عبدالله العروي .. مفارقة المشروع الفكري والمسار الشخصي

عبدالله العروي .. مفارقة المشروع الفكري والمسار الشخصي

عبدالله العروي .. مفارقة المشروع الفكري والمسار الشخصي

أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب؛ بداية الشهر الجاري، عن شخصية العام الثقافية في دورتها الحادية عشر، التي كانت من نصيب المؤرخ المغربي عبدالله العروي. وقع الاختيار على هذا المفكر، بحسب أمين عام الجائزة لأنه "تبوأ منزلة المؤسس لحراك فكري وثقافي امتد من المغرب إلى المشرق. ولم يتوقف تأثيره عند حدود الجامعات والمؤسسات العلمية، وإنما شمل مجالات الفكر السياسي العربي، وطبع كثيرا من الممارسات الثقافية".
عبدالله العروي قامة فكرية كبيرة في الوطن العربي، امتد شعاع أفكاره خارج حدود هذا الوطن؛ نظرا لتفرد أطروحته الفكرية التي عمل على بلورتها على مدار نصف قرن من الزمن؛ بدءا بكتابه "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" (1967)، وما تلاه من مصنفات تجاوزت 30 مؤلفا في حقول معرفية متنوعة من فلسفة، وتاريخ واجتماع وأدب وصولا إلى الحقل السياسي. وكان للسان الفرنسي الذي كتب به الرجل معظم أعماله نصيب في تسهيل إشاعة أفكاره في العالم الغربي.
لو جاز لنا أن نجمل مشروع صاحب "التاريخانية" في عبارة واحدة، فلن نجد قولا أدق من أنه سعي دؤوب نحو "تحديث الفكر والمجتمع العربيين". فقد عمل الرجل، منذ النصف الثاني من القرن الماضي، على توجيه العقل العربي نحو استيعاب أسس الحداثة الغربية والشروط التاريخية التي أنتجتها، ومن ثم توجيه الفعل في اتجاه تحقيق تلك الشروط التاريخية، وسلك الأسباب المؤدية إلى استنبات حداثة عربية.
لكي تتحقق تلك المنى، يؤسس العروي لسلسلة مفاهيم يراها ثوابت يبني عليها أطروحته حول "الحداثة العربية"، وقد جاءت منجمة في خمسة كتب تباعا كما يلي: مفهوم الأيديولوجيا (1980)، مفهوم الحرية (1981)، مفهوم الدولة (1981)، مفهوم التاريخ (1992)، مفهوم العقل (1996)؛ وهي بمنزلة فصول في كتاب كبير غير معلن عنه موسوم بعنوان "مفاهيم الحداثة".
لا يتردد مؤرخنا في التأكيد على أن موج الحداثة الجارف قادم لا محال، ويقينا أن الجميع سيكون تحت رحمتها؛ ومصير أي محاولة ترمي التصدي لها هو الفشل الذريع. بناء عليه يدعونا بشكل صريح إلى ضرورة القطيعة مع التراث، وهو ما عبر عنه بقوله: «القطيعة التاريخية الحاصلة في واقعنا بفعل الاستعمار، التي كنت أدعو فقط إلى الاعتراف بها والانطلاق منها»، فالاعتراف بالقطيعة على مستوى النظر، يعني إعادة تموقع العقل العربي في السياق التاريخي، واستئناف لمسيرة التاريخ.
يستبطن زعيم التاريخانية؛ بوعي أو بغير وعي، في هذا الطرح منطق التجاوز الهيغلي على عقل الحداثة. ما يعني؛ وبمفهوم المخالفة، أنه يهرب من حتمية التراث ليسقط في حتمية التاريخ في نسخة بذاتها؛ بعبارة أخرى نقول إنه يستند إلى "منطق التجاوز وليس منطق التجاور".
يضع أصحاب منطق "العقل التاريخاني" أنفسهم أمام "لاهوت تاريخي" على حد تعبير الراحل عبد الكبير الخطيبي. صحيح أن العروي، كما كتب أحدهم، محق حين «يرى فيمن يتعامل مع التراث بمنطق القدامى ومفاهيمهم بأنه "خرج من زمانه إلى زمان آخر". لكن من الصعب أن نقبل باختزال الزمان في المشروع الحداثي ورؤيته التاريخانية إلى الزمان»، لا لشيء سوى أن ذلك لا يعني غير إحلال سلطة محل أخرى بلا زيادة أو نقصان.
لن نجد تفسيرا لهذا الأمر أوضح من ذاك الذي قدمه الكاتب المغربي المختص في الفلسفة المعاصرة رشيد بوطيب، حين علق قائلا: «كنت دائما أقاوم نفسي، وأرفض أن أصدق ما أفهمه، من أن عبد الله العروي مفكر "استعماري". وأنه حتى في انتقاداته التي وجهها في كتبه التاريخية أو الفكرية للمدرسة الاستعمارية، ظل في أعماق نفسه مسكونا ومعجبا بالتجربة الاستعمارية. بل إن فكره يتمحور حول ضرورة تقليد القوي، المستعمر، المنتصر. إنها حاسة الغنيمة لدى المؤرخ، فالمؤرخ دائما إلى جانب الحاكم».
ويتأكد قول بوطيب أكثر عندما ننبش في سيرة العروي التي أمضى جزءا مهما منها في دوائر السلطة والحكم؛ بدءا بقراره المشاركة في اللعبة السياسية زمن سنوات الرصاص، حين قرر خوض غمار الترشح في الانتخابات التشريعية بمدينة الدار البيضاء باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1977، ثم تدخله لرأب الصدع بين اليسار الفرنسي والملك الراحل الحسن الثاني؛ بداية التسعينيات من القرن الماضي، حين كانت رموز هذا التيار يشنون هجماتهم النقدية على النظام المغربي.
عمل بعد ذلك في ديوان محمد السادس حين كان وليا للعهد، وسجل العروي حضوره رفقته في جولاته إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا، دون إغفال مشاركته في الكتابة عن عهد الحسن الثاني في كتاب جماعي عن الدولة المغربية إلى جانب وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري أحد رموز السنين السوداء بالمغرب.
ليس القصد من وراء هذا السرد مطالبة العروي بالاصطفاف في خانة المثقف الثوري، أو العضوي بتعبير غرامشي، ببساطة لأن التاريخ الأوروبي، وعلى وجه التحديد الفرنسي، يعج بمثقفين محافظين كانوا دائما إلى جانب السلطة القائمة، ودافعوا عن اختياراتها ضد إرادة الشعوب واندفاعية الجماهير.
لكننا نرمي من وراء ذلك بيان تناقضات العروي، فهو محافظ وسلطوي واقعيا؛ فقد أمضى سنين في دواليب السلطة الحاكمة بالمغرب، وثوري وتقدمي نظريا، بالانتصار إلى مبدأ "القطيعة المنهجية" مع التراث التي يراها الكثيرون مجرد وهم، إذ كيف يمكن أن نقطع مع تراث يعشش في تفاصيل حياتنا، لدرجة سكن فيها حتى خيالنا. إن أقصى ما بالمستطاع فعله تجاهه محاولة القراءة والفهم انطلاقاً من واقعنا وليس ضد واقعنا.
هذه المفارقة الكامنة بين المشروع الفكري والمسار الشخصي للعروي سوف تظهر تدريجيا مع تقدمه في العمر والكتابة، وخير مثال على ذلك ما أقدم عليه الرجل من مراجعات غير المعلنة، نستشفها بين صفحات مؤلفاته الأخيرة، ومن ضمنها كتاب "السنة والإصلاح" (2008) وكتاب "من ديوان السياسة" (2009) وكتاب "استبانة" (2016).

الأكثر قراءة