ثقافة وفنون

الحجر .. مرشد روحي صارم

كمامة القرن الـ17 للوقاية من الفيروسات.

نفّس بوست عن آلامه بالكتابة واختار الحجر الصحي، عملا بنصيحة والده.

تبدو مهمة فصل الأديب عن العالم، ووضعه في الحجر المنزلي أو في معتزل صحي صعبة للغاية، ومستحيلة في بعض الأحيان، فطقوس الأدباء تتضمن العمل بحرية، وسط المقاهي الشعبية، وبجانب المطارات، وفي قلب ردهات الفنادق، مثل الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، الذي كان في قمة عطائه حينما كان يدخن الشيشة في مقهى الفيشاوي.
وعلى عكس محفوظ ورفاقه، ممن أدمنوا الصخب والضجيج، أخرج روائيون وشعراء روائعهم وإبداعاتهم أثناء الحجر الصحي، أو العزل المنزلي، تماما كالأجواء التي يعيشها العالم اليوم، إثر جائحة كورونا.
المرض كمرشد روحي
لم يكن العزل المنزلي عائقا أمام الأدباء لإخراج أجمل نصوصهم وأروعها، ومنهم مارسيل بروست، الذي أفنى عمره في كتابة رواية خالدة، من أعظم روايات القرن.
الروائي الفرنسي بروست كان يعاني أزمة الربو المزمن، ما جعله يعتزل العالم في منزله نحو ثمانية أعوام، في غرفته المعقمة، ويعتكف للعمل على رائعته "البحث عن الزمن المفقود" منذ عام 1907، وانتهت بعد 14 عاما، في سبعة أجزاء وآلاف الصفحات.
واعتمد بروست في كتابة هذه الرواية الضخمة على ذاكرته، بما تتضمنه من ذكريات عائلية واجتماعية وثقافية وسياسية كالحروب والأزمات، وجعل من عزلته عن العالم دافعا، فهو من كتب "إن المرض الذي جعلني أموت بالنسبة إلى العالم، كان بمنزلة مرشد روحي صارم، فأسدى إلي خدمة كبيرة، لأنه إذا نمت حبة القمح بعد أن نزرعها، فإنها تبقى وحيدة، أما إذا ماتت فإنها تعطي الثمر الكثير".
نفّس بوست عن آلامه بالكتابة، واختار الحجر الصحي، عملا بنصيحة والده أدريان بروست، المراقب العام للخدمات الصحية في باريس، الذي طور مفهوم العزل المنزلي في القرن الـ19، لحماية الفرنسيين من الأمراض المعدية، كالطاعون والحمى والصفراء، بعد أن كان الحجر الصحي أو العزل يتم على ظهور القوارب البحرية في القرن الـ15.
ومما يستحق ذكره، أن بروست كان دقيقا ومتيقظا فيما يتعلق بصحته، إذ كان يضع القفازات حينما يصافح زواره، ومنهم أخوه، بحسب ما تؤكده سيلست ألباريه مدبرة منزله في كتابها "السيد بروست"، كما كان يخشى من إمكانية انتقال الجراثيم عبر الرسائل، فاقتنى جهازا صغيرا فيه مادة الفورمالين التي تقتل البكتيريا، ويمرر رسائله عبره لتعقيمها.
كورونا موسكو
من الرواية إلى الشعر، الذي نظمه الشاعر اللبناني الراحل بولس سلامة على مدى 40 عاما وهو مقعد الفراش، أجرى خلالها نحو 20 عملية جراحية، حتى رحل عن دنيانا عام 1979.
يحسب لسلامة نظمه أول ملحمة عربية، ملحمة عيد الغدير، تناول فيها أهم نواحي التاريخ الإسلامي من الجاهلية إلى آخر دولة بني أمية، كتبها وهو يعاني الألم والويلات.
ومثله الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين، الذي عد الحجر الصحي في منزله فرصة لكتابة أكثر وأهم أعماله الإبداعية، خلال فترة تفشي الكوليرا في روسيا، فأخذ يسلي نفسه أثناء التزامه المنزل بمراسلة ناتاليا خطيبته المستقبلية، بعد أن تأجل عرسهما ستة أشهر، وأنجز مجموعة من أعماله الشعرية والروائية، مثل روايته الشعرية "يفجيني أونيجين"، وحكايات الراحل إيفان بيتروفيتش بيلكين، ومجموعة مسرحيات، ونحو 32 قصيدة غنائية.
بوشكين، أو "أب الأدب الروسي" كما يلقب، لم يكن خائفا من الكوليرا التي طرقت أبواب موسكو، فهو يعلم أن العالم بأسره كان يرضخ تحت وطأة الأمراض، إذ كان محاطا بالطاعون والتيفوئيد، الذي حصد أصدقائه.
وخوفا من كورونا موسكو "الكوليرا" التي كانت تضرب روسيا لفترات طويلة ومتكررة، اختار أنطون تشيخوف الكاتب الروسي العزلة في منزله في ميليخوفو، فكتب قصصا قصيرة لا يزال يقرأها العالم، مثل "الراهب الأسود" و"الغرفة رقم 6".
طاعون لندن
ملحمة شعرية تلك التي كتبها جون ميلتون الشاعر الإنجليزي أثناء التزامه منزله خلال فترة "الطاعون العظيم" الذي اجتاح لندن بين عامي 1665 و1666، في عشرة كتب، عن نزول آدم إلى الأرض، وحياته مع حواء، ومكائد الشيطان، وجنات عدن، متأثرا بالروايات الدينية.
وخلال فترة الطاعون أيضا، تمكن وليام شكسبير من كتابة أروع أعماله من المسرحيات، مثل "الملك لير" و"ماكبث" و"أنتوني وكليوباترا"، وقيل إنه كتب رائعته "روميو وجولييت" خلال الحجر الصحي الذي قضاه في منزله، فبريطانيا تعرضت لموجات من تفشي الطاعون على أعوام متباعدة.
وظهر شكسبير متأثرا بما رآه من مشاهد أثناء معاصرته للطاعون، من خلال تضمينه في مشاهد المسرحية، فالراهب الذي يفترض فيه أن يخبر روميو بأن جولييت ليست متوفاة إنما تتظاهر بذلك، مُنع من نقل رسالته، لأنه كان قيد الحجر الصحي مع قس زميل له كان يقدم المساعدة للمرضى، وفي النهاية لم يتلق روميو الرسالة قط، وقتل نفسه قبل أن تستفيق جولييت.
وكما ظهرت المسرحية الشهيرة بسبب الطاعون، يقول نقاد ومؤرخون "إن شكسبير تحول إلى كتابة الشعر بعد إغلاق المسارح عام 1593، خوفا من الموت الأسود".
وفي عام 1592، أخرج لنا توماس ناش الروائي والكاتب المسرحي الإنجليزي مسرحية آخر وصية وشهادة للصيف، بعد هربه إلى الريف تفاديا للطاعون العظيم.
الكوميديا البشرية
سبق هذا الطاعون العظيم، طاعون آخر، تفشى في أوروبا في القرن الـ14، دفع الكاتب الإيطالي جوفاني بوكاتشو إلى كتابة أروع كتبه على الإطلاق، وهي رواية ديكاميرون، أو "الكوميديا البشرية"، وهي مجموعة حكايات تتجاوز المائة، يرويها ثلاثة شبان وسبع شابات، لجأوا إلى فيلا معزولة خارج فلورنسا هربا من الطاعون "الموت الأسود" الذي أصاب المدينة.
وفي الرواية الشهيرة، يروي كل فرد من المجموعة قصة لقضاء الأمسيات في كل ليلة من الليالي التي قضوها في العزل المنزلي، باستثناء يوم واحد في الأسبوع كان مخصصا للأعمال المنزلية، إضافة إلى الأيام المقدسة التي لا يعملون فيها على الإطلاق، فجلسوا نحو أسبوعين في العزل، تناولوا فيهما حكايا من المجتمع الإيطالي، مثل قصص الطبقات الغنية والنبيلة، وقصص التجار المسافرين، وحكايات الحب والثروة، في قالب لا يخلو من الطرافة والسخرية.
فيما يسجل التاريخ أن من تحدى هذه الأوبئة ولم يلتزم الحجر المنزلي، كانت نهايته مؤسفة، مثل الشاعر العربي ابن الوردي، عمر بن مظفر المعري، الذي تحدى الطاعون علنا، وكتب فيه قصيدة من بيتين، عام 749هـ، فسبقه الطاعون إلى جسده ومات بعد قصيدته بـ48 ساعة فقط.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون