محطات القطارات ستتحول عام 2030 إلى مراكز تجارية .. واستخدام السيارات أقل وأغلى
محطات القطارات ستتحول عام 2030 إلى مراكز تجارية .. واستخدام السيارات أقل وأغلى
أجرى تيمـو هيـج من صحيفة "فرانكفورتر ألجماينة" حوارا مع هيلموت ميهدورن رئيس السكة الحديدية الاتحادية الألمانية رسم من خلاله صورة الانتقال من خلال السكك الحديدية في ألمانيا خلال 30 عاما.
كيف تتوقعون أن يكون السفر في عام 2030؟
أبسط وأكثر راحة واستخدام السيارة سيكون أقل وأغلى من قبل.
أغلى؟ هذا ما كان متوقعا ولا سيمـا أنكم قمتم أخيرا برفع أسعار السفر بالقطار مرة أخرى.
الموضوع هنا ليس الحديث عن توجهات في سياسة الشركة قصيرة المدى. في المستقبل ستكون أسعار الطاقة والمواد الخام هي التي تحدد مسار حركة المواصلات بوجه عام. فهي لن تسمح على الإطلاق باستخدام طرق المواصلات الفردية بهذا الحجم الذي نعيشه اليوم.
فماذا إذا؟
في عام 2030 سيكون سعر البنزين عاليا جدا لدرجة أن المرء لن يمارس قيادة سيارته لغرض المتعة فقط. فالاحتياطيات النفطية على وشك أن تنضب.
هل هذا أيضا لا يعد مشكلة لحركة النقل والمواصلات بالقطار، فهي بالتالي لا تسير إلا بالطاقة؟
نحن نستمد الطاقة التي نحتاج إليها من محطات توليد كهرباء ذات كفاءة عالية، وأنا أعتقد أنه حتى ذلك التاريخ ستكون مصادر الطاقة البديلة قد زادت مساحتها في حياتنا اليومية. صحيح أن طاقة الرياح مازالت وسيلة غير فعالة كليا، ولكن الطاقة الشمسية سيكون لها مكانة بلا شك. كما سيصبح غاز الهيدروجين أحد مصادر الطاقة الحيوية، ولكن حتى يصبح مصدر الطاقة الجديد هذا جاهزا للتصنيع الواسع، فلن يكون أمامنا بديل آخر عن استخدام الطاقة الذرية.
هل تتكهن فعلا بولادة من جديد لحركة النقل بالحافلات والسكك الحديد؟ فوفق نتائج دراسات بدأ عدد المسافرين ينخفض شيئا فشيئا.
أنا لم أقرأ إلا دراسات تتوقع للسكة الحديد نموا متواصلا بصورة عالية. أضف إلى ذلك أن النواحي البيئية ستكون عاملا مهما لوسائل المواصلات في المستقبل. فمسألة البيئة وما يتعلق بها ستلعب دورا متزايدا في الحجم والأهمية، وهذا فعلا ما نلمسه اليوم: فقبل خمس سنوات ضحك الجميع، عندما أعلن العلماء أن الأنهار الجليدية ستذوب. واليوم الكل يعرف أنها بدأت تختفي بفعل العوامل الضارة بالبيئة، وبدرجة أسرع مما كنا نتوقع. ولا تستغرب حين يهب فجأة إعصار شديد في وسط ألمانيـا. فهذا ليس محض مصادفة، وإنما يدفعنا لاتخاذ الاحتياطات اللازمـة.
هذا يعني أنك تقترح الاستغناء عن جميع السيارات ومركبات النقل التي تمثل مصدرا للاحتباس الحراري، والتحول إلى استخدام القطارات، الصديقة للبيئة؟
بالطبع لا. ولكن في طور اختيار وسيلة النقل ستكون الأنظمة البيئية في المستقبل هي صاحبة القرار. وبالطبع سيكون هناك إغراءات ضريبية تحفز من طريقة الاختيار الأسلم.
منذ عشرات السنين والحصة السوقية لوسيلة النقل والمواصلات بالقطار في تراجع متواصل. فلماذا الآن سيتغير هذا الحال فجأة ؟
غير صحيح، الاتجاه الهابط انقطع مساره في عام 2002، ومنذ ذلك الحين وحصتنا في السوق في نمو مستمر. ففي الوقت الحالي تراوح الحصة السوقية للقطارات في قطاع نقل البضائع 17 في المائة، وفي عام 2030 ستصبح بالتأكيد أكثر من 20 في المائة.
ولكن هذه أرقام لا تعتبر إنجازا كبيرا؟
الوضع يسير بهدوء ولكن إلى الأمام دائما. علاوة على ذلك، أخذت جميع وسائل النقل تنمو أيضا. ولكن وسيلة النقل بالقطار تنمو بصورة أسرع من الوسائل الأخرى. وها نحن نحظى بحصص سوقية متزايدة.
هل يمكن اعتبار كلامك هذا مجرد دعوة للتفاؤل؟
كلا، ليس بهذا المفهوم. الوضع حاليا في شركة السكة الحديد يتحسن فعلا عن قبل بكثير، فالشركة تعيش حاليا إقبال أعداد هائلة من الأشخاص يفضلون القطار كوسيلة نقل، لم تشهده من قبل. ففي هذا العام ارتفع عدد الزبائن الذين سافروا بالقطارات بنسبة 4 في المائة على عددهم من قبل العام الماضي 2005. وحتى في الأعوام السابقة كذلك، كان هنالك نمو منتظم في حركة نقل الأفراد.
ما الذي يجعلك واثقا من أن الوضع سيستمر على حالته هذه ؟
مواعيد السفر هي الورقة الرابحة في أيدينـا، وهنا سنصبح أفضل وأفضل مع مرور الوقت. فنحن نتوقع لقطاعنا النمو، وذلك لأن من يسافر بالسيارة لا يستطيع أن يعرف متى سيصل إلى هدفـه.
ما نسبة الدقة في المواعيد حاليـا؟
تسعة من كل عشرة قطارات ركاب دقيقة في مواعيدهـا أي نسبة 90 في المائة, ومرت فترة كانت النسبة أعلى من ذلك، ولكن في الوقت الحالي توجد على خطوط السكة الحديد الكثير من أعمال البناء والترميم. وبالطبع ينطبق علينا كما ينطبق على الآخرين: لا يوجد شيء كامل. فأن يكون كل قطار دقيقا في مواعيده بالضبط، أمر غير ممكن، فالنظام المطبق حاليا في ألمانيا معقد ولا يسمح بذلك. فهنالك العديد من الأمور الطارئة والجانبية التي تحدث، سواء كانت تأثيرات الأحوال الجوية أو تصليح أعطال طارئة في السكة الحديد. ولكن يجب علينا أن نوضّح كل هذه الأمور الطارئة للزبائن المسافرين.
هذا يعني أن التأخير في المواعيد سيبقى كما هو - فإذاً أين سيكون الاختلاف بين السفر بالقطار في عام 2006 وفي عام 2030؟
بعد 30 عاما لن يكون هناك أي تذاكر على الإطلاق. حيث سيكون لدى كل شخص سواء في ربطة العنق أو في الساعة أو هويته الشخصية رقاقة الكترونية تسجل حركة الأسفار. فعندما يصعد المسافر إلى القطار، تنطلق صفارة صغيرة، وعندها نستطيع أن نعرف أن المسافر قد سافر مثلا 30 كيلومترا، أو بدل وسيلة الانتقال بركوب قطار آخر في سفره، كما سيصبح هناك عدد كبير من القطارات تسير بالتحكم الآلي. وهذا سيوفر الكثير من التكاليف والنفقات، ونستطيع حينها استغلال الفائض من الموظفين في تعيينهم في قطاعات خدمات أخرى.
الكثير من الناس لن يرغبوا في هذا السيناريو الجديد، ولا سيما أنه يبدو نوعا من المراقبة الكثيفة لكل خطوة يخطوهـا المسافر.
المشكلة الكبيرة التي سنواجهها في تطبيق هذا النظام سيكون بلا شك قانون حماية البيانات الشخصية. ولكن هذا الأمر لا يمكن التغلب عليه، فيما يقف الناس دائما معارضين لكل شيء. فالضروري على المرء أن يجعل أنظمة الحماية والتأمين أفضل بكثير من الآن.
ولكن كيف سيكون موقف اتحادات العمال تجاه قرارات هيئة السكة الحديدية الاتحادية التي لا تخلو من القسوة من ناحية التسريح وإلغاء الوظائف .
أسوق مثالا: في مدينة نورينبيرج في جنوب ألمانيا، تسير اليوم عربات مترو الأنفاق بدون سائق. فبالنسبة للوظائف كل ما يجب علينا فعله هو نقل الموظف إلى موقع آخر داخل أسوار الشركة، على الأقل كما نفعل نحن في شركة السكة الحديدية. فنحن لا نقيل أحدا من منصبه بداعي أسباب تتعلق بسياسة الشركة.
في الأعوام العشرة الأخيرة تم تقليص طول شبكة السكة الحديد بنحو خمسة آلاف كيلومتر. فهل ستواصل الشركة هذا التقليص بالسرعة نفسها؟
من المحتمل بعد 20 عاما أن تختفي بعض خطوط السكة الحديد. ولكن من المحتمل أن يأتي في المقابل خطوط جديدة.
وبماذا يرتبط كلا الاحتمالين؟
من الأرباح العائدة. فحتى يمكن تشغيل خط سكة حديد بصورة اقتصادية مربحة، يجب أن يتم نقل عدد من المسافرين يوميا يراوح بين 500 و700 مسافر. وإذا قل العدد عن هذا، فمن الأفضل والأنسب استخدام الحافلات الصغيرة. ولهذا السبب نستثمر هذه الأيام في حركة المواصلات الإقليمية بالحافلات، وذلك لأننا نؤمن بأن الحافلة والقطار وسيلتان مكملتان لبعضهما بعضا. فشركة السكة الحديد التي تؤمن بأن القطار هو وسيلة نقل قائمة بحد ذاتها، هي ليست شركتنا أبدا.
هل هذا يعني أن وسيلة النقل بالقطار بدأت على المدى البعيد تتراجع عن الساحة ؟
توقعاتي هي أن تزداد رحلات السفر بين المدن بلا شك، وهنا سوف نستثمر أكثر في توسعة القطاع. أما حركة النقل والمواصلات بين الأقاليم فهي ليست من مسؤولية شركة السكة الحديدية، بل من مسؤولية حكومات الأقاليم ومجالس البلديات التي تطلب عروض الحافلات والقطارات. ولكن المهم في الأمر هو ألا نجعل الناس ينتظرون طويلا عند محطة الوقوف، سواء كانت محطة قطارات أو حافلات حيث إن الزبائن لا يريدون السفر من محطة قطار إلى المحطة الأخرى فقط، بل يريدون أن تعمل رحلة متكاملة حتى الهدف. والقطار اليوم لم يعد وسيلة نقل على خطوط السكة الحديد فحسب، بل هو أكثر من أن يكون وسيلة خدمات متنقلة.
ولهذا السبب تودّ اليوم شركة السكة الحديد لو أنها تنتقل إلى الجو في حركة النقل والمواصلات، وهذا ما تعتزمه إدارة مطار برلين
- أنا لا أعتقد أن القطار سيصبح على المدى البعيد أسرع بكثير مما هو عليه اليوم، أكثر من سرعته القصوى التي تصل اليوم إلى 300 كيلومتر في الساعة على خطوط السكة الحديد السريعة. وحاليا في الرحلات الطويلة التي تستغرق ساعات سفر كثيرة، يفكر الزبائن من رجال الأعمال: هل أسافر بالطائرة أم بالقطار ؟
وماذا بالنسبة لمستقبل محطات القطار التي انحدر مستواها إلى درجة كبيرة كما يصف المنتقدون ؟
من الممكن الآن مشاهدة كيف ستكون محطة القطار في المستقبل، من خلال محطة قطار العاصمة برلين التي بنيت أخيرا. فهي ليست فقط محطة وقوف لحركة المواصلات، بل هي مركز تسوق يمكن للمرء فيها أن يشتري كل ما يحتاج إليه، وبالطبع استخدام القطار. فالصورة القديمة لمحطة القطار، حيث يقف المشرف على الشرفة يراقب بنظرة قاسية كل من يخرج ويدخل إلى الصالة، هذه الصورة ستبقى في جميع الأحوال تاريخا.
بهذا، هل ستصبح محطات القطار والبالغ عددها 5700 محطة، من المشاريع الأولى لتحقيق الأرباح بالنسبة لشركة السكة الحديد الألمانية ؟
محطة القطار قائمة بحد ذاتها لا تحقق أرباحا، وكذلك الدولة لا تجني من ورائها أموالا، ولهذا، نفتح فيها المحلات التجارية. ولكن ليس فقط أكشاك بيع الأطعمة السريعة والوجبات الجاهزة، بل أيضا المطاعم الجيدة والصيدليات. كما يمكن للمسافر أن يشترى معطفا في الكثير من محطات القطار، بمعنى آخر، كل شيء يستطيع المرء شراءه.
إذاَ سياسة الشركة هي تحويل محطة القطار المعاد ترميمها كمركز استهلاك؟
فعليا، هذا هو الحال في بعض المدن الكبيرة مثل هانوفر وكولونيا ومانهايم والآن نكثف جهودنا على المدن متوسطة الحجم. بالطبع لن يكون ممكنا تطبيق هذه الخطة في جميع المدن، فالقرار الأول والأخير في يد أعضاء مجلس البلدية المحلي سوية بالتنسيق مع رجال الأعمال المحليين، هم الذين يقررون إذا كانوا يريدون افتتاح محلات تجارية في محطة القطار أم لا.
وماذا يعني هذا؟
محطات القطار الصغيرة التي لا تشهد حركة نشطة ستتحول وتصبح محطات وقوف عادية. فمبدئيا لا يحتاج الشخص فيها إلى محلات تجارية، بل حاجته تكون أكثر إلى هاتف طوارئ، ومحطة صعود نظيفة دائما، وسلال قمامة كافية في أرجاء المحطة، وإنارة جيدة، وفي معظم الأحيان رجل أمن. واليوم توجد في محطات القطارات هذه بنايات قديمة نريد بيعها شيئا فشيئا، أو تحاول البلدية المحلية استغلالها لمشاريع أخرى مفيدة للمدينة.
وكم سيبقى من محطات القطار الخالصة بعد هذا المسح الشامل ؟
الجزء الأكبر من محطات القطار ستصبح محطات وقوف عاديـة، ولكن هذا لا يعني أن عدد القطارات التي ستمر هناك سيقل. بالعكس، فنحن نعمل على بناء محطات وقوف جديدة، وهذا يعني أن شبكة الخطوط ستصبح أكثر كثافـة. (محطة الوقوف لا تشمل محلات تجارية أو منشآت خدمات مختلفة، بل مركز لبيع التذاكر وللمعلومات، بينما محطة القطار تشمل في مبناها الكبير محلات ومنشآت خدمات متعددة، مثل الفنادق).
وكيف سيبدو القطار في عام 2030؟
بالتأكيد أكثر حداثة، وأقل إزعاجا ومريح بشكل أفضل. ومن المحتمل أن تكون أغلبية القطارات بطابقين. وهذا أمر ضروري على بعض خطوط السفر، فعلى سبيل المثال، تقدم الشركة رحلات بنظام كل ساعة على الخط ما بين هامبورج وبرلين، ولكن بالرغم من ذلك تكتظ القطارات بالركاب.
الكثير من الزبائن يتمنون وجود خدمات إضافية في القطار - فهل ستقوم الشركة على المدى المتوسط أو حتى البعيد بتوفير مركز للياقة البدنيـة في عربات القطار؟
كلا، فهذا أمر غير منطقي. القطارات ستبقى قطارات فقط ولن نقيم نوادي صحية ومراكز لياقة بدنيـة أو صالونات حلاقة داخل القطار. وأنا يردني دائما وأبدا رسائل من الزبائن تقترح هذه الأفكار. وهؤلاء الذين يكتبون هذه الأفكار لن يستخدموا هذه الخدمات الإضافية على الإطلاق.