ساعات الدوام المرنة مفهوم عملي يتيح للموظفة الموازنة بين عملها ومنزلها

ساعات الدوام المرنة مفهوم عملي يتيح للموظفة الموازنة بين عملها ومنزلها

ساعات الدوام المرنة مفهوم عملي يتيح للموظفة الموازنة بين عملها ومنزلها

يستخدم الكثير من المنظمات في الدول الغربية نظام أوقات العمل المرنة لتتيح لموظفيها الموازنة بين واجباتهم الاجتماعية والعملية, إلا أن هذا المفهوم لم يجد نصيبه من التطبيق في المنظمات المحلية إلا على نطاق ضيق جداً في بعض منشآت القطاع الخاص, ورغم الحاجة الماسة إلى هذا النظام خاصة بالنسبة للمرأة العاملة التي أصبح لها دور رئيسي في الإسهام في دخل الأسرة في الوقت الذي يقع على عاتقها الكثير من المسؤوليات الأسرية والاجتماعية ما يضطرها في بعض الأحيان إلى التخلي عن وظيفتها في سبيل تلبية متطلبات أسرتها, كما طالب عدد من الموظفات بتطبيق هذا النظام الذي سيخفف الكثير من الأعباء التي تقع على عواتقهن ويسهم في الموازنة بين مسؤوليات العمل والمنزل. طرحت "المرأة العاملة" في هذا التقرير عددا من التساؤلات حول أسباب عدم تطبيق نظام أوقات العمل المرنة على نطاق واسع في منظماتنا المحلية ومدى جدوى تطبيق هذا النظام على تحقيق أهداف المنظمات وتحقيق الرضا الوظيفي للعاملين.
وحسب مختصين يتلخص مفهوم أوقات العمل المرنة في أن بعض الإدارات تسمح للعاملين الذين تتطلب ظروفهم الاجتماعية ممارسة بعض الأعمال في أوقات لا تتفق وأوقات العمل الرسمية, فيسمح لهم بتغيير مواعيد الحضور والانصراف, ويؤدي ذلك إلى تلبية حاجاتهم الاجتماعية والوفاء بها ما ينعكس بشكل إيجابي على معنويات العاملين فتقل نسب الغياب ودوران العمل وترتفع الإنتاجية, ويصعب تطبيق هذا النظام في المنظمات التي تعمل طوال ساعات اليوم والليل مثل المستشفيات وفى بيئة العمل الداخلية في المنظمة يكون العمل الإنساني هو المحرك الأساسي فيها، وبهذا يصبح الفرد سواء منفذاً أو مشرفاً أو مديراً محور بيئة العمل داخل المنظمة.

وجود العمالة الأجنبية وحداثة علم المواد البشرية

وذكرت ريم الفريان مختصة في الموارد البشرية أن أحد أهم أسباب ضعف تطبيق نظام أوقات العمل المرنة في منظماتنا وجود العمالة الأجنبية التي تتميز بتدني رواتبها مقارنة بالموظف السعودي, إضافة إلى أن العمل لساعات طويلة يناسب العمالة الأجنبية لقلة الالتزامات الاجتماعية بالنسبة لهم, كما أن العمالة الأجنبية لا تطالب بأوقات عمل مرنة كالموظف السعودي ما يجعل المقارنة بين الموظف السعودي والأجنبي مجحفة في حق السعودي. وتؤكد الفريان أن الموظفة السعودية ربما لا تتمكن من أن تعمل ساعات طويلة مثل الأجنبية إلا أنها تعمل بالكفاءة نفسها أو أفضل في حال أعطيت الفرصة العادلة والحقيقية, لأن الموظفة السعودية تتوافر لديها الرغبة في العمل لسنوات طويلة وتبحث عن الأمان الوظيفي بينما الأجنبية تأتي للعمل لسنوات معدودة ولهدف محدد.
وتضيف الفريان أن أنظمة العمل في المملكة لا تراعي وضع الأم التي تحتاج في بعض الأوقات إلى نظام مرن يمكنها من تلبية حاجات أسرتها وعملها, متسائلة عن سبب غياب هذا المفهوم في مجتمعنا الذي يتسم بالترابط ويحث على المحافظة على تماسك الأسرة بينما لو نظرنا إلى الأنظمة الغربية لوجدناها تحرص على مراعاة متطلبات الأسرة وسن الأنظمة التي تكفل للأم الخروج للعمل دون أن يؤثر ذلك في دورها تجاه أسرتها.
وتستطرد الفريان بقولها من الأسباب كذلك أن علم الموارد البشرية علم حديث نسبياً في المملكة, لذلك نلاحظ وجود منظمات حققت تقدما كبيرا في مجال علم الموارد البشرية بينما توجد الكثير من المنشآت التي لم تتمكن بعد من تطبيق مفاهيم الموارد البشرية بشكلها الصحيح, مبينة أن معظم منشآتنا تعتمد على ثقافة صانع القرار, وفي حال كان صانع القرار يرى أن وجود الموظفين ساعات محددة أمر ضروري فسيفرض هذا الأسلوب داخل العمل بغض النظر عن مدى صحة هذه النظرية, فإن رأيه هو الذي سيطبق.

أولوية للحضور على حساب الإنجاز وتحقيق الأهداف

فيما ترى الجوهرة العساف مديرة مركز الاستشارات الإدارية والتدريب, أن السبب في ضعف تطبيق نظام الساعات المرنة هو أن معظم المنشآت لا تطبق الإدارة بالأهداف, حيث إن الكثير من المنظمات, بخاصة الحكومية, تعطي أولوية للحضور على حساب تحقيق الأهداف والإنجاز, وذلك يرجع إلى ثقافتنا التي أطرت العمل بساعات محددة, موضحة أنه من غير المنطقي أن تحاسب الموظفة التي حققت أداء عاليا وحققت جميع الأهداف المطلوبة منها على عدم التزامها بمواعيد الحضور أو الانصراف, وكذلك من غير المنطقي أن أتجاوز عن الموظفة التي قصرت في أداء مهامها لمجرد أنها كانت ملتزمة بالحضور في الأوقات المحددة.
وتوضح العساف في حال أثر حضور الموظفة لمقر العمل في تحقيقها الأهداف المعطاة لها فإنه يمكن هنا محاسبتها على عدد الساعات التي تقضيها في العمل في سبيل تحقيق الأهداف المطلوبة.
وتشير العساف إلى أن الجهات الحكومية لم تطبق ساعات العمل المرنة بسبب الإرث الثقافي الذي يقيم أداء الموظف من خلال التزامه بمواعيد الدوام, فنجد أن الموظف قد يفصل من العمل بسبب تغيبه أو عدم التزامه بفترات العمل التي وضعها النظام بينما لم نسمع عن موظف فصل من وظيفته بسبب تقصيره, وهذا حسب رأيها أدى إلى ضعف أداء الكثير من الجهات الحكومية.
من جانبه, ذكر محمد الدويش المستشار القانوني في وزارة العمل, أن النظام لا يمنع تطبيق هذا النوع طالما أن ساعات العمل نظامية ولا تتجاوز الحد المسموح به, مشيراً إلى ضرورة رضا الطرفين, صاحب العمل والموظف, على ساعات العمل سواء كانت محددة أو متغيرة, وأوضح الدويش أن نظام العمل الجديد تضمن بندا جديدا وهو نظام العمل لبعض الوقت الذي يسمح للموظف العمل لمدة تقل عن أربع ساعات.

اختيار وقت العمل يزيد الإنتاجية

تؤكد الفريان أن طول ساعات العمل لا يرتبط بالإنتاجية, فمن الممكن أن يقضي الموظف ساعات طويلة في العمل دون أن ينجز شيئا يذكر, بينما ينجز موظف آخر أعمالا كثيرة في وقت قصير إذا شعر أن المؤسسة تتيح له اختيار وقت العمل الذي يناسب ظروفه وحالته النفسية فيضع في اعتباره أن الإنجاز هو الهدف الرئيسي من الذهاب لمكان العمل وليس مجرد الحضور لساعات معينة.
ومن خلال دراسة أجرتها ماريا صابري أستاذة في الجامعة الأهلية في البحرين على إحدى المؤسسات الخاصة في المملكة لكشف أوضاع العاملات وتأثير الدوام في حياتهن، تبيّن أن بعض النساء وبالأخص المتزوجات يعانين طول أوقات الدوام وانعكاس ذلك على حياتهن الخاصة والأسرية, وأوضحت الدراسة أن هناك عاملات لا يمانعن العمل لساعات أقصر نظير أجر أقل, كما تبين أن بعض العاملات حتى غير المتزوجات يعانين ضغط العمل وعدم القدرة على تحقيق أهدافهن الشخصية بسبب ساعات الدوام, وأبانت صابري أن إنتاجية الموظفات تكون في قمتها بين الساعة الثامنة والثانية عشرة، وبينت أن هناك نساء يفكرن في ترك العمل بسبب أوقات الدوام بحسب نتائج الدراسة, وقالت صابري إن ساعات الدوام الطويلة تأتي على حساب الحياة الأسرية للموظفات وهي لا تترك مجالاً لهن لتحقيق أهدافهن الشخصية ومتطلباتهن, وقالت إن بعض المديرين يطيلون البقاء في أماكن عملهم بعد ساعات الدوام الرسمية, وذلك يحمل رسالة غير مباشرة إلى الموظفين للبقاء هم أيضاً في العمل, وقد يعد هؤلاء المديرون الموظفين الذين يبقون في العمل فترات أطول أكثر تميزا عن الآخرين, وأشارت إلى إمكانية تطبيق ساعات الدوام المرنة أو العمل بدوام جزئي أو القيام بالأعمال من خلال المنزل عن طريق التقنيات الحديثة مثلما هو معمول به في بعض الدول الغربية.
الرضا الوظيفي والولاء للمنظمة من إيجابياته

وتعود الفريان لتوضح أن الموظف ليس المستفيد الوحيد من تطبيق نظام أوقات العمل المرنة فكذلك المنظمة ستستفيد بشكل كبير, فحين تشعر الموظفة بأن عملها هيأ لها بيئة عمل مريحة تمكنها من متابعة شؤون أسرتها بسلاسة ستشعر بالرضا الوظيفي وسيزيد ذلك من إنتاجيتها, إضافة إلى أن الانتماء يزيد كذلك بين الموظفات فلا يبحثن عن عمل في مكان آخر, مضيفة أن المنظمات تستفيد كذلك من ساعات العمل المرنة حيث تنخفض تكاليف التشغيل مع انخفاض ساعات العمل التي يقضيها الموظفون في العمل.
فيما تؤكد صابري المردود الإيجابي لذلك على إنتاجية الموظفين والموظفات مستشهدة ببعض المؤسسات المصرفية في العالم التي تطبق نظام الدوام المرن, مشيرة إلى أن الأرقام تشير إلى ارتفاع نسب أرباح هذه المؤسسات بعد تطبيقها هذا النظام في إشارة منها إلى أن بقاء الموظفين في مكان العمل ساعات طويلة لا يرتبط بزيادة الأرباح وتحسين إنتاجية العاملين، بل قد يؤدي الدوام المرن إلى تحسين الإنتاجية وتحقيق الأرباح, إضافة إلى تحقيق التوازن في حياة الموظفين.

تطبيقه لا يناسب جميع الوظائف
وهنا توضح العساف أن نظام ساعات العمل المرنة لا يناسب جميع أنواع الوظائف, فهناك أعمال يتطلب إنجازها في وقت محدد, وهذا النوع من الأعمال يتطلب حضور الموظفين في ساعات معينة, فمثلا هنالك نوعيات من الأعمال متسلسلة ومرتبطة بعضها ببعض, بمعنى آخر إذا كان عملك لا يبدأ إلا عندما ينتهي موظف معين من عمله فلا نستطيع في هذه الحالة تطبيق ساعات العمل المرنة, كما هو الحال في المصانع مثلا, مشيرة إلى نظام ساعات العمل المرنة تناسب كثيرا من الأعمال كالتصميم أو الترجمة.
وأضافت العساف من خلال تطبيقها ساعات العمل المرنة في إدارتها وجدت أن الأشخاص الذين لديهم طموح حققوا أهدافهم والمهام المطلوبة منهم رغم أنهم لا يحضرون إلى العمل في أوقات محددة, بينما هناك نوعية من الموظفات جئن للعمل مع خلفية ثقافية تعطي أولوية للالتزام بأوقات الحضور والانصراف بغض النظر عن إنجاز المهام المطلوبة، فكان التعامل مع هذه الفئة صعبا بعض الشيء لكي نغير مفهوم العمل لديهن وأن تقييمنا للعمل يرتبط بإنجاز المهام وليس بساعات العمل, مبينة أن تطبيقها نظام الإدارة بالأهداف جعل الموظفين يضعون الأولوية لتحقيق الأهداف المطلوبة منهم, ومن الموظفين من حقق الأهداف المطلوبة منه في نصف الشهر وبذلك أصبح ما سيحققه خلال المدة المتبقية من الشهر عبارة عن إنجاز إضافي يستحق عليه راتبا إضافيا, موضحة أن تطبيق هذا النظام حقق رضا كبيرا بين الموظفات خاصة لأنه أتاح لهن الموازنة بين حياتهن الاجتماعية وبين مسؤوليات العمل.

7 ساعات متواصلة دفعتها إلى الاستقالة!

تقول بدرية الصايغ إنها اضطرت إلى الاستقالة من وظيفتها رغم أنها كانت تعمل معلمة وبراتب مجز لكنها لم تستطع أن توفق بين مسؤوليات عملها ومنزلها لشعورها بأن غيابها عن منزلها سبع ساعات يومياً أثر سلبا في أسرتها, وتضيف الصايغ لا تحتاج المعلمة إلى البقاء في المدرسة طيلة ساعات العمل التي حددها النظام وفي معظم الأيام تقضي المعلمات نحو ثلاث ساعات دون عمل وربما تزيد هذه الساعات, متسائلة عن سبب عدم تطبيق نظام العمل بالساعات المرنة في المدارس كما هو الحال بالنسبة إلى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
أما الجوهرة إبراهيم فتقول مررت بظروف صعبة بعد أن رزقت أطفالي التوأم فكانت رعايتهم وفي الوقت نفسه تلبية متطلبات العمل أمرا مرهقا جداً ولكني لم أستطع ترك عملي لارتباطي بمسؤوليات مادية, فلو أتيح لي فرصة العمل بساعات عمل مرنة لكان تجاوز هذه المرحلة أسهل بكثير, مضيفة أن هذا حال معظم الأمهات العاملات في وجود الأنظمة التي تفرض ساعات عمل محددة دون مراعاة للظروف الأسرية والصحية للموظفات.

الأكثر قراءة