صفقات الاستحواذ في إسبانيا بين الأخذ والعطاء

صفقات الاستحواذ في إسبانيا بين الأخذ والعطاء

صفقات الاستحواذ في إسبانيا بين الأخذ والعطاء

لم تبد الحكومة الإسبانية تسامحا لدى محاولة الاستحواذ على شركة "أنديسا" الموردة للكهرباء, من قبل شركة أيون التي تتخذ من مدينة دوسلدورف مقرا لها . فبدلا من أن تترك لحملة أسهم "أنديسا" أن يقرروا فيما إذا كانوا يقبلون بالعرض الألماني الذي يزيد على 27 مليار يورو, قامت إسبانيا بفرض نوع من الحصار, وكأنها تقول : تستطيع "أيون" أن تستحوذ على "أنديسا" ولكن فقط بشروط قاسية مثل بيع ثلث طاقة توليد الطاقة الكهربائية الإسبانية أو الانسحاب من اقتصاد الطاقة النووية . ومن جهة رسمية تولت سلطات الطاقة الاسبانية مهمة التأكد من الناحية الفنية من مواصلة "أنديسا" توفير الطاقة الكهربائية حتى في ظل سيطرة شركة أيون. ومن الواضح أن هذه السلطات وبالتالي الحكومة أيضا تنبهتا بسرعة أن هذا الشرط لن يكون كافيا للتغلب على محاولات شركة أيون, حيث لن يجرؤ أحد على الزعم بأن أكبر شركة لتزويد الطاقة في ألمانيا لن تتمكن من تزويد إسبانيا بالطاقة الكهربائية . ومن هنا جاءت فكرة تبرير الشروط بدواعي المصالح الوطنية كاستخدام الفحم أو مخاطر اقتصاد الطاقة النووية .

إن إسبانيا تجد صعوبة في الدفاع عن الشروط التي وضعتها بشكل خاص لأن السبب الحقيقي لمنع محاولة الاستحواذ يتعارض من الناحية المبدئية مع الأنظمة الاقتصادية الأوروبية, حيث إن الحكومة الإسبانية لا تجد ما يكفي من مبررات للقبول بتحول أكبر مزودي الطاقة في إسبانيا إلى شريك أصغر في شركة أجنبية . وهي تفضل لو أن شركة "أنديسا" المزودة للغاز, الصغيرة نسبيا, تستحوذ على شركة أنديسا للطاقة لكي تكسب و تصبح بطلا قوميا في إسبانيا . وفي الحقيقة أن "أنديسا" للغاز الطبيعي قد تقدمت بعرض للاستيلاء على "أنديسا" المزودة للطاقة, ولكن فرصها للتغلب على شركة أيون، في ظل ظروف منطقية تكاد تكون معدومة، لأنها لا تملك كميات من المال توازي ما تعرضه شركة أيون. وحتى الآن تحاول الحكومة الأسبانية بشروطها, على الأقل الحيلولة دون تحول شركة أيون إلى الشركة الأكبر في السوق الإسبانية, فمن خلال بيع محطات توليد الطاقة الإسبانية ستصبح ثاني أكبر شركة إسبانية مزودة للطاقة, وهي شركة " آيبردرولا " أكبر المزودين في البلاد.
ومن الواضح أن إسبانيا قد أخطأت التقدير، فالحسابات تقتضي أن تتفاوض الحكومة وشركة أيون حول الكيفية التي يستطيع من خلالها الطرفان الحفاظ على ماء الوجه – فقد قبلت "أيون" في النهاية تلك الشروط، وإن كان قد تم تخفيفها نوعا ما. أما الحكومة فكان بوسعها أن تظهر كسيدة الموقف مما يطمئن الإسبان بأن النظام الجديد لسوق الطاقة لم يسلم لجهات أجنبية تسعى وراء الربح. كما أنه كان يمكن لشركة أيون أن تحقق بعض المزايا نتيجة للاتفاق مع الحكومة كبديل عن اللجوء للقضاء. فأولا ستستغرق الدعوى القضائية في أوروبا سنوات عديدة، وثانيا سيكون النجاح الاقتصادي موضع شك خصوصا في حقل الطاقة الحساس من وجهة النظر السياسية، عندما يتم السعي لتحقيقه ضد الإرادة الصريحة لحكومة وطنية. ولكن من ناحية ثانية فإنه لن يكون في مصلحة إسبانيا، التي تتلقى أكبر دعم صاف من أموال الاتحاد الأوروبي أن تخالف أنظمة الاتحاد الأوروبي.
وبالفعل أعلنت اللجنة الأوروبية في هذه الأثناء بجلاء أن خرق إسبانيا للأنظمة سارية المفعول في السوق الداخلية المشتركة وتلك التي تحمي المنافسة لن يكون مقبولا. ومن المحتمل أن تقوم اللجنة الأوروبية على ضوء ذلك بإلغاء الشروط الإسبانية . ولكنه سيكون من حق إسبانيا في المقابل، أن ترفع القضية لمحكمة العدل الأوروبية, وإن كانت فرصها في النجاح محدودة للغاية حيث سبق لإسبانيا أن عرضت في السابق قضية مشابهة دون أن يحالفها النجاح .

ويبقى هناك سؤال هو : لماذا وضعت إسبانيا نفسها في هذا الموقف . ويصبح لهذا السؤال ما يبرره أكثر لأن بيدرو سولبيس وزير الاقتصاد والمالية الذي شغل سابقا منصب مفوض الشؤون الاقتصادية والنقدية في الاتحاد الأوروبي كان يعتبر حتى الآن ضمانة راسخة لعدم خروج حكومة إسبانيا الاشتراكية برئاسة خوزيه لويس رودريجيز ثاباتيرو عن الطريق لا في مسائل اقتصاديات السوق ولا في المسائل الأوروبية. ولكن من الواضح هذه المرة أن سولبيس لم يعد قادرا على مجابهة المزاج الإسباني الأساسي الذي يجد له أنصارا داخل الحكومة أيضا: ولأنه ليس في إسبانيا سوى ما يقرب من ست شركات كبرى بغض النظر عن عدد من شركات الإنشاءات التي برزت في الآونة الأخيرة فقط, فإنه يعز على الإسبان أن تقع إحدى شركاتهم العالمية في أيد أجنبية. وفي الواقع أن مثل هذه الأحاسيس العاطفية ليست غريبة تماما حتى على الألمان. ويظهر ذلك في الضجيج الذي أثير قبل سنوات لدى انتشار أحاديث عن عزم مجموعة سيتي جروب على الاستحواذ على دويتشه بنك . ولكن في الوقت الذي تم فيه الاستحواذ على شركات ألمانية كبرى مثل شركة مانيسمان من قبل شركة فودافون البريطانية، أو بنك الاتحاد للرهونات من قبل البنك يونيكريديت الإيطالي تجيء قضية بيع شركة أنديسا لشركة أيون لتفتح صفحة جديدة لاسبانيا.
غير أنه بالمقابل تتوافر لإسبانيا خبرات كبيرة في هذا المجال, حيث أصبحت الشركات الإسبانية من أكبر المستثمرين في أمريكا اللاتينية . كما أظهرت أخيرا في أوروبا أيضا قدرات لافتة في مجالات الاستحواذ، فقد وقع مطار هيثرو اللندني الشهير، على سبيل المثال، في الآونة الأخيرة في أيد إسبانية. ومن مثال "أنديسا" ينبغي على إسبانيا أن تتعلم الآن أن الأخذ والعطاء الواقع ضمن إطار الاتحاد الأوروبي يجب أن يبقى في الميزان حتى بالنسبة لعمليات الاستحواذ العابرة للحدود.

الأكثر قراءة