التنفيذ العملياتي لـ«رؤية 2030»

|
يعد التنفيذ العملياتي للاستراتيجية وترجمتها إلى واقع ملموس ومخرجات فرصة عظيمة، ولكنه في الوقت نفسه تحد ويواجهه عديد من العقبات على مستويات عدة، إن ربط الرؤى مع التنفيذ والتنظير مع الواقع، يظهر لنا أنه الشيء المنطقي لتنفيذ أي استراتيجية، ولكنه في الواقع مشابه لجبل الجليد جزء في الهواء وآخر في الماء، ولذا فهذا التنفيذ يحاول أن يربط بين مكونين من عالمين مختلفين، حيث يرسو جزء في اليابس وفي الهواء، ويقبع الجزء الآخر في الماء. ولذا في عالم التطبيق والميدان، ما يهم بالدرجة الأولى هو ليس أفكارك النيرة والخلاقة، ومعرفتك بأفضل الممارسات الدولية، بل هي قدرتك على أن تعمل على الأرض، وفي الميدان، مع الناس على حسب اختلافهم واحتياجاتهم وسماتهم، وأن تكون لديك القدرة لبناء علاقات معهم، وتنتمي إلى ثقافتهم نفسها، حتى تستطيع أن تصل إلى تنفيذ المطلوب منك، سواء على مستوى المبادرات أو مستوى العمليات والأهداف التشغيلية، فما يهم حقيقة هو التنفيذ، ويصعب ذلك على مراكز الدراسات وشركات الاستشارات العالمية، لأنه يعني أن تقدم أكثر مما يستطيعون تقديمه. فالمنظمات لا تتوقع أن ترسل شخصا ما مثلا، يعيش في قمة جبل الثلج، ليقوم بالعمل في أعماق المياه، ما دام أنه يستطيع أن يكتم أنفاسه لبعض الوقت، بل يجب أن ترسل أشخاصا ينتمون لذلك العالم الذي يقبع تحت الماء. ولذا يحتاج المهتمون بتنفيذ الاستراتيجية، إلى كوادر ومراكز دراسات محلية، لكي يكون لديهم ثقافة العمل نفسه، والقدرة على التواصل باللغة والعادات والثقافة نفسها، وفهم الخلفية السلوكية والشخصية للأشخاص والمنظمة كذلك، ويكون لديهم قبول لدى الأطراف الأخرى، لذلك يحتاج التطبيق في الاستراتيجيات إلى التواصل والاتصال وهنا تكمن أهمية الكوادر المحلية ومراكز الدراسات المحلية، للدخول للتنفيذ وليس فقط لنقل الرسائل بين الشركات الاستشارية الكبرى، بل للدخول لعمق العمل والتنفيذ الاستراتيجي. إن هذا المطلب يصبح مع الوقت أكثر إلحاحا، وهو يضمن مع مرور الزمن نقل المعرفة، التي لدى الشركات الاستشارية الكبرى، لأنه بدون التواصل الثقافي، سيبقى ما تقدمه الشركات الاستشارية الكبرى بعيدا عن الواقع العملي الذي تعيشه المنظمة. حيث يمكن للمستشار الدولي طرح حلول مبنية على تصوراته الخارجية لنمط العمل والمنظمات، وكذا طرق سيرها والعلاقات المهنية والعائلية من وجهة نظره، بينما لا يمكن بطبيعة الحال تطبيق ذلك الاقتراح محليا، نظرا لنمط الحياة والعمل والعلاقات العملية والعائلية محليا المختلف عما اعتاد عليه خارجا. ولذا تنبع أهمية الكوادر الوطنية، ولا سيما مع سياسات توطين الوظائف والخبرات، وبعض ضرورات التنفيذ يتطلب الوجود الدائم في مقر المنظمة والدولة نفسها، ومهما كان مقر شركة الاستشارات الدولية قريبا، فإنه لا يغني عن الوجود الحقيقي والمتابعة عن كثب وبشكل دقيق، لأن تنفيذ الاستراتيجية، يتطلب النظر إلى التفاصيل، والوقوف على عوائق التنفيذ بشكل آني، حتى يتم تسليم المخرجات في الوقت المطلوب، ومن جهة أخرى، ستنمي ثقافة الاستراتيجية لديك بالوطن ومن هنا يتم رفع الأداء العام على مستوى القطاعات الخاصة والعامة، بل واستحداث وظائف عديدة مثل باحث استراتيجي، ومنفذ استراتيجي، ومستشار استراتيجي، ومكاتب تنفيذ الاستراتيجية والإدارة الاستراتيجية، ومكاتب إدارة المشاريع الاستراتيجية، ومراكز الأبحاث الاستراتيجية، وغيرها. ويعتبر نقل المعرفة من أهم التحديات التي تواجه قدرة الشركات الاستشارية الدولية تجاه المجتمع المحلي والخبرات الوطنية، ولكن السؤال الذي يطرح: ما فعليا حجم القيمة المضافة معرفيا والمعرفة التي تم نقلها؟ والواقع يحتم أن تستثمر وتأخذ المنظمة المحلية بكل قوتها لتنال وتحوز المعرفة، لأنها لن تتأتى لها بدون رغبة وقوة من قبل أفرادها في "سحب" المعرفة وطرائق العمل، وملازمة ومعرفة التفاصيل لكي يتم تحصيلها من تلك الشركات الكبرى. ومن الأفضل أن يكون هناك وجود لمكاتب الاستشارات المحلية المرموقة ضمن هذه «الرؤية». وختاما، لا ننسى أن بعض الأسئلة الاستراتيجية التنفيذية، مثل من سيقوم بماذا ومتى وأين وكيف؟ وكيف نحفز الفريق للإنجاز بأعلى ما عنده؟.. وغيرها كذلك على جميع مستويات العمل الاستراتيجي، هي مدفوعة من القيم التي حثتنا عليها ثقافتنا الإسلامية، حيث المنهجية: "الشرعة والمنهاج" والصبر والالتزام: "إنما النصر صبر ساعة"، والإحسان والإتقان في العمل، حيث قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه).
إنشرها