاملة حتى اليوم، وكذلك الأمر في اليابان وغيرها. المهم الآن ضمان نجاح الخطوات الأولى لإعادة فتح جزئي للاقتصادات المغلقة، وهذه مرحلة حساسة، لأن أي انتكاسة في هذا السياق ستعيد الأمور إلى الأسوأ، ولا سيما في ظل الخلافات المحلية حول جدوى الفتح أصلا. هذه المرحلة الدقيقة هي التي تحدد آفاق عودة الحراك الاقتصادي على الساحة العالمية كلها، ولا بد أن تكون محسوبة بأدق التفاصيل والمحاذير.
إنشرها