FINANCIAL TIMES

هل تستعيد المصارف دور طبيب اقتصاد العالم؟

البنوك المركزية تريد من المصارف التجارية الاضطلاع بدور مهم في مواجهة تداعيات الجائحة.

الجائحة تتيح الفرصة أمام المصارف لاستعادة الثقة بها بعد انهيارها ضمن أزمة 2007 - 2008.

في اليوم الذي تقدم فيه بنك ليمان براذرز بطلب الإفلاس في أيلول (سبتمبر) 2008، حملت الصفحة الأولى من صحيفة "فاينانشيال تايمز" صورة لجون ثين، الرئيس التنفيذي لبنك ميريل لينش، آنذاك. كان ثين يستقل سيارته بعد ساعات من المحادثات في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وبدا وكأنه رجل كان يحدق في الهاوية. في الأيام التالية سيظهر مزيد من الصور لمصرفيين يغادرون اجتماعات الأزمات مع صانعي السياسة، وتدل وجوههم الممتقعة على نذر سوء من الفظائع الآتية في الطريق.
في الوقت الذي يحتدم فيه فيروس كورونا ويدفع الاقتصاد العالمي إلى طريق مسدود، عمد المصرفيون مرة أخرى للتجول في ممرات السلطة.
في أوائل آذار (مارس) الماضي، استدعى دونالد ترمب الرؤساء التنفيذيين لبنك أوف أمريكا وسيتي جروب وغيرهم من كبار المصارف إلى البيت الأبيض، فيما عقد ريشي سوناك، وزير المالية في بريطانيا، اجتماعات ومكالمات مع نظرائه في بريطانيا.
المصرفيون يقولون إن الأمر مختلف هذه المرة. بدلا من تقريعهم على دورهم في التسبب في أزمة عام 2008، فإنهم مدعوون للمساعدة على توزيع برامج تحفيز غير مسبوقة تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، معدة لإنقاذ الاقتصاد العالمي من الانهيار. على الرغم من أن الحكومات والبنوك المركزية تقدم كثيرا من السيولة، يطلب من المصارف التجارية أن تصبح "آلية تحويل" لضمان أن يجد الدعم طريقه إلى الشركات والمستهلكين الذين هم في أمس الحاجة إليه.
يقول مايك كوربات، الرئيس التنفيذي لمجموعة سيتي جروب، إن المصرف الأمريكي على "اتصال يومي" بالبيت الأبيض والمنظمين "لنقل المعلومات على ما نراه في السوق، وما هو تحت الضغط ".
في فرنسا، يتحدث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي يوميا إلى فريديريك أوديا، الرئيس التنفيذي لبنك سوسييتيه جنرال، الذي أصبح منبوذا في عام 2008 بعد فضيحة متداول مارق.
يقول أوديا: "الفرق بين اليوم وبين عام 2008 هو أنه كان ينظر إلينا آنذاك على أننا نحن المشكلة، أما اليوم فالجميع يعلم أن المشكلة هي الفيروس. نحن أحد الأنشطة التي يجب أن تعمل. نحن أطباء الاقتصاد".
في حين أن هذا الوصف سيخدش سمع بعض الناس، إلا أن اختلاف نغمة المناقشات بين الحكومات وصانعي السياسات والمصارف تثير الاستغراب لدى بعض قدامى المحاربين في الأزمة المالية.
يقول أحد المصرفيين - الذي قدم المشورة لحكومة بريطانيا في عام 2008 -: "على الأقل يبدو الأمر، وكأننا إلى جانب الخير هذه المرة".
ما إذا كان بمقدور المصارف الحفاظ على هذه الثقة الجديدة، فهذا يتوقف إلى حد كبير على قدرتها على تحمل فيروس كورونا وصدماته المرتدة.
وهذا بدوره يعتمد على ما إذا كانت إصلاحات ما بعد الأزمة المالية - التي تمارس بعض المصارف ضغوطا شديدة عليها لتخفيفها - قد جعلت النظام قويا بما يكفي للبقاء على قيد الحياة.
يبدو أن المصارف اجتازت الاختبار الأول. فترة قصيرة لكنها ملموسة من الفوضى في السوق وسحب منسق لمئات المليارات من الدولارات من الائتمان، من قبل الشركات التي تشعر بالإجهاد.
يقول أحد صناع السياسة إنه في مواجهة تداعيات فيروس كورونا، فإن النظام المصرفي العالمي الذي كان سائدا في عام 2007 سيكون قد انفجر الآن.
يقول جيس ستيلي، الرئيس التنفيذي لبنك باركليز: "بحسب أي مقياس فإن الأسواق المالية كانت تتداول وتظهرالتقلبات على نحو لم يسبق له قط مثيل من قبل"، مشيرا إلى "التدمير الكبير للقيمة الذي يحدث في مجموعات الأصول". حتى الآن على الأقل، يعمل النظام كما ينبغي له. ويقول: "إنه لأمر غير عادي إلى حد كبير أن يأتي مع هذا القدر من العسر، فلم نلاحظ مزيدا من حالات الفشل في شركات إدارة الأصول".
ويضيف أن النذر المحتملة للانهيار المالي الكامل لم تحدث حتى الآن، مثل أن يمنع صندوق مشترك المستثمرين من إجراء عمليات سحب.
يقول ستيلي: "تذكر أن هناك كثيرا من الأشياء التي تتوقع أن تحدث قبل أن تبدأ في رؤية أزمة حقيقية".
الاختبار الحقيقي لمتانة المصارف والنظام المالي الأوسع لم يأت بعد. شهدت قطاعات ضخمة من الاقتصاد العالمي، من شركات الطيران إلى شركات التجزئة، تبخر إيراداتها.
كثير من الشركات والمستهلكين سيعجزون عن تسديد قروضهم، ما يؤدي إلى سلسلة من الخسائر الائتمانية المؤلمة للغاية للمصارف، التي ستضرب الربحية وتوجد فجوة في ميزانياتها العمومية.
وفي الوقت نفسه، فإن أسعار الفائدة المنخفضة للغاية التي أدخلتها البنوك المركزية لدعم الاقتصاد أثناء الوباء، ستضع ضغطا إضافيا على الأرباح المتولدة من الإقراض.
يقول رومان بوشر، كبير الإداريين الاستثماريين في الأسهم في شركة فايديليتي إنترناشونال: "كل شيء في العالم معلق الآن، ولا يمكن لهذا إلا أن تظهر آثاره في عالم المال. المصارف لا تزال أكبر من أن تفشل، ولكنها أيضا أهم كثيرا من أن تختفي".
حذرت وكالة التصنيف ستاندرد آند بورز الأسبوع الماضي من أن الصناعة المصرفية الأمريكية - التي ولدت 195 مليار دولار من الأرباح العام الماضي - قد تنتقل إلى خسارة 15 مليار دولار في الشهور الـ12 المقبلة.
ويضيف المحللون في وكالة بيرنبيرج إن المصارف الأمريكية والأوروبية تواجه في المتوسط انخفاضا بنسبة 30 في المائة في الأرباح هذا العام والعام المقبل.
وكتبوا في مذكرة حديثة إلى العملاء: "في مواجهة النشاط المنخفض وأسعار الفائدة المنخفضة لفترة أطول والتكاليف غير المرنة، وخسائر القروض الأعلى، فإن آفاق أرباح المصارف باتت حركة ذات اتجاه واحد".
على الرغم من هذه الرياح المعاكسة، يبدي بعض التنفيذيين في المصارف الثقة. ذكرت آنا بوتين، الرئيسة التنفيذية لبنك سانتاندر، أكبر مصرف في منطقة اليورو، في مؤتمر للخدمات المالية في آذار (مارس) الماضي، أن هناك احتمالا بأن يشهد المصرف انخفاضا بنسبة 5 في المائة فقط في أرباحه هذا العام، وأنه لا يتوقع أي تأثير في مستوياته الرأسمالية أو أهدافه المالية على المدى المتوسط.
وأضافت بوتين التي ظهرت عبر رابط فيديو من مدريد الواقعة تحت الحظر، إن تلك التقديرات تستند إلى ركود "على شكل حرف V" أي صدمة حادة يتبعها انتعاش سريع، لكنها شددت على أن هذا مجرد سيناريو محتمل.
يقول بعض المصرفيين إن مثل هذا الحديث سابق لأوانه، ويكاد يصل إلى مستوى التمنيات. يقول تنفيذي في مصرف عالمي منافس: "إذا كان بوسع شخص ما أن يخبرني متى يعتقد أن الفيروس سيتم احتواؤه عالميا، وأننا سنعود إلى اقتصاد عالمي طبيعي، فعندئذ يمكنني أن أخبرك كيف ستبدو دورة الائتمان. بالنظر إلى أنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ بذلك، أجد أنه من الصعب رؤية الناس يخرجون ويشعرون بثقة كبيرة".
يتوقف عمق خسائر الائتمان على حجم المخاطر التي ترغب الدول في مشاركتها مع القطاع المصرفي. لقد بدأت الحكومات والبنوك المركزية تنفيذ برامج التحفيز النقدي من المالية العامة على نطاق لم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية، بدءا من التسهيلات الائتمانية المدعومة من البنوك المركزية إلى ضمانات القروض وعمليات الإنقاذ للصناعات، بما في ذلك قطاع الطيران الأمريكي.
يقول تنفيذي في مصرف سويسري إنه في غياب مثل هذا الدعم الاستثنائي، فإن واقيات امتصاص الصدمات في رأس المال التي تستوعب خسائر المصارف "كانت ستشبه مظلة في إعصار".
يقول مصرفي يقدم المشورة لحكومة بريطانيا - التي خصصت 330 مليار جنيه لضمانات قروض الشركات وتسهيلات لتمويل الأوراق التجارية - إن الخطط غير مجربة. على وجه الخصوص، يحذر من أن الضمانات لن تنطبق إلا على الإقراض في المستقبل. ويضيف: "هذا خاص بالأموال الجديدة، وليس لجميع القروض التي قدمناها في السابق التي ستصبح سيئة".
وحذر تنفيذيون مصرفيون أيضا من أن قواعد المحاسبة الجديدة في أوروبا - التي تجبر المصارف على تخصيص مخصصات للقروض المعدومة في وقت سابق - ستؤدي إلى تفاقم المشكلة عن طريق إضعاف واقيات رأس المال بسرعة، وتقليص قدرتها على الإقراض تماما في اللحظة التي تحتاج فيها الشركات والمستهلكين إلى السيولة النقدية. صناع السياسة متعاطفون، وهم يتخذون خطوات للحد من صدمة اللوائح الجديدة. وافق المنظمون على تخفيف تأثير قواعد مماثلة في الولايات المتحدة.
تخفيف القواعد سيؤدي إلى كسب الوقت فقط. يقول المصرفي الذي يقدم المشورة لحكومة لندن: "إذا انفجر العالم ولم ينجح كل هذا التدخل الحكومي، فسيصل هذا في النهاية إلى المصارف. ستكون أزمة خسارة ائتمانية من الطراز القديم، ولكن على نطاق لم نشهده من قبل". حتى لو تمكنت المصارف من استيعاب الخسائر، فإن بعض الإجراءات التي اتخذها صناع السياسة ستضر بالقطاع على المدى الطويل.
على الرغم من أن التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا تهدف إلى أن تكون إجراءات مؤقتة، إلا أن أزمة عام 2008 أظهرت أن البنوك المركزية يمكن أن تعترك من أجل زيادة أسعار الفائدة، بمجرد انتهاء الصدمة الاقتصادية الفورية. وفي الوقت نفسه، فإن الطفرة في عائدات التداول في الربع الأول للمصارف الاستثمارية من المحتمل أن توفر دفعة قصيرة الأجل، فقط.
أندي هالفورد، الرئيس المالي في بنك ستاندرد تشارترد يحذر من أن "أسعار الفائدة منخفضة بشكل لا يصدق" ويمكن أن تتسبب في نقل المودعين من الشركات والتجزئة لأموالهم النقدية، من الحسابات التي يغلب عليها أن تدفع معدل فائدة أعلى مقابل ربط الإيداع لفترة محددة من الوقت.
ويقول: "تفضل المصارف أن تكون لديها ودائع باستمرار يمكن استخدامها لدعم الإقراض. إذا كان هناك ميل أقل لوضع الأموال في مواقع مستمرة، ستكون هناك ثقة أقل للتداول في النظام".
قد تكون أزمة فيروس كورونا قد أعطت المصارف فرصة لإصلاح صورتها في أذهان الجمهور، ولكنها تجلب أيضا مخاطر جديدة تتعلق بالسمعة.
بصفتها آلية انتقال للمساعدات الحكومية، سيطلب منها أداء مهمة شائكة: تحديد الشركات التي يجب أن تتلقى المساعدة المالية، وأيها كانت تعترك من أجل البقاء بغض النظر عن الفيروس، وبالتالي يجب التخلي عنها.
يقول أحد صناع السياسة إن "اختيار الفائزين والخاسرين" يمكن أن يستثير ردة فعل عامة وسياسية ضد المصارف. لارس ماشينيل، كبير الإداريين الماليين في بنك بي إن بي باريبا يقول: "نريد أن نتجنب أي خطر أخلاقي. لا ينبغي للحكومات أن تدفع الأموال فحسب. إذا كانت هناك شركة، على سبيل المثال شركة طيران كانت في حالة جيدة في شباط (فبراير) الماضي، فإن الضمانات الحكومية (موجودة) لتساعدها على اجتياز فترة الجائحة فحسب.
يقول كوربات إن المصارف يجب أن تسير فوق "خيط رفيع" بين أن نكون داعمين قدر الإمكان دون أن نثير بأي حال من الأحوال شكوكا حول سلامة المصرف أو النظام المالي.
"آخر شيء نريد جميعا أن نراه هو أن يخرج مستهلكونا وشركاتنا الصغيرة والكبيرة من هذه الأزمة وهم يعانون مركز مديونية أوسع بشكل غير مستقر أو مديونية أكبر حجما" بحسب ما أضاف.
على الرغم من أن كثيرا من المقترضين من الأفراد والمستهلكين حصلوا على إجازات مدفوعة، إلا أن البعض لن يتمكن أبدا من سداد قروضهم، ما قد يؤدي إلى موجة من حالات الإفلاس واسترداد الأشياء المبيعة، التي ستختبر صبر الجمهور.
يقول بول تاكر، رئيس مجلس المخاطر النظامية، وهي مجموعة من المنظمين السابقين، ونائب محافظ بنك إنجلترا سابقا: "لم تنشأ هذه الأزمة في المصارف، ولكن يمكن أن تكون جزءا من الحل، وقد تبتلعها إذا ابتعدت بدلا من ذلك. لا يجب أن يفرضوا رسوما باهظة على العملاء، ويحتاجون إلى تعليق توزيعات أرباح الأسهم والعلاوات الكبيرة. إنها ليست لحظة مناسبة لأن يراعوا أنفسهم أولا".
خضعت أكبر المصارف البريطانية لضغوط من بنك إنجلترا وعلقت جميع توزيعات أرباح الأسهم. هذه الخطوة صدمت المستثمرين وأدت إلى انخفاضات حادة في أسعار أسهم المصارف، وخاصة بنك إتش إس بي سي، الذي شهد اختفاء نحو عشرة مليارات دولار من تقييمه، في غضون دقائق من افتتاح التداول في هونج كونج الأسبوع الماضي.
يحذر بيتر أورزاج، وهو تنفيذي في شركة لازار، كان مديرا لميزانية البيت الأبيض في 2009-2010 ضمن إدارة أوباما الأولى، من أن الثقة الجديدة بين المصارف وصناع السياسة قد تتعرض للإجهاد.
ويقول: "لا أريد أن أطلق على هذا فترة شهر العسل، لأن ما يجري فظيع جدا، ولكن هناك نوعا من التقارب والاعتراف بحسن النية".
في الوقت الذي تضطر فيه المصارف إلى تحديد المستهلكين والشركات التي ينبغي أن تتلقى الدعم، يمكن أن يتغير الرأي السياسي والرأي العام.
"ما يحدث هو أن ستة أشهر في هذا الوضع المتحرك يمكن أن تبدأ في التحول - لا يبدأ رد الفعل العكسي على الفور".
مثل الشركات الأخرى، تواجه المصارف أيضا عقبات لوجستية ضخمة، حيث يعمل موظفوها المتناثرون إما من المنزل أو أنهم في إجازات مرضية.
الإغلاق في الهند، حيث اختار كثير من المصارف تحديد موقع مراكز الاتصال، يجعل من الصعب التعامل مع طوفان من الاستفسارات الواردة من العملاء.
اضطرت بعض المصارف إلى تعليق جهود إعادة الهيكلة، مثل بنك إتش إس بي سي، الذي قال الأسبوع الماضي إنه سيوقف الأغلبية العظمى من حالات التسريح بالكاد، بعد شهرين فقط من إعلانه عن خطط لتسريح 35 ألف موظف. تكلفة إدارة مصرف معا، هي أصلا عالية بشكل عنيد ولا مجال أمامها سوى أن ترتفع.
وفوق كل شيء آخر، يعتمد بقاء المصارف والنظام المالي العالمي على ما إذا كان بوسع الحكومات احتواء أزمة الصحة العامة.
يقول بريان موينيهان، الرئيس التنفيذي لبنك أوف أمريكا، إن حافزا بقيمة تريليوني دولار، اتفق عليه المشرعون الأمريكيون الأسبوع الماضي هو: "بحجم وبعد يعتقد معظمنا أنه كبير بما يكفي للمساعدة على تحقيق المطلوب". ويقر بالتحدي الأوسع: "ما يفعلونه بشأن السياستين المالية العامة والنقدية أمر رائع، بيد أن الشيء الحقيقي الذي يتعين علينا حله هو أزمة الرعاية الصحية".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES