الخوف من الشركات اليابانية أصبح شيئا من الماضي
الخوف من الشركات اليابانية أصبح شيئا من الماضي
في عام 1987 حين اشترت شركة التأمين اليابانية إحدى لوحات (زهرة دوار الشمس) للرسام العالمي فان جوخ مقابل 40 مليون دولار في مزاد علني, تحدثت أوروبا في ذلك الحين عن اليابان التي تريد أن تشتري القيم الأوروبية.
وكانت اليابان آنذاك منهمكة في مسيرتها الصاعدة، وبفضل حكمة الدولة في إدارة سياستها الصناعية نجحت اليابان في أن تحل في نهاية الستينيات محل ألمانيا كثاني أكبر اقتصاد في العالم . وبعد ذلك بعشرين سنة صارت اليابان الآن تنازع الولايات المتحدة على المركز الأول، ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعاني من عجز هائل في ميزانها التجاري كانت طوكيو تتمتع بفوائض كبيرة. وفي الوقت نفسه كان صافي قيمة ممتلكات اليابان في الخارج نحو 300 مليار دولار، بينما كانت تقرع أجراس الإنذار في أمريكا.
وعلى أجنحة انتعاش كبير في البورصة وارتفاع معتبر في قيمة الين اقتحمت الشركات اليابانية منذ منتصف الثمانينيات العديد من الشركات عبر البحار ، حيث أصبح بنك سوميتومو عام 1987 شريكا في بنك جولدمان ساكس، بينما استولت شركة سوني على مجموعة استديوهات كولومبيا السينمائية، وكذلك اشترت شركة ميتسوبيشي عام 1989 مركز روكفلر في نيويورك. أما في ألمانيا فلم تتمكن شركات من أمثال جروندنج أن تصمد في معركة الأسعار أمام منافساتها من الشرق الأقصى . غير أن ضغوط المنافسة اليابانية عجلت من عمليات إعادة هيكلة صناعة السيارات الألمانية، التي مكنت منتجين مثل (بي إم دبليو) من أن تحافظ على مكانتها في الصدارة حتى اليوم.
وشيئا فشيئا بدأت الآمال الجديدة تحل محل المخاوف القديمة في كل من أوروبا وأمريكا، حيث انفجرت فقاعة البورصة عام 1990 فغرقت البلاد في حالة من الكساد استمرت سنوات طوالا غير أن صافي الممتلكات في الخارج تضاعف أربع مرات، وأصبح رأس المال الياباني عاملا مهما من عوامل التوظيف والرخاء في الغرب. وعندما أعلنت شركة تويوتا في فصل الربيع الأخير أنها تنوي إقامة مصنع لها في أوروبا تقدمت مئات المدن الألمانية بعروضها لتكون مقرا لهذا المصنع. وكذلك عندما أعلنت شركة هوندا في شهر حزيران (يونيو) الماضي عن نيتها بناء مصنع لها في ولاية إنديانا احتفلت أميركا بقدراتها التنافسية. ومن المعروف أن إعادة تصنيع أوروبا الشرقية لا يمكن تصوره بدون المستثمرين اليابانيين.
ومع قيامها بأنشطة دولية تحللت الشركات اليابانية من ارتباطاتها القديمة بالسلطات المحلية، فطوال عشرات السنين كانت وزارة التجارة الدولية والصناعة تقف في بؤرة المعجزة الاقتصادية ، حيث إن وزارة التجارة كانت هي التي وضعت عام 1950 خطة إعادة بناء الاقتصاد الذي دمرته الحرب، وذلك بالتعاون مع وزارة المالية والبنك المركزي. فقد وجه بنك اليابان آنذاك القروض المصرفية نحو الصناعات الأساسية والقطاعات المبشرة بالنمو. كما انتهجت وزارة المالية سياسة ضريبية مشجعة للاستثمارات. وقد قامت وزارة التجارة الدولية والصناعة بالتنسيق بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة وبتوفير الحماية اللازمة للقطاعات الرئيسية مثل قطاع إنتاج السيارات، والإلكترونيات ضد المنافسة الأجنبية من خلال فرض الضرائب على المستوردات.
ومن أجل توفير التمويل اللازم لتحقيق النمو المنشود تضافرت جهود البنوك مع المنشآت الاقتصادية مما وفر القاعدة الضرورية لتقوية الشركات العامة اليابانية. واستفاد قطاع الصادرات من تدني سعر الصرف، بحيث استطاعت اليابان حتى نهاية الستينيات من تحقيق معدل نمو بلغ في المتوسط 10 في المائة سنويا . وعندما قررت أمريكا عام 1971 إنهاء النظام النقدي القائم على نسب التبادل الثابتة بين العملات ازدادت قيمة الين زيادة كبيرة، وبواسطة الين القوي تمكن اليابانيون من دخول الأسواق الأجنبية مشترين أصولا ذات جدوى .
وقام المصدرون بترشيد الإنتاج واستطاعوا الوصول إلى رؤوس الأموال العالمية ووفروا لأنفسهم التمويل اللازم من خلال البورصات في أوروبا وأمريكا. وهكذا فقدت البنوك اليابانية عملاء كبارا، كما فقدت السلطات سيطرتها على الشركات اليابانية العامة، وفي منتصف الثمانينيات خفض بنك اليابان سعر الفائدة طالبا من البنوك التجارية توجيه قروضها نحو سوق العقار وأسواق الأوراق المالية مما أدى لنمو فقاعة هائلة من المضاربات. وعندما انفجرت هذه الفقاعة وجدت البنوك نفسها واقفة على ركام قروضها، ولم تعد العلاقات القديمة تجدي في شيء, حيث أصبح المصلحون يتربعون في هذه الأثناء على السلطة، فمنحوا الاستقلال لبنك اليابان، وأعادوا هيكلة وزارة التجارة الدولية والصناعة Miti ووزارة المالية. ولتجنب مخاطر أسعار الصرف والركود نقلت الشركات مصانعها إلى الخارج، وأصبحت شركات صناعة السيارات اليابانية اليوم تنتج سيارات في الخارج أكثر مما تنتج في الداخل .