القطاع العام.. نظام الأسعار وحتمية التنمية!!

|
تدور داخل أروقة المنتديات والمجالس حوارات حول أسباب تخلف قطاع من القطاعات الاقتصادية أو أزمة يمر بها، وتمتد النقاشات لتشمل قوى السوق، فالبعض يصفها بالشريرة كونها أدت إلى غلاء سلعة من السلع، والبعض الآخر ينعتها بأحسن الصفات، لأنها أدت إلى إزالة بعض الاختناقات، وأبعدت شبح فُرط الطلب على سلعة ما، بل تنال أرقى درجات الثناء كونها أدت إلى ترشيد استهلاك سلعة أو خدمة ما، ولو لم يكن الحال كذلك لزاد الاستهلاك بصورة غير مُبررة. دُعاة السوق، وبكل إيمان ومهنية يرون أن التدخل الحكومي غير مُفيد ومُجدٍ، خاصة عندما يستطيع السوق القيام بدوره كاملاً ومن دون تدخل حكومي، إضافةً إلى المنظومة الاقتصادية الجزئية التي هيأت الظروف، وغذت هذا التوجه تجاه الدولة والمطالبة بإبعادها حتى لا تحدث تشوهات قد تعيق ميكانيكية عمل السوق، وبالتالي الإضرار بالمستهلك، لكنها، وفي واقع الأمر، قد غضت الطرف عما ينتج عن الاحتكارات الهائلة وبجميع أشكالها بالإضافة إلى القوى الاقتصادية الخارجية، ووضعت جُل تركيزها فقط على الآثار السلبية الناجمة عن دخول الحكومة ساحة المعترك الاقتصادي. فُرص النجاح في التطبيق تتفاوت من دولة إلى أخرى بسبب النظام الاقتصادي السائد والذي سرى في شرايين أبناء ذلك المجتمع، ولذا من الصعوبة قياس نجاح نظام الأسعار في مكان ما بناءً على نجاحه في مكان آخر، فقد تكون السياسات الاقتصادية والترشيدية قائمة على مناهج واقعية، وبذلك يكون نجاحها مرتبطاً بعوامل سياسية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية، وبيئية. فالإنفاق العام إن كان على شكل استثمارات أو إنفاق على مشروعات تنموية من تعليم وصحة وغيرها يستلزم وجود أسعار تعكس القيمة الاجتماعية لهذه الموارد، كون هذه الاستثمارات أو الإنفاقات من الممكن توجيهها إلى نشاطات أكثر إنتاجية وخدمية وذات مردود اقتصادي واجتماعي عال. وليس بالجديد القول إن عدم وجود نظام للأسعار، أو إذا لم تعكس الموارد الاقتصادية التكلفة الاجتماعية، فإن هناك خللا ما، وسيؤدي في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرارات فيها كثير من التبذير وهدر للمال العام، وكان بالإمكان أخذ تكلفة الفرصة البديلة في الحسبان من خلال توجيهها إلى مشاريع ذات صبغة إنتاجية تساهم في رفع مستوى الإنتاج والتوظيف. فعند سرد تطور نظام السوق والأسعار في الأدبيات الاقتصادية يتم تناوله من خلال مراحله التاريخية من صعود وهبوط مر بها، ما يعني أنه ليس خالياً من العيوب، وأن تطبيقه على حاله، وبدون مراعاة الظروف المجتمعية والمكانية، سيزيد الطين بِلة، ولن يُحقق النجاحات المنشودة، ولزيادة الإيضاح، مشكلات فائض الإنتاج وضعف الاستهلاك، إضافةً إلى ظهور الاحتكارات الكبيرة التي لا شك أنها خلقت نوعا من القلق والتوتر في مسيرة النظام الاقتصادي الحر خلال فترات من القرن التاسع عشر الميلادي. غير أنه يمكن القول إن الكينزية قد أماطت اللثام عن هشاشة أفكار الحرية الاقتصادية والتبجيلات التي كالها المنظرون الكلاسيك لهذا النظام برمته التي بطبيعة الحال يشوبها كثير من الشوائب، كتعطيل جزء من الموارد نتيجة البطالة، كذلك تخصيص جزء من الموارد من أجل زيادة الطلب الكلي، وليس الإنتاج، وذلك مقابل تمكين المستهلكين من إنفاق جزء من دخولهم المُقبلة في الوقت الحاضر على أمل الحصول على فوائد محددة، وكذلك توفير موارد هائلة للدعاية والإعلان. لقد أصبحت مفردة ''تحرير الاقتصاد'' في الدول النامية بعامة شعاراً سياسياً ذا دثار اقتصادي هدفه تحييد دور الحكومة في تسيير دفة النشاط الاقتصادي أو جزء منه في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، حيث التداخل ما بين العام والخاص، وصعوبة وجود نظام رقابي دقيق يتم بموجبه تحقيق الكفاءة والنزاهة المطلوبتين. والشيء بالشيء يُذكر، فالاقتصادي كينيث غالبريث يتفق مع طروحات اللورد كينز بأن آليات السوق وحدها ليست الضمان الأكيد وصمام الأمان لتحقيق التوازن الاقتصادي المنشود، ولهذا فهو يؤكد أهمية دور الدولة في تحفيز الطلب الكلي، وتحقيق التوازن المطلوب ما بين الادخار والاستثمار، وكما لا يرى أن آليات السوق بذات الكفاءة والقدرة على تنسيق عمل المؤسسات المالية الكبيرة، بيد أنه ينظر من منظور التخطيط الصناعي، ويؤكد قدرته في إحداث التنمية الاقتصادية المطلوبة، مثل هذه الطروحات تضعنا أمام تصور جديد للواقع التنموي الحالي للدول النامية بصفة عامة ولدينا بخاصة. آليات السوق ومن منظور عدم الكفاءة الإدارية والمالية المتاحة ستؤدي إلى مزيد من الهدر للموارد الاقتصادية بحجة تحرير الاقتصاد الوطني وهدر لتكاليف الفرص البديلة لهذه الموارد. سيعمل دائماً على رفع هذا الشعار من هم في موطئ قدم على تحقيق المصالح الذاتية قبل المصالح الجماعية. لسنا ممن يدعو إلى وجود الدولة في كل مكان، لكن التخطيط الصحيح لبرامج التخصيص وبما يحقق الكفاءة مطلب اقتصادي ووطني بالدرجة الأولى. آليات السوق وبما خلفته من مشكلات واجهت وتواجه سيلا من النقد العارم، وهي تعمل ضمن منظومة ديمقراطية فيها نشاط سياسي ورقابة مالية، بحيث يتم إحداث التطوير والتجديد والتقويم، فما بالك باقتصادات فيها من التشويه الكثير، حيث من الصعوبة بمكان أن تجد أرقاما حقيقية وواقعية لمتغيرات اقتصادية صِرفة.
إنشرها