التقارير مشكلة المنظمات المزمنة .. كيف نحلها؟

|


خلاصة تجربة وأبحاث وخلاصة هذا المقال أقول: إن التقارير وعملية إعدادها هما كل مشاكل أكثر المنظمات السعودية، لذلك أعتقد جازما اليوم أن أي منظمة لا تجعل التقارير أول اهتماماتها وعملية إعدادها أكبر قضاياها ستكون مريضة أو عرضة للمرض الإداري المزمن وستحيط المخاطر بها ودون حصر، وأكاد أجزم أن مثل هذه المنظمات - وهي كثيرة - التي تهمل التقارير ضائعة في بحرها مهما وضعت هياكل إدارية ومهما بنت استراتيجيات. ولقد أمضيت عمرا أبحث في الحوكمة وقضاياها والشفافية ومعانيها وبعد أعوام عديدة أجزم أن مشكلة القرار عند أعلى المستويات وفي أدناها وفي كل المنظمات تكمن في سوء المعلومات التي تقدم لمتخذ القرار، هذا السوء يأتي إما على شكل توقيت غير مبرمج، وإما معلومات غير مفهومة أو إغراقا فيها، بأن نقصا حادا، أو تضليلا وعدم ثقة الموظفين السعوديين تقع في التوثيق وإعداد التقارير، أولا وأخيرا. لقد شهدت بنفسي كيف يقوم متخذو القرار في بعض الجهات بالارتجال فيه نظرا للسرعة المطلوبة في القرار، بينما المعلومات غير جاهزة أو لا يمكن تجهيزها في الوقت الذي يحتاج إليه، لذا يتخذ القرار بناء على قدراته الشخصية البحتة وخبراته في المنظمة، وحدسه، هكذا يتم اتخاذ قرارات تمس كثيرا من الأصول والأموال والموارد والأشخاص، ولا أشك أن مثل هذه القرارات - في أحسن وصف لها - تعد تهورا. ولقد سمعنا ورأينا كيف يتم عزل مديرين ووكلاء ومساعدين بسبب فشلهم في مد صاحب القرار بالمعلومات في الوقت الصحيح، بينما المشكلة كامنة مهما تغير هؤلاء التنفيذيون، فالتقارير ليست موجودة ولم يقرر أحد بشأنها.
التقارير نصف العمل اليومي، يجب أن تلخص الأعمال التي تمت وتصنفها وفق نماذج مرنة بما يحقق ميزة إعادة إنتاجها بالشكل المطلوب للقرار، لكن في عديد من المؤسسات يمضي اليوم في إنجاز كثير من المعاملات والأعمال الروتينية كصرف مواد أو مستخلصات، أو دفع فواتير، أو مراقبة إنتاج أو موظفين، أو حصرهم أو مواعيد دخولهم وخروجهم أو العملاء وقراراتهم، أو الطلاب أو المعلمين، ويعتقد الجميع جهلا أو تجاهلا أن مجرد إنجاز العمل يعد تقريرا عنه، وبينما يعتقد كثيرون جدا أن التقارير محصورة في أعمال المالية، والأخطر من يرتقب شركة المحاسبة في نهاية العام كي تعد له التقارير، ولهذا لا يهتم أحد بتطوير ما يخصه من تقارير الإنجاز، ولهذا السبب أيضا يفشل كثير من المنضمات في صنع قرار وبناء خطط تنفيذية للخطط الاستراتيجية لأنها تتطلب تقييم الإنجاز من خلال المؤشرات، بينما المشكلة دائما هي في عدم قدرة كثير من المؤسسات والإدارات على وضع مؤشر للأعمال، فمن يجهل فن بناء وإعداد التقارير حتما سيفشل في بناء مؤشرات الأداء. فالتقارير هي الوسيلة الوحيدة التي من خلالها ندرك أن شيئا ما تحقق أو تحقق بنسبة معينة.
بناء التقارير يعد أهم أركان الحوكمة، ولا يمكن تحقيق فعل رقابي جاد وفاعل ما لم يتم بناء نظام متكامل من التقارير، من يدع وجود نظام رقابي دون وجود منظومة فاعلة ومعتمدة ومراقبة ومرنة من التقارير، فإنه في أحسن العبارات مجرد إنسان واهم، ومن يخطط ولا يرسم بنية التقارير فإنه كمن يرسم على رمل البحر "يقبل ولا راح البحر يمحي السطر"، فمتى تثبت له خطة؟ ومتى يتأكد من التنفيذ وصدق المؤشرات إذا لم يكن هناك نظام للتقارير؟ كثير من المخططين الاستراتيجيين يبنون خططا مميزة فعلا لكن تفشل تماما، ليس في تنفيذها، بل فقط في معرفة أين وصل إنجازها، فلا أحد يعرف بعد مضي وقت أين أصبحت الخطة وأين المؤسسة منها بسبب ضعف بنية التقارير، ولذا يتم اتخاذ قرار ببناء خطط جديدة.
التقارير جزء لا يتجزأ من العمل الرقابي، وتصميمها يتطلب معرفة ودراية وخبرة، وقد وجدت أن أفضل الطرق لبناء منظومة التقارير هي من خلال تفعيل إدارات الرقابة الداخلية، فالمراجعة الداخلية تبدأ أعمالها من خلال طلب معلومات أو ما نسميه تأكيدات الإدارة، Assertions، هذه التأكيدات هي محل فعل المراجع، حيث يتطلب الأمر منه التأكد من أنها خالية من الأخطاء أو الغش، ولا يمكن للمراجع البدء بأعمال المراجعة دون الحصول على هذه التأكيدات، وهذه لا يمكن أن تتم إلا من خلال التقارير، فإذا بدأ المراجع أعماله فإنه يطلب أولا تلك التقارير التي تتضمن المعلومات والبيانات عن أعمال وإنجازات الإدارة، فإذا لم تكن هذه التقارير موجودة فإن أي عمل للمراجع يعد ضعيفا "في أقل الحالات، وعديم الجدوى في معظمها"، فما فائدة مراجعة أعمال إدارة لا ترفع تقارير إلى المسؤول الأعلى؟ وكيف للمراجع أن يعرف رأي الإدارة في أعماله أولا؟ وبمنعى آخر: دون تقارير لا توجد معلومات ولا تأكيدات من الإدارة، وقد يضع المراجع ملاحظات سبقت الإدارة وعرضتها، أو قد يؤكد المراجع شيئا لم تؤكده الإدارة نفسها، ولهذا يمضي العمل في صراع. فمثلا إذا لم ترفع إدارة الموارد البشرية تقارير بحجم الأعمال أو عدد الموظفين أو ساعات الإنجاز أو ساعات الغياب أو نسب بقاء الموظف على مكتبه مثلا وبشكل دوري فهل يقوم المراجع بإعداد هذه التقارير بدلا من الإدارة؟ وإذا لاحظ شيئا بشأنها لم تقره الإدارة عليه ولم تدعه، فلا يمكنه الرفع به حتى يعود للإدارة وهذا يضيع الوقت، ولهذا لا بد أن يعمل المراجع الداخلي مع كل إدارة أولا لبناء منظومة التقارير التي يجب رفعها بشأن الأعمال والإنجازات، وبهذا يتم إقرار الإدارة بما فيها ويمكن للمراجع حينها أن يفحص هذه التأكيدات من خلال القضايا الخمس المعروفة.

إنشرها