ماذا يمكن أن يحدث لو أفلست اليونان؟

|
اليونان هي أكثر دول العالم التي تواجه حاليا مصاعب اقتصادية تضعها في أعلى قائمة أكثر دول العالم تعرضا للإفلاس. وتتعدد جوانب الخلل التي يواجهها الاقتصاد اليوناني والتي أدت إلى خلق قلق عام بين شركائها في الاتحاد النقدي من جانب والمستثمرين في الأسواق المالية على وجه الخصوص من جانب آخر. وتتمثل أهم مظاهر الخلل في الاقتصاد اليوناني حاليا في: 1- ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز حاليا نسبة 100 في المائة، غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن هناك دولا أخرى ترتفع فيها نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي على 200 في المائة كما هو الحال في اليابان، ومع ذلك لا تصنف كدولة شبه مفلسة مثل اليونان والتي تعاني تركز استحقاقات الدين في فترة زمنية قصيرة، وارتفاع العجز المالي بصورة لا تمكنها من استيفاء الاستحقاقات المطلوبة منها في غضون هذه المدة الزمنية القصيرة، ولذلك يتم تصنيف سندات الدين اليوناني على أنها من سندات الخردة، وقد أدت علاوة الخطر التي أضيفت إلى السندات اليونانية إلى أن أصبح معدل الفائدة على سندات الدين اليوناني لمدة سنتين 18 في المائة، نظرا لتكالب حملة السندات اليونانية على بيعها والتخلص منها، الأمر الذي أدى إلى رفع معدلات الفائدة عليها إلى هذه المستويات المرتفعة. المشكلة الأساسية ـ أنه في ظل هذه الأوضاع ـ هي أنه من دون أي برنامج لمساعدة اليونان على تحمل أعباء دينها العام، فلن تتمكن من سداد الأقساط المستحقة عليها، خصوصا في ظل ارتفاع نسبة العجز في الميزانية العامة إلى الناتج المحلي إلى نحو 12 في المائة تقريبا لهذا العام. 2- انخفاض تنافسية الاقتصاد اليوناني، حيث يصنف الاقتصاد اليوناني في أوروبا على أنه اقتصاد غير تنافسي، بصفة خاصة بسبب ارتفاع مستويات الأجور والذي لا يصاحبه زيادات مماثلة في الإنتاجية للعامل اليوناني، ومثل هذا الوضع يترتب عليه ارتفاع تكاليف السلع اليونانية (بالنسبة لغير اليونانيين)، وهو ما يؤدي إلى خفض الطلب الخارجي على الصادرات اليونانية، ومن ثم تصاعد عجز الميزان التجاري بها، والذي يحتاج هو الآخر إلى تمويل. عدم وجود عملة وطنية، وذلك نتيجة لانخراط اليونان في اتفاقية الاتحاد النقدي الأوروبي، والتي بمقتضاها تم إلغاء الدراخمة اليونانية واستبدالها باليورو، وهو ما حرم اليونان من ميزة الاستفادة من تبني سياسات تخفيض قيمة العملة لرفع درجة تنافسيتها ولمواجهة مشكلات ميزانها التجاري. 3- حالة الكساد التي يتعرض لها الاقتصاد، مثله مثل باقي دول العالم وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي صاحبت ظروف الأزمة المالية العالمية، وهو ما تسبب في استمرار ارتفاع عجز الميزانية وارتفاع معدلات البطالة. 4- إن جهود الإصلاح ستعقد الوضع الاقتصادي، وذلك أن البرامج المقترحة لمعالجة الأزمة اليونانية تصب بشكل أساسي في رفع معدلات الضرائب وخفض مستويات الرواتب ودخول الموظفين في الحكومة، وتقليل الإنفاق الحكومي لمعالجة الأوضاع الحادة للميزانية العامة، ومثل هذه الإجراءات لا بد أن يترتب عليها تراجع في معدلات النمو، وعندما يواجه الاقتصاد انخفاضا في مستويات الناتج وارتفاعا في معدلات البطالة، فإن هذه الإجراءات ترفع من احتمالات دخول اليونان في كساد طويل الأجل، خصوصا مع ضعف فرص التعامل محليا مع الأزمة من خلال استخدام السياسات النقدية التوسعية لتحفيز الطلب، نظرا لتسليم الدول الأعضاء في اليورو سلطة استخدام هذه السياسات للبنك المركزي الأوروبي، الأمر الذي يزيد من صعوبة عملية التكيف الاقتصادي إذا ما تعرض أحد الأعضاء لأزمة على مستوى الأزمة التي تواجهها اليونان. حزمة الإجراءات التقشفية القاسية التي التزمت بها اليونان بموجب اتفاقها مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ستمثل طوق النجاة لهذا البلد المضطرب ماليا. ومن الواضح أن المعارضة الشعبية لبرامج التقشف ستكون عنيفة جدا، إلى الحد الذي يثير سؤالا مهما: ماذا سيحدث لو فشلت اليونان في تطبيق حزمة الإجراءات التقشفية الهادفة إلى تعديل أوضاع ميزانيتها العامة ومساعدتها على رفع معدلات النمو وزيادة الإيرادات العامة وتخفيض النفقات العامة؟ مما لا شك فيه أن أحدا لا يريد الإجابة عن هذا السؤال المثير، إنه ببساطة شديدة عملية إعلان لحالة الإفلاس، والتي تم تحذير اليونان منها بصورة حرفية، حيث حذر الاتحاد الأوروبي اليونان من أن عدم الالتزام بتعهداتها قبل صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي يعني شيئا واحدا هو "إفلاس اليونان". ولكن على أسوأ الفروض لو تصورنا تطور الأمور نحو هذا السيناريو الخطير ماذا يمكن أن يحدث في العالم؟ إن الآثار المترتبة على هذا الاحتمال أقل ما يمكن أن توصف به أنها مرعبة، والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي: 1- حدوث اضطراب عظيم في الأسواق المالية، فلو أن اليونان انهارت، لا سمح الله، فإن الأسواق العالمية ستستجيب على نحو أسوأ مما يتوقع الجميع، حيث ستزداد في هذه الحالة الشكوك حول احتمالات انهيار الدول الأخرى المضطربة ماليا في القارة، مثل البرتغال أو إسبانيا، وأن وجود هذه الدول كأعضاء في تكتل اقتصادي أو في اتحاد نقدي لا يعني شيئا بالنسبة لاحتمالات المساندة الممكن الحصول عليها من مثل هذا التكتل. ومن ثم سترتفع معدلات الفائدة على السندات الأوروبية جميعا، بما في ذلك سندات الدول غير المضطربة مثل ألمانيا وفرنسا، وهو ما يؤدي إلى رفع تكلفة إعادة سداد الديون الأوروبية ويقلل من احتمالات استمرار تعافي اقتصادات الدول الأوروبية. 2- تراجع أسعار السلع الدولية، بصفة خاصة النفط نظرا لاحتمال انتشار التوقعات التشاؤمية حول مستقبل النمو الاقتصادي العالمي نتيجة لاشتعال أزمة ديون سيادية في أوروبا، وستعاني ميزانيات دول مجلس التعاون انخفاض الإيرادات النفطية بصورة واضحة نتيجة لذلك، ومن ثم عودة اقتصادياتنا وأسواقنا مرة أخرى إلى الحالة التي سادت في أعقاب أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، في الوقت الذي سترتفع فيه أسعار الذهب بوصفه الملجأ الذي يلجأ إليه العالم في أوقات الأزمات. 3- انتشار برامج التقشف الاقتصادي، حيث ستضطر الدول ذات الدين العام الضخم، أن تخضع نفسها لبرامج تقشف قاسية للتعامل مع أوضاعها المضطربة وتعديل أوضاع ميزانياتها العامة، بصفة خاصة من خلال زيادة معدلات الضرائب وتخفيض مستويات الإنفاق العام بأشكاله كافة، ومن الصحيح أن مثل هذه الحزم التقشفية تساعد الميزانية العامة لتلك الدول وتعمل على خفض العجز فيها، ولكنها في الوقت ذاته تحمل آثارا سلبية على النمو ومن ثم فرص استعادة النشاط الاقتصادي والخروج من الأزمة، ومثل هذه النتائج ستؤدي إلى استمرار ارتفاع معدلات البطالة بصورة أكبر في تلك الدول. 4- ازدياد الضغوط بصورة حادة على اليورو، واستمرار تراجع معدلات صرفه أمام الدولار، وترجع الثقة التي اكتسبها العالم فيه كعملة دولية نتيجة ضعف الدولار، خصوصا في فترة ما بعد الأزمة المالية العالمية، وربما يترتب على ذلك أسوأ الفروض، انهيار الاتحاد النقدي بين الدول الأعضاء واختفاء اليورو، وذلك إذا اضطرت الدول المضطربة ماليا إلى الخروج من منطقة اليورو، وعودتها مرة أخرى إلى مجرد تكتل اقتصادي من دون عملة موحدة، حيث ستنهار الثقة في اليورو، ومن ثم ستفقد دول الاتحاد النقدي الأوروبي الفوائد التي تحققت من إدخال هذه العملة بدلا من عملاتهم الوطنية. 5- ارتفاع معدلات الفائدة على المستوى العالمي، وبالتالي ارتفاع تكاليف الاقتراض، بصفة خاصة بالنسبة للحكومات التي تواجه عجزا في ميزانياتها، وكذلك ستزداد حدة القيود على عمليات الائتمان على المستوى الدولي نتيجة ارتفاع المخاطر المصاحبة لعمليات الإقراض، ما سيجعل الاقتراض مسألة في غاية الصعوبة عالميا، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مستويات الاستثمار والنمو على المستوى العالمي، ومن ثم احتمال دخول العالم في تراجع مزدوج، الأول نتيجة لأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، والثاني كنتيجة لأزمة الديون السيادية في أوروبا. 6- انخفاض حجم التجارة الدولية، بسبب تراجع مستويات النشاط الاقتصادي في الدول شركاء التجارة للاتحاد الأوروبي، بصفة خاصة الدول المتوسطية ودول جنوب وشرق آسيا وباقي الدول النامية بسبب التراجع الكبير المتوقع في النشاط التجاري الأوروبي، وهو ما سيترتب عليه تراجع الآمال بحدوث انتعاش في مستويات التجارة العالمية مرة أخرى في عام 2010 بعد تراجعها بصورة حادة في أعقاب الأزمة المالية العالمية في العام الماضي. هذه باختصار تصوراتي عن الآثار الخطيرة التي يمكن أن تترتب على إعلان اليونان إفلاسها لعدم تمكنها من الوفاء بمستحقات الديون التي عليها إما بسبب عدم كفاية السيولة اللازمة لذلك، أو بسبب عدم التزامها بتعهداتها التي قطعتها على نفسها بموجب اتفاق التعديل الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، وهي توضح بصورة جلية هشاشة الوضع الاقتصادي العالمي حاليا وجسامة التحديات التي تواجهه إذا ما انطلقت شرارة أزمة الديون السيادية.
إنشرها