الموظفة الحكومية والمشاريع الخاصة .. علاقة مشروعة أم استغلال مرفوض؟
الموظفة الحكومية والمشاريع الخاصة .. علاقة مشروعة أم استغلال مرفوض؟
تباينت الآراء تجاه مشروعية استغلال موظفات يعملن في القطاع الحكومي أماكنهن الوظيفية في إنعاش العمل في مشاريعهن الخاصة، وانقسم أصحاب الآراء إلى قسمين، يرى الأول أنه لا حرج في هذا "الاستغلال" طالما كان بعيدا عن المساس بالمصلحة العامة للوظائف الحكومية ولا يلحق بها بأذى، فيما يرى القسم الآخر ضرورة الفصل التام بين العمل الحكومي والعمل الخاص في كل شيء، للبعد نهائياً عن الأقاويل والشائعات التي تضر بصاحبها.
وتقول مصادر غير رسمية إن 15 في المائة من الموظفات في القطاع الحكومي لديهن مشاريع خاصة بهن، وإن غالبية تلكم الموظفات ينحدرن من عائلات تجارية سعودية، ويجدن المساندة والدعم من أفراد عائلاتهن في مشاريعهن الخاصة، وإن هؤلاء الموظفات يهتممن بهذه الوظائف والارتقاء في مناصبها ودرجاتها، أكثر من المحافظة على الرواتب التي يجنينها منها.
وتميل الموظفات السعوديات للاستثمار في المشاريع التي من الممكن إدارتها في الفترات المسائية، مثل المشاغل ومحلات بيع الأزياء في المجمعات التجارية، إضافة إلى افتتاح مكاتب للنسخ والإخراج الصحافي لخدمة الطالبات الجامعيات.
وتستثمر موظفات مواقعهن الوظيفية في إنعاش أعمالهن الخاصة وزيادة أنشطتها، عن طريق إقامة المزيد من العلاقات مع عملاء جدد للعمل الخاص، بأساليب لا تشوبها أية شائبة، معتبرات الأمر عادياً، ما دام لا يمس من قريب أو بعيد جوانب العمل الحكومي والمصلحة العامة.
ويرى عدد من المتابعين، أن المستثمرات يفضلن الاحتفاظ بحقهن في الوظائف الحكومية، لاعتبارات عديدة، منها أن الوظيفة الحكومية تمثل للبعض عنصر أمان قوي ضد تقلبات السوق المفاجئة في وجه العمل الخاص، يُضاف إلى ذلك الوجاهة الاجتماعية التي يعكسها المنصب الوظيفي، خاصة إذا كان مرموقاً وذا مسؤولية حساسة.
وعلى الرغم من أن القوانين تمنع موظفي الدولة (رجالاً ونساءً) من مزاولة أنشطة تجارية خاصة، إلا أن الموظفات نجحن في التحايل على القوانين، بافتتاح مؤسسات بأسماء أقربائهن، ويقمن بإدارتها بأنفسهن من الألف إلى الياء.
وتغري المكاسب التي تحققها المشاغل النسائية نظير الإقبال الكبير عليها العديد من المعلمات والإداريات في المدارس الحكومية لتدشين الكثير منها، كمشروعات صغيرة غير مكلفة في رؤوس أموالها وأجهزتها، خاصة بالنسبة للائي لديهن أماكن شاغرة لمزاولة النشاط عليها.
تقول أماني عامر، معلمة في إحدى المدارس المتوسطة في الخبر، وتدير مشغلاً منذ أربع سنوات " لست الوحيدة من جملة الموظفات الحكوميات اللاتي لديها مشاريع خاصة، فهناك زميلات يمتلكن استثمارات مختلفة الأنشطة بملايين الريالات، ويحققن نجاحات متوالية في إدارة أعمالهن، وفي الوقت نفسه يعطين وظائفهن الحكومية حقها من العطاء والجهد"، مؤكدة أن سيدة الأعمال الناجحة في عملها الخاص، ناجحة في كل الأعمال التي تقوم بها.
ولا تنكر أماني أنها تحصد من وراء مشغلها دخلاً يفوق راتبها من عملها في المدرسة، وتضيف" جربت العمل في مشاريع كثيرة، مثل إنشاء دار حضانة والتسويق الإعلاني، إلا أن الفشل كان بالمرصاد لهذه المشروعات، وأخيراً لجأت لافتتاح هذا المشغل في شقة متواضعة في الدمام، وعندما بدأ العمل ينتعش فيه باجتذاب المزيد من الزبائن، انتقلت به إلى موقع حيوي في مدينة الخبر، باعتبارها منطقة ذات حركة تجارية دائبة، وأحمد الله أن هذا المشروع بدأ يعوضني عن الخسائر التي تكبدتها في المشاريع الأخرى، مشيرة إلى أن لديها نية لافتتاح مشغل آخر في الدمام".
وتضع أماني أسعاراً خاصة لزميلاتها المعلمات في المشغل وتزيد"حاولت في بادئ الأمر الاحتفاظ بسر إدارتي هذا المشغل المسجل باسم والدتي، خاصة أمام زميلاتي في العمل، ولكن لم أستطع الاحتفاظ به طويلاً، وبات الكل تقريباً يعرفن هذا الموضوع، وكثرت المطالبات علي من الزميلات بعمل خصومات خاصة لهن، وهذا الأمر أسعدني بإيجاد عميلات أكثر لمشغلي، وبالفعل خصصت لهن أسعاراً مخفضة بنسبة تصل إلى 40 في المائة على جميع الخدمات، باستثناء تزيين العرائس، باعتبارهن أحد مصادر الدخل الحقيقية للمشغل.
من ناحيتها تعشق فاطمة الفرج الموظفة في شركة أرامكو السعودية مجال الديكورات المنزلية، وتقول"الوظيفة الحكومية شيء والعمل الحر شيء آخر، فهما يسيران في خطين متوازيين، ولا تعارض بينهما".
وترفض الفرج أن يصفها أحد بأنها غير قنوعة بوظيفة واحدة، وقالت الموظفات الحكوميات من فئة سيدات الأعمال لهن الحق في استثمار طاقاتهن العملية الزائدة، وترى أن الوظيفة الحكومية حق تمنحه الدولة للجميع، وأن العمل الحر نشاط مفتوح لكل من يشعر في نفسه الجدارة لخوض غماره، وتتابع: "أنا مثلاً أعمل في الشؤون الإدارية في شركة أرامكو، وهذه الوظيفة يحلم بها أي شخص، ومن يرفضها- في نظري - جاحد للنعمة، إلا أن هذا لم يمنعني من استثمار أوقات الفراغ في النصف الثاني من اليوم في مشاريع خاصة، وهو ما فعلته، وأؤكد أنني أحرص على هذه الوظيفة، نظراً لمستقبلها المشبع بالأمان الوظيفي، وفي الوقت نفسه أمارس عملي الحر في تصميم ديكورات المنازل من خلال عملي في منزلي".
وتضيف"لا أحتاج في الوقت الحالي أن أدشن مكتباً خاصاً بي، وأعتمد على عملائي في بيئة العمل الحكومي الذين يجلبون لي المزيد من العملاء الجدد، بعد رؤيتهم تصاميمي على أرض الواقع، وموقعي في شركة مثل أرامكو زاد من علاقاتي وعدد العملاء الذين أتعامل معهم".
وتطالب فاطمة الجهات المعنية بالسماح للمرأة الموظفة في القطاع الحكومي بامتلاك وإدارة مؤسسات خاصة، مشيرة إلى أن سيدات الأعمال من الموظفات لديهن أفكار رائعة ويمتلكن الطاقة والقدرة على التوفيق بين العمل الرسمي والعمل الخاص، وإذا وجدن مساعدة من الحكومة للعمل في النور من خلال أعمالهن في المشاريع الخاصة، فسوف يوفرن آلاف الفرص الوظيفية للنساء والرجال على حد سواء، كما أنهن سينعشن العمل في القطاع الخاص من خلال المنافسة الشريفة مع بقية سيدات الأعمال.
وترى فاطمة البوعينين، إخصائية اجتماعية، أن العمل الحر لدى السعوديات من الموظفات في القطاعات الحكومية بات أمراً عادياً، وتقول" إذا نظرنا لتركيبة المجتمع السعودي، نجد أن أكثر من نصف عائلاته تعمل في الأعمال الحرة، من خلال مؤسسات تجارية خاصة، وهذا الأمر يرسخ في عقول أبناء هذه العائلات أهمية العمل الخاص وجدواه في النهوض بالمستوى المعيشى وتكوين المستقبل".