لا خطر يهدد آسيا كما كان الحال في عام 1997

لا خطر يهدد آسيا كما كان الحال في عام 1997

لا خطر يهدد آسيا كما كان الحال في عام 1997

عندما هدرت الدبابات في قلب العاصمة التايلاندية بانكوك تعالت المخاوف من جديد : هل يؤدي الانقلاب العسكري إلى إحداث أزمة جديدة في المنطقة؟ هل من الممكن أن تشهد المنطقة تكرارا لسيناريو أزمة آسيا الاقتصادية التي حدثت صيف عام 1997انطلاقا من تايلاند ؟ وهل سيختنق تقدّم المنطقة الاقتصادية المزدهرة عن طريق انتهاء الديمقراطية في ثاني أكبر منطقة اقتصادية في جنوب آسيا؟
لا .... بهذا الحسم يُجيب وزير المالية الأمريكي هنري باولسون بعد ساعات من حدوث الانقلاب فيما يبدو أنها محاولة لتهدئة الأمور: "لن نشهد تأثيرات متجاوزة إلى الأسواق الآسيوية الأخرى". هذا ما قاله باولسون. وما قبل هذا فقد أشار المشاركون في المؤتمر السنوي لصندوق النقد الدولي الذي عقد في سنغافورة – أشاروا مراراً وتكراراً إلى حقائق على حجم النمو الاقتصادي المتواصل في شرق آسيا. ويُعتبر البنك الدولي في طليعة المتفائلين: فقد عرض في عام 1993 دراسة، سُميّت "المعجزة الشرق آسيوية". وعقب أربعة أعوام، أصبح هذا التقرير فارغا، ونظراً لهذا، تبادرت الكثير من الجهود، للخروج بدراسة جوهرية، لعرضها هذا الأسبوع في سنغافورة أمام العامة، وتُدعى هذه المرة: "الولادة الثانية لشرق آسيا". وما يكمن في هذه "أن المنطقة تعيش في إعادة نهضة اقتصادية، مماثلة لعصر النهضة في أوروبا، حيث ولّد الزمن أفكاراً جديدة، وتنمية اقتصادية واليوم تدخل التحديثات إلى شرق آسيا، وتُعتبر سرعة التحوّل في التجارة والتداول، والقطاع المالي، وفيما يتعلّق بالأفكار الجديدة، والتكنولوجيا، والتنمية الحضارية، والميزانية الخاصة والعامة، فإنها مثيرة جدا".
والفارق بين التجربتين يبدو جليا فعلى خلاف ما جرى عام 1997، فإن مناطق جنوب شرق آسيا ترتكز اليوم على أربعة مراكز قوي هي اليابان، الصين وجنوب آسيا، والهند، وبالطبع هي اليوم أكثر ثراء. وبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول الصاعدة في شرق آسيا عام 1990 نحو 1.2 مليار دولار، يسجّل اليوم نحو أربعة مليارات دولار. وفي الوقت ذاته، كدّست هذه الدول احتياطيا نقديا بما يزيد على ملياري دولار. وتعادل القروض النقدية للشركات حتى اليوم أقل من المعدل لما قبل الأزمة بوضوح، وهي غالباً ما تكون مضمونة بضمانة إضافية الآن. بينما في تلك الأوقات كانت البنوك ضعيفة، وبالكاد كانت الدول مرتبطة بالتداول التجاري الإقليمي مع بعضها بعضا.
ويؤكد هومي كاراس الخبير الاقتصادي لشؤون آسيا في البنك الدولي أن حجم التداول التجاري البيني داخل آسيا يعادل نحو 55 في المائة من حجم التداول الإجمالي للقارة وكان هذا التداول يعادل نحو 42 في المائة في عام 1990. وكذلك تراجع الانفراج ما بين أسعار الفوائد في أمريكا، وآسيا، بصورة واضحة. وأغرى الفارق بين أسعار الفوائد الآسيويين ما قبل عام 1997 لدمج أموالهم في أمريكا. فعلى سبيل المثال، تايلاند: في 1996 بلغ حجم الانفراج لأسعار الفائدة نحو خمس نقاط في المائة، واليوم تسجّل هذه النسبة نحو 0.5 نقطة في المائة. . ويتوقع بنك التنمية الآسيوي لجنوب آسيا نمواً اقتصاديا بما يعادل 5.5 في المائة. وما قبل الانقلاب، أبخست تايلاند من حجم النمو نظراً للاضطراب السياسي من 5.5 في المائة من حجم النمو في العام الماضي إلى 4 في المائة فقط. ووفق ما ورد على لسان تيري شان وهو أحد محللي ستاندرد آند بورز في ملبورن في أستراليا فإنه قال: "نحن نستبعد، أن يُصيب آسيا أزمة مقارنة بأزمة عام 1997. والعوامل الأساسية، التي حققت وجود أزمة عام 1997، لم تعد مؤثّرة أكثر كما في السابق"، ومن المحتمل أن يكون الفرق الأهم ما بين آسيا قبل عام 1997 و العام الحالي 2006 لا يمكن قياسه بالأرقام: إن سياسة هذا الجيل في آسيا عانوا من خوض تجربة الانهيار. "لقد رأينا بأم أعيننا، كيف عملت نساء الطبقة الوُسطى في بانكوك على بيع حقائبهن، ليجنين بعض النقود، وكيف سلّمن حليهن في كوريا الجنوبية، لمساعدة الحكومة"، حسبما ورد عن تومي كوه، وسيط تجاري للعاصمة، سنغافورة. "ولكن هل سيتذكّر الجيل اللاحق هذه التجربة القاسية؟".
إن تحوّل الأجيال يفرض مزيدا من التساؤلات بعد أن حُكِمت آسيا من قبل شخصيات قوية، فهل سيتبعهم جيل من شباب الديمقراطيين؟ وما مدى هشاشة الحكومات والتشريعات الديمقراطية الجديدة؟ لا يوجد في الحقيقة إجابات على هذه الأسئلة وبالفعل يشير البعض في تايلاند حالياً، إلى أن الاقتصاد بدأ يعاني بصورة جزئية عندما حدث الانقلاب العسكري. ومن الممكن أن يظهر الأمر بصورة مفاجئة: على المدى المتوسط، يعرض الفساد ومحاباة الأقارب، مخاطر كبيرة على المنطقة، ويُزعم أن هذا أحد أسباب الإطاحة برئيس الوزراء التايلاندي تاكسين شيناواترا.
ويمكن القول إن المؤسسات الرائدة الصاعدة عقب اندلاع أزمة عام 1997، بالكاد يمكنها المساعدة في هذا على المدى المتوسط. وحمّل الآسيويون صندوق النقد الدولي ثقل الانهيار الأكبر حتى يومنا هذا، ولكن علاجها خاطئ، حيث إنه مرتبط بكثير من الشروط، ويُعتبر الصندوق كبش الفداء. ويستفيد الساسة من هذا لتحقيق مصالحهم، ويعلنون شعبيتهم، إذا ما تمكّنوا، مثل إندونيسيا وتايلاند، من توديع صندوق النقد الدولي أسرع مما توقّعوا، عندما يتمكنون من سداد مديونيتهم سريعاً. "وحتى اليوم علينا أن نحافظ على مواقعنا الخلفية في آسيا، لأننا على الدوام نملك مشاكل في صورتنا هناك"، حسبما جاء عن جون بيرتون، مدير مكتب آسيا- المحيط الهادئ والتابع لصندوق النقد الدولي في سنغافورة. وأضاف قائلاً: "عندما ندعم أي قرارات معيّنة بقوة على الملأ، يمكن أن يكون لهذا أثر عكسي على آسيا". ويمكن لمشروع إعادة هيكلة معادلة الكوتا أن يحقق المساعدات، التي ستمنح الدول الناشئة في آسيا حقا أقوى للمشاركة في قرارات صندوق النقد الدولي.
وأدى ضعف صندوق النقد الدولي إلى أن عملت آسيا في تعزيز نفسها تأسيسياً عن طريق قبضتها الخاصة. ويُعتبر العمل المشترك لدول جنوب شرق آسيا العشرة، مع الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، إحدى النتائج المباشرة لأزمة آسيا. ويتذكّر كوه قائلاً: "لقد لاحظنا حينها، أن الوون الكوري هبطت قيمته، بعد أن انهار الباهت التايلاندي، لقد كان الترابط ما بين جنوب آسيا، وشرق آسيا واضحاً. لقد لمسنا، أن هذين ليسا عالمين منفصلين".
واليوم تبرز مخاطر أزمات كبرى في المنطقة. ومن وجهة نظر كوه، فإن النمو الاقتصادي في آسيا يتهدده بالأخص تراجع الصين أو الهند. ولكن ما هو الشيء الذي يمكن أن يؤدي إلى هذا؟ يجيب كوه محذراً، وذلك قبل يوم واحد من انقلاب تايلاند الذي لم يكن يأخذه في الحسبان: "هناك احتمالات اندلاع حرب مفاجئة بين الصين وتايوان، أو بين الهند وباكستان.
إن مثل هذه السيناريوهات تبدو قديمة وباهته لكنها تبقي دائمات مطروحة على طاولة النقاش.

الأكثر قراءة