التحول الصيني ونموذج النمو القديم «1من 3»

|


من بين جميع مشاريع البنك الدولي التي نفذت في الصين خلال أعوام عملي مديرا قطريا، يبرز مشروع واحد صغير.
فقد قدم البنك الدولي منحة متواضعة جدا إلى منظمة غير حكومية كانت تحاول مساعدة "الأطفال المهجورين" في منطقة سيشوان الريفية. وقد ترك كلا الوالدين هؤلاء الأطفال بحثا عن فرص اقتصادية أفضل، الأمهات في كثير من الأحيان للعمل في مصانع كثيفة العمالة في المناطق المحيطة بمنطقة هونج كونج الإدارية الخاصة والآباء للعمل في مجال التشييد في المدن بجميع أنحاء البلد، ويترك الأطفال في القرى الريفية مع أجدادهم.
وجمع المشروع أطفال المدارس الثانوية من عاصمة المقاطعة للقيام بزيارات خلال عطلات نهاية الأسبوع لمساعدة الأطفال على اكتساب مهارات الكمبيوتر والإنترنت التي ليس بإمكانهم تعلمها من أجدادهم. وفي ظل السياسات الجديدة التي أعلنت في المؤتمر الوطني الشعبي والمدفوعة بدرجة كبيرة بديموغرافيات البلد، ستتغير طبيعة الهجرة من الحضر إلى الريف في الصين. وقد وصلت العمالة المرتبطة بالتصنيع والتشييد التي كان يسعى إليها العمال المهاجرون في الماضي إلى ذروتها وبالتالي من المرجح أن يعمل المهاجرون في قطاع الخدمات. وسيكون أكثر سهولة على المهاجرين أن يحضروا أسرهم ويصبحوا من المقيمين الدائمين في المناطق الحضرية، مستفيدين من مجموعة كاملة من الخدمات الحضرية.
وتعكس هذه التحولات إعادة توازن الاقتصاد في الصين من نموذج نمو كان يعتمد اعتمادا كبيرا على الاستثمار والصادرات إلى نموذج جديد يعتمد بشكل أكبر على الابتكار كمصدر للنمو والاستهلاك كمصدر للطلب. وسيكون لمدى نجاح الصين في تحقيق إعادة التوازن هذا أثر كبير في الاقتصاد العالمي، والاقتصادات النامية بصفة خاصة.
ونمت الصين بسرعة كبيرة للغاية لمدة طويلة، لكن حدث تحول مهم في نمط النمو هذا أثناء الأزمة المالية العالمية.
وقبل الأزمة، نما إجمالي الناتج المحلي للصين خلال الأعوام الستة المنتهية في 2007 بنسبة 11 في المائة في المتوسط، وشكلت الاستثمارات 41.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وأدى هذا الاستثمار إلى زيادة أعداد المساكن وطاقة التصنيع والبنية التحتية مثل الطرق والسكك الحديدية. وارتفع فائض الحساب الجاري "الصادرات ناقص الواردات" في البلد خلال هذه الفترة، ليصل إلى أكثر من 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
وفي الأعوام الستة منذ الأزمة العالمية، انخفض الفائض الخارجي انخفاضا حادا إلى ما بين 2 و3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وكان كل انخفاض في الطلب تقريبا يقابله زيادة في الاستثمار، حيث وصل إلى أكثر من 50 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في الأعوام الأخيرة. وكان نمو الصين مثيرا للإعجاب مقارنة ببقية العالم، لكن ما كان يختفي في هذا الإعجاب هو أن معدل النمو تباطأ إلى أقل من 8 في المائة، أي بأكثر من ثلاث نقاط مئوية مقارنة بفترة ما قبل الأزمة. وبالتالي، تستخدم الصين في الآونة الأخيرة استثمارات أكثر بكثير لتنمو ببطء أكبر بكثير عن الماضي.
ويكشف هذا النمط في النمو عن ثلاث مشكلات. المشكلة الأولى: تباطؤ التقدم التكنولوجي الذي يقاس بنمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج. وتقيس الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج حجم ما يتحصل عليه اقتصاد ما من رأسماله وعمالته. وثانيا، كمسألة ذات صلة وثيقة، فإن الناتج الحدي لرأس المال ينخفض، هناك حاجة إلى مزيد ومزيد من الاستثمار لتحقيق نمو أقل فأقل. والمؤشرات الفعلية لهذا الانخفاض في إنتاجية رأس المال تتجسد في الشقق السكنية الخالية والمطارات غير المستخدمة والمصانع المعطلة في قطاعات تصنيع مهمة مثل الصلب، استثمارات مفرطة تولد إضافة قليلة في إجمالي الناتج المحلي. وثالثا، أصبح الاستهلاك الآن منخفضا للغاية، خاصة استهلاك الأسر المعيشية، إذ يشكل استهلاكها 34 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي.وتوفر التجارب السابقة في اليابان وكوريا ومقاطعة تايوان الصينية بعض التوجيهيات التاريخية المفيدة عن مرحلة التنمية الحالية في الصين. فعندما كانت تلك الاقتصادات عند هذا المستوى من نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وذلك في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت استثماراتها البالغة 35 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط تعد مرتفعة وفقا للمعايير العالمية، لكنها 15 نقطة مئوية أقل من مستوى الصين في الآونة الأخيرة.
وكانت هذه الاقتصادات تشهد نموا سريعا في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج وبالتالي كانت تنمو بسرعة نمو الصين نفسها الآن، لكن باستخدام رأسمال أقل. وكانت هذه الاقتصادات تميل إلى أن يكون لديها عجز في الحساب الجاري حتى هذه المرحلة من التنمية، وانتقلت بعد ذلك تدريجيا إلى انخفاض في الاستثمار مع تقلص العائد على رأس المال، وتحولت من عجز إلى فائض في الميزان التجاري. وكانت نسبة متوسط معدل استهلاك أسرها المعيشية في هذه المرحلة 52 في المائة، أي 18 في المائة أعلى من المعدل الحالي في الصين.

إنشرها