FINANCIAL TIMES

صناديق التقاعد .. عوائد منخفضة وضغوط متزايدة

متقاعدون أفنوا سنوات طويلة من أعمارهم في مواقع العمل والآن يواجهون خطر تآكل معاشاتهم التقاعدية بسبب تراجع أسعار الفائدة التي انخفضت إلى مستويات قياسية.

متقاعدون يونانيون ينتظرون أمام فرع مغلق لمصرف اليونان الوطني في أثينا التي تتضاعف معاناة متقاعديها بسبب أزمة البلاد المالية. جتي

تلقى المدخرون وأعضاء صندوق سنترال ستيتس للتقاعد، الذي تم تأسيسه في عام 1955 لإعالة سائقي الشاحنات في تقاعدهم، والبالغ عددهم 400 ألف شخص، رسالة في أيار (مايو) من مجلس إدارة الصندوق والأمناء مع اعتذار غير عادي. أعرب المجلس عن أسفه لإبلاغهم أن الصندوق، في النهاية، لن يخفض المنافع لأن وزارة الخزانة الأمريكية عطلت خطة للقيام بذلك. أراد صندوق سنترال ستيتس تخفيض المنافع لأنه خشي أن يتعرض للإفلاس، لأن أصوله البالغة نحو 18 مليار دولار لا يمكن أن تغطي المنافع التي تزيد قيمتها على 32 مليار دولار، التي وعد بدفعها. الخطة لخفض المعاشات التقاعدية الآن كانت جزءا من حزمة إنقاذ تهدف إلى تفادي كارثة شاملة في وقت لاحق. لكن الفكرة تعرضت للهجوم في الكونجرس ومن النقابات. وحذر المجلس في الرسالة من أن "صندوق سنترال ستيتس للتقاعد يبقى في وضع حرج ومتراجع، ومن المتوقع أن ينفد منه المال خلال أقل من عشرة أعوام". كثير من المتقاعدين والمدخرين حول العالم من المرجح أن يتلقوا مثل هذه الرسائل، وكثير من السياسيين سيواجهون المعضلة المستحيلة نفسها. الأزمة المتعلقة بالتركيبة السكانية، المدفوعة بمتوسط العمر المتوقع الأطول وتراجع معدلات الولادة، أصبحت الآن حرجة، نتيجة لعائدات السندات المنخفضة تاريخيا في جميع أنحاء العالم. الدخل من السندات، خاصة السندات الحكومية وسندات الدخل الثابت، هو حجر الأساس للاستثمار في صناديق التقاعد. أعوام من تراجع عوائد السندات جعل قيام الصناديق بشراء دخل لأعضائها أصعب بكثير، ما يؤدي إلى تكتيكات يائسة مثل تلك التي نشهدها في صندوق سنترال ستيتس. في الوقت الذي يتصاعد فيه القلق، بعض السياسيين يلقون باللوم على المشكلة التي تلوح في الأفق على أعتاب البنوك المركزية. البارونة ألتمان، وزيرة التقاعد السابقة في المملكة المتحدة، قالت هذا الشهر إن تمويل صناديق التقاعد كان قد وصل إلى "مرحلة أزمة" وألقت اللوم على سياسة برنامج التسهيل الكمي لشراء السندات التي أطلقها بنك إنجلترا. #2# قالت: "إن الحاجة الملحة لمخططات التقاعد تسبب فيها برنامج التسهيل الكمي. أنا لا أرى كيف يكون من المعقول الطلب من الشركات التي لديها مخططات تقاعد ملء فجوة بمقدار تريليون جنيه وفي الوقت نفسه وضع الأموال في أعمالها. هذا الأمر لا يبدو منطقيا". يقول المسؤولون في بنك إنجلترا إنهم يدركون المشكلة، لكنهم لا يتحدثون بلهجة اعتذارية. أندرو هالدين، كبير خبراء الاقتصاد في البنك، يقول إن أولوية البنك المركزي القصوى يجب أن تكون تحفيز الاقتصاد. "أنا أتعاطف مع المدخرين، لكن الوظائف يجب أن تأتي أولا". المشكلة أوضح في المملكة المتحدة، حيث عائدات السندات الحكومية البريطانية تراجعت إلى مستويات منخفضة غير مسبوقة منذ التصويت لمغادرة الاتحاد الأوروبي في حزيران (يونيو). وفقا لشركة ميرسر، المختصة في شؤون التأمين، الشركات المدرجة الأكبر الـ 350 في المملكة المتحدة تواجه عجزا يصل إلى 149 مليار جنيه في خطط التقاعد الخاصة بها، مع التكاليف المتوقعة لمدفوعاتها المضمونة للمتقاعدين - 870 مليار جنيه - تتجاوز بكثير الأصول البالغة 721 مليار جنيه التي تحتفظ بها لتغطية تلك المدفوعات. هذه الفجوة اتسعت بمقدار عشرة مليارات جنيه في الأيام الخمسة التي أعقبت تخفيض بنك إنجلترا لأسعار الفائدة في نهاية الشهر الماضي. وكانت عوائد السندات تنخفض على الصعيد العالمي منذ أوائل الثمانينيات ـ في البداية استجابة لنجاح الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على معدلات التضخم. وفي الوقت نفسه، العوائد على الأسهم، حيث صناديق التقاعد تضع معظم أصولها، تضررت بفعل أزمتين من أزمات السوق الكبيرة منذ عام 2000. في الولايات المتحدة، الأصول التي تحتفظ بها صناديق التقاعد ارتفعت بمقدار الضعف تقريبا - بنسبة تصل إلى 105 في المائة - منذ عام 1999، لكن تكلفة التزاماتها للمتقاعدين زادت أربعة أضعاف تقريبا - بنسبة تصل إلى 278 في المائة، وذلك وفقا لمجموعة ريان آيه إل إم، المختصة بشؤون التأمين. النتيجة هي عجز هائل في صناديق التقاعد. في الولايات المتحدة، صناديق التقاعد التي تديرها شركات في مؤشر ستاندرد آند بورز 1500 كانت تعاني وفقا لشركة ميرسر، نقص تمويل بمقدار 562 مليار دولار بحلول نهاية الشهر الماضي - ما يقارب 160 مليار دولار أكثر مما كان قبل سبعة أشهر بسبب المزيد من الانخفاضات في عوائد السندات. بالنسبة لخطط القطاع العام في الولايات المتحدة - المسموح لها اتخاذ أسعار فائدة أعلى بكثير من المتوافرة في سوق السندات، ما يجعل التزاماتها تبدو رخيصة بشكل غير واقعي - المشكلة أسوأ بكثير. جوشوا روه، أستاذ المالية في جامعة ستانفورد، يقدر أن عجزها الكامل، إذا تم تسعير التزاماتها بالطريقة نفسها مثل خطط الشركات، سيكون نحو 3.4 تريليون دولار. يقول ألاسدير ماكدونالد، من شركة ويليز تاورز واتسون الاستشارية في شؤون التأمين: "إنه أمر وجودي. هذا هو الملخص بكلمة واحدة لحجم التحديات. بإمكانك استخدام أدوات مختلفة، لكن الانخفاضات في أسعار الفائدة هي مشكلة وجودية بالنسبة لنظام التقاعد بالكامل". أسعار الفائدة المنخفضة تؤدي أيضا إلى تقييمات أعلى للأسهم، التي تشكل الجزء الأكبر من معظم محافظ صناديق التقاعد الاستثمارية. ومع كون الأسهم أكثر تكلفة، فإن العوائد المتوقعة في المستقبل أقل، ما يجعل مشكلة تحقيق وعود صناديق التقاعد أكثر حدة بكثير. يقول كارستين ستينديفاد، الذي يترأس خطة التقاعد الدنماركية الوطنية ATP التي تبلغ قيمتها 110 مليارات دولار: "إنه أمر مخيف وسريالي. أولا، إذا كنت في مجال توفير المعاشات التقاعدية، فقد أصبحت تكاليف إنتاج منتجك أعلى بكثير. لكن ثانيا يمكننا أن نرى أن برنامج التسهيل الكمي يؤثر على فئات الأصول أيضا. هذا هو الجزء المروع. وليس هناك فعلا مكان للاختباء". مفارقة السياسة أي حل للمشكلة يتضمن أفرادا يدخرون أكثر وشركات تستثمر أقل - نتيجة تضعف الهدف الرئيسي للسياسة النقدية السهلة المتمثل في تحفيز الإنفاق. يقول أنتي إيلمانين، من AQR، إحدى الشركات الكبيرة لإدارة الصناديق في الولايات المتحدة: "بالنسبة لدخل تقاعد معين، عندما لا تقوم السوق بالعمل بالنيابة عنك، عليك الادخار. لم تتم مناقشة هذا الأمر كثيرا في سياق التحفيز الكلي، لكنه السبب الذي جعل من الصعب على العوائد المنخفضة تحفيز الإنفاق". روب أرنوت، من "ريسيرتش أفيلييتس"، يقول إن الاستجابة الطبيعية للمستثمرين الذين يواجهون عوائد بمقدار الصفر هي التوقف عن الإنفاق، والادخار أكثر ووضع الأموال في الأسواق – وكلها إجراءات تؤدي إلى فقاعات الأصول. "السلوك الذي نراه هو بالضبط ما نتوقعه بالنظر إلى إطار العمل هذا. إنه فخ سيولة كينز، لكن لأسباب مختلفة تماما عن تلك التي توقعها". المشكلة أعظم بالنسبة لخطط المنافع المحددة التي لا يمكن أن تهرب من مدفوعاتها المضمونة إلا من خلال الإفلاس. تسوية الإفلاس في ديترويت، التي جعلت متقاعدين غير نظاميين يحصلون على تخفيض بنسبة 4.5 في المائة في معاشاتهم التقاعدية ويخسرون تعديلات تكلفة المعيشة الخاصة بهم في حزيران (يونيو) 2014، أظهرت الأمور الموجودة على المحك. ابتداء من السبعينيات، توقفت كثير من الشركات عن تقديم خطط المنافع المحددة، وتحولت إلى صناديق تقاعد المساهمات المحددة، مثل خطة 401(k)، المستخدمة على نطاق واسع في الولايات المتحدة، التي لا تضمن أي دخل للمدخرين. ولأن هذه تعمل على إزالة المخاطر عن الشركات، فإن خطط المساهمات المحددة جذابة جدا لأصحاب العمل وهي تمثل الآن 48 في المائة من صناديق التقاعد البالغة 35.4 تريليون دولار في 19 من البلدان المتقدمة، وذلك وفقا لشركة ويليز تاورز واتسون. بدلا من ذلك، يقع الخطر على عاتق المدخرين الأفراد - وفي نهاية المطاف على الحكومات. هذا يعني أن أسعار الفائدة المنخفضة تسبب لخطط المساهمات المحددة الأزمة الاجتماعية نفسها التي تسببها لخطط المنافع المحددة. بدأ كثير من المدخرين المساهمة عندما بدا من المنطقي توقع عوائد قوية على مدى حياتهم. هناك مقياس شعبي يتلخص في أن المدخرين الذين يدخرون 8 في المائة من دخلهم كل عام لمدة 40 عاما سيكونون قادرين على تكويم دخل يبلغ 75 في المائة من أموالهم المكتسبة النهائية في الوقت الذي يتقاعدون فيه. وفقا لإيلمانين، هذا النهج كان من الممكن أن ينجح مع العوائد الحقيقية، فوق معدل التضخم، بنسبة 5.5 في المائة سنويا. هذا تقريبا ما حققته محفظة استثمارية قائمة في الولايات المتحدة مع أسهم بنسبة 60 في المائة وسندات بنسبة 40 في المائة منذ عام 1951. لكن إذا انخفضت العوائد في المستقبل بمقدار نقطتين مئويتين فقط، إلى 3.5 في المائة، عندها يحتاج المدخرون إلى ادخار ما يقارب 15 في المائة من دخلهم. ومع كون السندات والأسهم مكلفة تاريخيا، فإن 3.5 في المائة تعتبر، كيفما نظرت إليها، متفائلة. أندرو لابثورن، من بنك سوسييتيه جنرال، يوضح المشكلة بطريقة مختلفة. إذا استثمر شخص ما اليوم 100 ألف دولار في محفظة متوازنة من الأسهم والسندات، فإنه يمكن أن يتوقع عائدا بقيمة 21800 دولار على مدى العقدين المقبلين، بعد التكاليف. قبل عشر سنوات، كان من المتوقع للمستثمر نفسه أن يجني 60 ألف دولار، وقبل ثلاثة عقود كان المبلغ 150 ألف دولار. لكن حتى لو كانت هذه المعدلات التاريخية للعوائد قد استمرت، فإن معظم المستثمرين في الولايات المتحدة فشلوا في وضع ما يكفي جانبا لتأمين تقاعدهم. في نهاية عام 2013 كان متوسط رصيد حساب خطة 401(k) التي تحتفظ بها الأسر في الولايات المتحدة، القريبة من موعد التقاعد، 104 آلاف دولار، وذلك وفقا للمعهد الوطني لأمن التقاعد. وبناء على التوصية الأكتوارية الأنموذجية لسحب ما لا يزيد على 4 في المائة سنويا، هذا من شأنه توفير دخل سنوي يبلغ نحو أربعة آلاف دولار. العجز في خطط التقاعد المحددة الاستحقاقات ليس سوى أعراض أكثر وضوحا لهذه المشكلة. عوائد السندات المنخفضة والأسهم المرتفعة الثمن تشكلان تحديا لتقاعد الجميع، بغض النظر عن النظام أو الدولة. "عندما تبسط المشكلة فهي الموضوع الأساسي الذي يؤثر على صناعة المعاش بكاملها"، كما يقول جاي لوف، رئيس منطقة الولايات المتحدة لاستثمارات التقاعد المحددة الاستحقاقات في "ميرسر". التخفيف من المخاطر خطط التقاعد المحددة الاستحقاقات تنفذ عدة استراتيجيات لتجنب الكارثة. كانت المملكة المتحدة من السباقين إلى اعتماد "الاستثمار الذي تحركه المطلوبات"، حيث تحاول صناديق التقاعد توقع كيف من المرجح لمدفوعاتها أن تتحرك وتشتري الاستثمارات التي تطابقها. في الممارسة العملية هذا يعني شراء مزيد من السندات. وعلى الصعيد العالمي وجدت دراسة أجرتها شركة ماكينزي أن 62 في المائة من المؤسسات الكبرى تستخدم بالفعل مواءمة المطلوبات، في حين أن أكثر من 90 في المائة منها تنوي تمديد هذه الممارسة. إذا ارتفعت أسعار السندات، فإن أصول صناديق التقاعد ترتفع معها. هذا يخفف من المشكلة الناجمة عن انخفاض العوائد. لكن مع انخفاض عائد السندات، فإن اعتماد هذه الاستراتيجية يصبح أكثر تكلفة - وعن طريق شراء السندات، فإن هذه المواءمة للمطلوبات يغلب عليها أن تدفع العوائد إلى ما هو أدنى من ذلك. والنهج الثاني هو اتخاذ المزيد من المخاطر. في الولايات المتحدة كثير من المؤسسات تدافعت إلى صناديق التحوط، وهي مجاميع المال المصممة أصلا للأفراد الأثرياء. وتوسعت مخصصات هذه الاستثمارات "البديلة" من 5 في المائة من مجموع الأصول في عام 1995 إلى 24 في المائة في العام الماضي، وذلك وفقا لـ "ويليس تاورز". لكن خيبة أمل المؤسسات تتزايد بسبب ارتفاع الرسوم وضعف الأداء الأخير في صناديق التحوط. في العام الماضي، خطط تقاعد عامة كبيرة في كاليفورنيا ونيويورك ونيو جيرزي سحبت المال من صناديق التحوط في الوقت الذي هاجم فيه السياسيون رسومها العالية. في كندا وغيرها من الدول، زادت صناديق التقاعد العامة الكبيرة بقوة من استثماراتها في البنية التحتية والعقارات، وخفضت التكاليف عن طريق تشغيل جميع العمليات بنفسها. وثمة خيار ثالث وهو بيع جميع المخاطر المصاحبة لموجودات ومطلوبات المعاشات إلى إحدى شركات التأمين. هذا يخرج الشركة من تأمين الأموال، التي غالبا ما تكون ليست من الكفاءات الأساسية لديها، في مقابل أخذ ضربة مالية مقدما. شركات التأمين تعتبر قادرة على إدارة المخاطر بشكل أفضل بكثير. لكن هذا الأمر أخذ يصبح أقل جاذبية بالنسبة للشركات مع انخفاض عوائد السندات، ما يؤدي إلى زيادة الرسوم التي تحتاج شركات التأمين إلى فرضها عليها. في أعقاب الاستفتاء حول مغادرة بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قررت "دايركت لاين"، الشركة البريطانية المزودة للتأمين على السيارات، عدم الاستمرار في مثل هذه الصفقة. هناك طرق لتجنب حدوث أزمة اجتماعية حقيقية. الفقر الجماعي في سن الشيخوخة يمكن تجنبه، لكن الخيارات غير مستساغة. وكما يقول يواكيم فلس، المستشار الاقتصادي العالمي في "بيمكو"، الشركة التي تدير صندوقا للسندات "يتعين علينا أن ندخر أكثر مما كنا نفعل، وأن نعمل لمدة أطول، وببساطة نخفض توقعاتنا. هذه هي الحقيقة المحزنة". بالنسبة لبعضهم، مثل شركة سنترال ستيتس، أي خاتمة قبيحة تبدو لا مفر منها. ويقول توم نيهان، المدير التنفيذي لصندوق التقاعد، إن هذا عزز التشريعات لعلاج هذه المشكلة، لكن دون جدوى. "الناس يرون ذلك باعتباره إنقاذا، والشعب الأمريكي متعب من برامج إنقاذ الأصول المتعثرة وعمليات إنقاذ وول ستريت".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES