قاع الأزمة العالمية 2010

|
انخفض معدل النمو الحقيقي العالمي في سنة 2008، وهي السنة التي تلت ما يعرف بأزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أدى تشديد شروط الائتمان في الدول المتقدمة إلى حدوث كساد معتدل في دول العالم المتقدم، في الوقت الذي استمرت فيه معدلات النمو مرتفعة في الاقتصادات الناشئة. غير أن توابع الأزمة بدأت في التعمق في الربع الأخير من عام 2008 على الرغم من الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة، مركز الأزمة، ودول العالم الأخرى للتأكد من توافر السيولة في اقتصادياتها المحلية وإعادة رسملة مؤسساتها المالية بسبب ارتفاع حجم الديون المسمومة فيها، ومن ثم أخذ الموقف في التدهور بشكل سريع بعد اشتعال الأزمة المالية في أيلول (سبتمبر) 2008 نتيجة إفلاس بنك ليمان براذرز والمحاولات المتتالية لإنقاذ أكبر شركات التأمين في الولايات المتحدة "المجموعة الأمريكية الدولية AIG"، وهو ما أدى إلى تصاعد سريع في حجم المخاطر التي تواجه المصارف وجعل من قضية إعسار أعتى البنوك العالمية محل اهتمام محليا وعالميا، الأمر الذي أدى إلى حدوث اضطراب شديد انعكس على البورصات كافة في العالم، حيث بدأت عمليات البيع تأخذ شكل أسعار الحرق، وبدأت تدفقات الاستثمار والتجارة ورؤوس الأموال في التدهور بشكل كبير على المستوى العالمي، وأخذت عمليات إصدار الأدوات المالية الجديدة في التوقف تماما والمعاملات المصرفية في الانخفاض الحاد ومن ثم معدلات الفائدة، الأمر الذي وضع أسواق العملات أيضا تحت ضغوط شديدة. هذه المؤشرات كافة توحي بوجود ركود من الدرجة الأولى. وقد كثر الحديث عن الأزمة الاقتصادية العالمية وهل ستتحول إلى ركود اقتصادي عظيم مثل ذلك الذي حدث في عام 1929، وما جلبه من مآس في كافة أنحاء البسيطة، أم أن العالم سيواجه كسادا عنيفا ولكنه سريع ومن ثم تحدث نقطة التحول في غضون أشهر؟ للأسف ما زالت الأزمة الاقتصادية العالمية دون قاع حتى الآن، وليس من المتوقع أن تبدأ نقطة التحول للدورة الاقتصادية العالمية قريبا، بمعنى أنه مازال أمام العالم مزيد من الوقت حتى يصل إلى قاع الأزمة، لتستمر بذلك معاناة الجميع نتيجة الآثار السيئة للازمة في صورة انخفاض معدلات النمو وارتفاع مستويات البطالة وانخفاض مستويات الدخول وتراجع أسعار الأصول، بصفة خاصة المالية. وفقا لأفضل التوقعات التي توصل إليها صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير "آفاق الاقتصاد العالمي: الأزمة والتعافي" الذي أصدره الأسبوع الماضي، فإن قاع الأزمة من المحتمل أن يتحقق في عام 2010، بعدها تبدأ نقطة التحول ليأخذ العالم في الخروج ببطء من الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2011. وعادة ما يتم تحديد نقطة التحول أو قاع الأزمة من خلال حساب مؤشر مركب موزون يتكون من مجموعة متغيرات اقتصادية كلية مثل متوسط نصيب الفرد من الناتج وحجم الإنتاج الصناعي وحجم التجارة وتدفقات رؤوس الأموال واستهلاك النفط ومعدلات البطالة.. إلخ، الذي من خلال تطوراته يمكن الحكم على بلوغ قاع الأزمة أم لا. هذه التوقعات لتوقيت القاع الحالي للأزمة قائمة على استمرار اتباع سياسات اقتصادية كلية تدعم النمو في المجموعات المختلفة من العالم، بصفة خاصة في الدول الصناعية، واستمرار انخفاض معدل الفائدة إلى مستويات تقترب من الصفر، بينما تستمر البنوك المركزية في دول العالم في اتباع سياسات غير تقليدية في التعامل مع الأزمة بهدف تيسير الشروط الائتمانية لتوفير سيولة كافية، وكذلك استمرار العجز المالي في التفاقم بصورة حادة في الدول الصناعية أو الناشئة، بصفة خاصة في مجموعة العشرين التي يتوقع أن تصل خطط التحفيز المالي فيها إلى نحو 2 في المائة من الناتج المحلي خلال العامين الحالي والمقبل، وكذلك في ظل افتراض أن سعر النفط خلال 2009 سيكون نحو 52 دولارا، وفي عام 2010 نحو 62.5 دولار للبرميل. وفقا لهذه الفروض فإن سيناريوهات النمو تشير إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي على المستوى العالمي إلى معدلات سالبة تصل إلى 1.3 في المائة في عام 2009، وهو ما يجعل من الركود الاقتصادي الحالي الأكثر عمقا منذ الحرب العالمية الثانية. النتيجة المثيرة للاهتمام في تقرير صندوق النقد الدولي هي توقيت قاع الأزمة، وبدء نقطة التحول في العمل، وقدر التحول في النمو الاقتصادي العالمي للتعافي من الأزمة، حيث من المتوقع أن يصل معدل النمو العالمي إلى مستويات موجبة (1.9 في المائة) في عام 2010، وهو أقل من معدلات التعافي في كافة أزمات الركود السابقة. ثم تأخذ معدلات النمو العالمي في الارتفاع بشكل حثيث حتى تصل إلى نحو 5 في المائة في عام 2014. هذا الاتجاه في النمو الحقيقي ليس على الوتيرة نفسها في دول العالم كافة، فمن المتوقع أن يصل معدل نمو الناتج الحقيقي في مجموعة السبع إلى سالب 3 في المائة، ثم يصل معدل النمو إلى الصفر في سنة القاع، قبل أن تأخذ معدلات النمو منحاها الموجب في عام 2011، لتصل إلى نحو 2 في المائة في عام 2014. غير أن الصورة تبدو أكثر قتامة في دول الاتحاد الأوروبي، حيث يصل معدل النمو في عام 2009 إلى سالب 4 في المائة، وفي عام 2010 إلى سالب 0.3 في المائة، قبل أن تتحول معدلات النمو إلى مستويات موجبة في عام 2011، أما بالنسبة للاقتصادات الناشئة حيث تم تحقيق معدلات نمو حقيقي مرتفعة قبل حدوث الأزمة بلغت 8.3 في المائة في عام 2007، فمن المتوقع أن تنخفض معدلات النمو إلى 1.6 في المائة فقط عام 2009، ثم تعاود بعد ذلك الارتفاع لتصل إلى 6.8 في المائة في عام 2014. النتائج التفصيلية لسيناريو النمو العالمي تحمل بعض الأخبار السيئة للاقتصاد الكويتي والسعودي والإماراتي، فوفقا للشكل رقم (1) الذي يوضح معدلات النمو الحقيقي في دول مجلس التعاون خلال الفترة 2008 - 2014، من المتوقع أن تكون الكويت أكثر دول المجلس تضررا من الأزمة في عام 2009، حيث ستحقق الكويت، وفقا للتقرير، معدلات نمو سالب تصل إلى 1.1 في المائة في عام 2009، قبل أن تأخذ معدلات النمو الحقيقي في الصعود إلى نحو 2.4 في المائة في سنة القاع 2010، ومن ثم تستمر معدلات النمو الحقيقي في الصعود إلى 4.6 في المائة عام 2014، مقارنة بمعدل نمو متوسط بلغ 8.7 في المائة خلال السنوات الست التي سبقت الأزمة. تلي الكويت المملكة العربية السعودية التي يتوقع أن تواجه معدل نمو حقيقي سالب يصل إلى 0.9 في المائة، والإمارات بمعدل نمو سالب 0.6 في المائة على التوالي في عام 2009. أما بالنسبة لقطر، فستستمر معدلات النمو الحقيقي قوية رغم الأزمة، لتحقق معدل نمو مبهر يصل إلى 16.5 في المائة في سنة القاع، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تحقق مثل هذه المعدلات من النمو في سنوات الأزمة، وبشكل عام من المتوقع أن تتراوح معدلات النمو الحقيقي في عام 2014 في دول المجلس من 3.3 في المائة في قطر إلى 6.5 في المائة في عمان. الشكل رقم (1) معدلات النمو الحقيقي المتوقعة في دول مجلس التعاون المصدر: صندوق النقد الدولي: http://www.imf.org/external/datamapper/index.php أما عن اتجاهات التضخم المتوقعة في العالم، فإن الأزمة ستؤدي بمعدلات التضخم العالمي إلى الانخفاض من 6 في المائة عام 2008 إلى 2.4 في المائة في سنة القاع، ثم تأخذ معدلات التضخم في الارتفاع بشكل ضئيل حتى تصل إلى 3 في المائة عام 2014، وهو ما يحمل أخبارا سارة للمواطنين في دول المجلس، بمعنى أننا مقبلون على ارتفاع في دخولنا الحقيقية على المدى المتوسط إذا صحت توقعات صندوق النقد الدولي. غير أن معدلات التضخم ستستمر مرتفعة بعض الشيء في قطر بفعل ارتفاع معدلات النمو الحقيقي، قبل أن تأخذ بعد ذلك في التراجع إلى 3 في المائة عام 2014، مقارنة بـ 15 في المائة في عام 2008. وعموما فإنه من المتوقع أن تراوح معدلات التضخم في عام 2014 من 2 في المائة (البحرين) إلى 4.5 في المائة (عمان)، وهو تطور أقل ما يوصف بأنه إيجابي بالنظر إلى الاتجاهات العامة لمعدلات التضخم في دول مجلس التعاون خلال الفترة التي سبقت الأزمة. أما بالنسبة لمتوسط دخل الفرد فيتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من الناتج في الولايات المتحدة من 46859 دولارا عام 2008، إلى 45254 دولارا في سنة القاع، بينما ينخفض متوسط نصيب الفرد من الناتج في أوروبا من 29732 دولارا إلى 24682 دولارا على التوالي، وكذلك في اليابان من 38559 دولارا إلى 37052 دولارا على التوالي. أما بالنسبة لدول مجلس التعاون، فإن متوسط نصيب الفرد من الناتج سينخفض في عام 2009، نتيجة لاتجاهات النمو السيئة التي تمت الإشارة إليها، ثم يأخذ بعد ذلك في الزيادة بشكل مستمر حتى عام 2014. إلا أنه من الأمور اللافتة للنظر أن متوسط نصيب الفرد من الناتج في قطر سيستمر خلال المدى المتوسط في الارتفاع بشكل عام ليصل في عام 2011 إلى نحو 105 آلاف دولار أمريكي، وهو ما يجعل المواطن القطري صاحب أعلى مستوى دخل في العالم ليتفوق بذلك على لوكسمبورج صاحبة أعلى متوسط دخل للفرد في العالم. الشكل رقم (2) معدلات التضخم المتوقعة في دول مجلس التعاون المصدر: صندوق النقد الدولي: http://www.imf.org/external/datamapper/index.php الشكل رقم (3) متوسط نصيب الفرد من الناتج في دول مجلس التعاون (بالدولار الأمريكي) المصدر: صندوق النقد الدولي: http://www.imf.org/external/datamapper/index.php هذه هي أهم المؤشرات المتوقعة خلال السنوات الخمس القادمة وفقا لسيناريوهات النمو الحالي لصندوق النقد الدولي. غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن هذه النتائج، على الرغم من أهميتها، يحيط بها قدر كبير من عدم التأكد، بصفة خاصة بالنسبة لمخاطر استمرار الأزمة ومن ثم ابتعاد سنة القاع عما هو متوقع. حيث ما زال هناك احتمال عدم قدرة السياسات المتبعة في دول العالم على محاصرة النتائج السلبية للأزمة، وبصفة خاصة في ظل المعارضة الشعبية لإجراءات السياسة للتعامل مع الأزمة، لما تسببه من نتائج سلبية على مستويات دخول ومعيشة ورفاهية الجماهير. من ناحية أخرى فإن استمرار تعامل كل دولة على حدة مع تداعيات الأزمة لن يعطي الزخم اللازم للخروج من الأزمة على المستوى العالمي، ما لم يتم تنسيق التعاون الدولي في مكافحة الأزمة من قبل دول العالم أجمع. من ناحية أخرى فإن تعرض العالم لأي مفاجآت غير سارة، مثل انهيار المجموعة المالية الدولية أو انهيار "جنرال موتورز" أو أجزاء من النظام المصرفي الأوروبي، قد يدفع بعوامل فقدان الثقة إلى الحضيض لتشتد معها مخاطر أن تمتد سنة القاع إلى مستوى أبعد من 2010، ولتزداد بذلك معاناة كافة دول العالم من الأزمة، بصفة خاصة في دول الخليج.
إنشرها