«ناركوس» .. كاريزما الواقع وسحر السلطة

«ناركوس» .. كاريزما الواقع وسحر السلطة

«ناركوس» .. كاريزما الواقع 
وسحر السلطة
«ناركوس» .. كاريزما الواقع 
وسحر السلطة

"الواقعية السحرية تعرف بأنها ما يحدث حين يجتاح الأجواء الواقعية التي تحوي تفاصيل دقيقة، ما لا يمكن تصديقه (...) هناك سبب لكون الواقعية السحرية نبعت من كولومبيا".

عبارتان استهل بهما المسلسل الأمريكي الدرامي "ناركوس" أولى حلقاته، وكأن المخرج البرازيلي خوزيه باديلا أراد اختصار التجربة الواقعية لتاجر المخدرات الكولومبي صاحب الشخصية الفذّة بيدرو إسكوبار، ليعبر عن مدى غرائبيتها بأسلوب سلس انتقائي يشرح الأحداث بوضوح على اعتبار أن المشاهد لا يعلم شيئاً عن حياة بيدرو إسكوبار، ولا يدرك الوضع السياسي والتركيبة الاجتماعية لكولومبيا.. تلك الأرض الخلابة التي لم يتوقف عن تصوير طبيعتها بجمالياتها لتمتزج مع أحداث العنف وسفك الدماء.

ولدت الواقعية السحرية في كولومبيا.. وهناك برز إسكوبار، وتمكن من بناء صرح مالي ونفوذ تغلغل من خلاله إلى الحكومة الكولومبية لينتفض القائمين عليها ذعراً تخوفاً من تحركاته. شاب صنع من اللاشيء كل ما حلم به، بشخصيته الجذابة وقدرته المتفذلكة على إقناع الآخرين بهيبته ومدى سلطته، ليحتكر تجارة المخدرات فتتجاوز ثروته دخل شركة جنرال موتورز للسيارات.

المسلسل سمي بـ"ناركوس"، وهو اختصار لكلمة "ناركوتكس" بمعنى المواد المخدّرة، وهو ما اجتاح أحداث المسلسل الذي مازج ما بين حياة إسكوبار منذ بداياتها حتى اقتراب امبراطوريته من نهايتها من جهة، ومن جهة أخرى مطاردة أشبه بالقط والفأر ما بين السلطات الكولومبية والأمريكية، وبيدرو وأعضاء عصابته وحلفائه.

وقد أنتجت شركة نيتفلكس الأمريكية المسلسل الذي صدر بتاريخ 28 آب (أغسطس) 2015، فلم يتجاوز العشر حلقات في جزئه الأول. إلا أنه كسب حشداً كبيراً من المتابعين الطامعين في التعرف أكثر على شخصية إسكوبار.

الأحداث تدور في كولومبيا في نهاية الثمانينيات، في زمن لم يحو تقنية متقدمة تمكن السلطات من تعقب المجرمين والمتطرفين. بالأخص من قبل السلطات الأمريكية التي ركّزت في تلك الحقبة على تتبع مهربي المخدرات من الدول الأخرى. بالأخص شخصية إسكوبار التي قضت مضاجع الأمريكيين، بعد اكتشاف نجاحه في تهريب ما يزيد على 80 في المائة من إجمالي المخدرات في الولايات المتحدة. الأمر الذي أدى لأن تفيض أمواله فيضطر إلى دفن الأموال في أرجاء كولومبيا.

وعلى الرغم من أن الفيلم يمازج ما بين الوثائقي الذي حوى صوراً فعلية لبيدرو إسكوبار، والآخر السينمائي الذي يشعرك في كل حلقة من حلقاته العشر وكأنها فيلم مستقل بأحداثها الجاذبة. إلا أن المخرج باديلا اختار لسبب غريب استخدام صوت الراوي عن طريق شخصية ستيف مرفي الذي برع بتأدية دوره الأمريكي بويد هولبروك، ليحمل صوتاً يمعن في الانخفاض لشخص يحاول الاندماج في الوسط الكولومبي فيتورط بالفساد السياسي ونفوذ العصابات، بالأخص مع ضعف الحكومة وانعدام حيلتها حيال العنف والتهديد.
#2#
فحتى رئيس الدولة سيزار جافييرا يعرب عن تخوفه من إثارة غضب إسكوبار. فيما جسد مرفي التدخلات الأمريكية في كولومبيا في محاولة ملاحقة تجار المخدرات، إلا أن صوته ظهر متهالكاً، في ظل مجتمع يمقت تدخلات الأجانب. يتعاضد مع زميله خافيير بينيا الذي تميز بأداء دوره الممثل التشيلي الأمريكي بيدرو باسكال الذي ظهر كعميل أمريكي بارع في استخدام اللغتين الإسبانية والأمريكية، والتغلغل في عالم العصابات والعودة إلى السفارة الأمريكية لمدها بالمعلومات.

إلا أن كولومبيا تدفع بهما لاستخدام أساليب ملتوية للتعامل مع بيئة حاضنة للمجرمين سواء نتيجة الذعر منهم أو طمعاً بالحصول على الأموال. يستغرب اختيار باديلا إظهار القصة من الجانب الأمريكي في محاولة لملاحقة إسكوبار، ليستحيل ذلك إلى هوس به، الأمر الذي بستيف مرفي لأن يصرح لزوجته بلا مبالاة بعد أن تصف شعورها بالذعر ورغبتها العودة لديارهما: "هذا هو موطننا". وكأن انعكافه على قضية إسكوبار والعيش لمدة طويلة في كولومبيا جعله يستحيل إلى شخص آخر أكثر تمردا وإصرارا. يتسبب ذلك بإرباك المشاهد فيما يخص انطباعاته حيال الشخوص، فجميعهم يدورون في فلك بيدرو إسكوبار، في محاولة مقيتة لملاحقته تدفعك لعدم التعاطف معهم، بل أخذ انطباعا بأن وجودهم مصدر إزعاج. وقد يكون المخرج تعمد القيام بذلك لتعزيز التعاطف مع شخصية إسكوبار.

تميز الإخراج بواقعيته، واستناده إلى حقائق حياة بيدرو. وقد نجح خوزيه باديلا في اختيار ممثل يحمل ملامح متقاربة من الشكل الأصلي باختياره الممثل البرازيلي المتميز واجنور مورا، الذي امتلك حضوراً وسلطة خاصة، وقدرة على لفت الانتباه واحتلال المكان بثقة وأريحية. الأمر ذاته الذي يظهر فيه تنفيذ حرفي للصور التي ظهرت للسجن المنيع لإسكوبار، بعد أن قام بتسليم نفسه في عام 1991 للسلطات الكولومبية بعد اشتراطه لأن يسجن نفسه في الصرح المرفه الذي قام بتشييده. إلا أن من الواضح محاولة إيجاد تقلبات تدريجية لشخصية إسكوبار الذي بدأ شاباً طموحاً يسعى لأن يصبح رئيس كولومبيا، ويحاول إظهار حنو وعطاء حيال الآخرين، ما حدا بالمجتمع للإعجاب به، وإعطائه لقب "روبن هود"، والتغاضي عن مصادر أمواله التي لم يتوان عن توزيعها بوفرة على الطبقة المدقعة. يستحيل كل ذلك العطف بعد نبذه من المجتمع المخملي السياسي إلى شخصية تثير الرعبة ببطشها وعدم تورعها عن القيام بأعمال إرهابية متوحشة تصل إلى حد تفجير طائرة واختطاف رهائن، من أجل تهديد الحكومة الكولومبية واستخدام أسلوب الضغط عليهم.

يختلط على المشاهد الإعجاب مع المقت بشخصيته، إلا أن الحضور القوي له لا يمنع من الانبهار به حتى في أردى حالات جنون العظمة التي وصل إليها. أو غطرسته وتشكيكه بنوايا من حوله، ما يؤدي به إلى الإصابة بالغضب المفاجئ وحتى عدم التورّع بقتل مناصريه.

تلك الشخصية التي أسست لها إمبراطورية عظمى تحكمت بما حوله لم تحقق الرخاء لأسرته. فابنه سباستيان موروكن في أرض الواقع ذكر أنه لم يتبق له من ثروة والده من بعد مصادرتها سوى "ساعة ولقب غير مرغوب فيه." إلا أنه عاش على صيت والده لينشر كتاباً عن سيرته، وينتج فيلماً وثائقياً عنه وكأنه يسعى في تخليد ذاكرته، وإن كان يطلب الصفح عن خطايا والده. تبقى شخصية إسكوبار ذات كاريزما خاصة تستحق أن يتم إعداد أعمال سينمائية وأدبية تخصها. وإن كان في ذلك تمجيد لشخصيات أسهمت في الإضرار في المجتمعات بإجرامها.

الأكثر قراءة