ضعف حول النزاع ضد التدخين .. المستهلك ضحية

ضعف حول النزاع ضد التدخين .. المستهلك ضحية

ضعف حول النزاع ضد التدخين .. المستهلك ضحية

يحظى المستهلك بكامل القوة والسلطة في الأسواق، فالمستهلك هو الذي يحدد السلع والمنتجات التي يرغب في شرائها، والإعلانات التجارية يصدقها ويقتنع بها.
والمستهلك بيده وحده حسم أمر نجاح أو فشل أحد المنتجات والشركات. وعلى المرء أن يستدعي إلى ذاكرته دوماً وباستمرار هذا الموضوع الجوهري المتعلّق باقتصاد السوق الذي يتعلّق بصورة المواطن الناضج بوضوح، خاصةً عندما يدور الأمر حول صناعة التبغ، والمدخنين، حيث تتجاذب حلقاتها حول بعضها البعض.
فعن طريق الحظر الإعلاني الإلزامي الذي أصدره الاتحاد الأوروبي لمنتجات التبغ، والدراسات الجارية في ألمانيا حول حظر التدخين بالكامل في المؤسسات والدوائر العامة تهدف إلى الحد من إقبال المجتمع على التدخين. تقول الإحصاءات أن واحدا من كل أربعة من الألمان يدخن، وهو مدرك لمخاطر المرض، والموت المبكّر الذي يسببه التدخين. ومن وجهة نظر الكثير من المدخنين، فقد عمل النيكوتين غشاوة على أبصارهم وحال بينهم وبين الإدراك السليم. ويقتنع الكثير من الساسة، بأنه لا يمكن ترك القرار للمواطنين أنفسهم، فيما إذا أرادوا التدخين أم لا، وأين ومتى. وإذا ما تم بالفعل اتخاذ مثل هذا القرار، عندها سيضيع جزء لا بأس به من الحرية واقتصاد السوق.
الحقيقة المسلم بها أن على الحكومات حماية المستهلكين من مخاطر المنتجات المؤذية، وهذه تخضع منذ فترة من الوقت إلى نطاق الفهم الذاتي للمواطن الناضج، واحتياجاته في اتخاذ قراراته بنفسه حول شكل الحرية التي يبتغيها لنفسه. وهذا يستلزم من السياسة التحفظ، خاصةً إذا ما بدأت تنخرط في المشاركة حول قرارات الشراء والعادات الاستهلاكية للمواطنين. ويشير رأي اقتصاد السوق فيما يتعلّق بالمبدأ الجذري لسياسة حماية المستهلك، إلى أن الحكومات عليها أن تخبر المستهلكين بأضرار المنتجات، ومن ثم تركهم يتخذون قراراتهم وحدهم، فيما إذا أرادوا المخاطرة والمجازفة في تحمّل مسؤولية تلك الأضرار بأنفسهم. وبالفعل فإن الألمان يعلمون ولا يزالون يتلقون العلم حول مخاطر التدخين، والتدخين السلبي. والحملات ضد التدخين اليوم تخرج عن نطاق سياسة حماية المستهلك الموازية للسوق فقط. والهدف من فرض الغرامة على التبغ، وتحريم الترويج له، ليجعل الألمان شعباً غير مدخن، عندها لابد من تحويل الشعب بالكامل. وبما أن ألمانيا انساقت إلى رئاسة حكومة الحمر الخضر، وهي صاحبة معاهدة- ضد- التدخين، ورغم أنها ألزمت نفسها بالتوقّف عن استهلاك التبغ، فإنها لا تعير هذا المشروع أية أهمية.
ويُبرر النزاع السياسي ضد التدخين غالباً بسبب التكاليف،والتي يحملّها المدخّن كأعباء على المجتمع بصورة إضافية. وبناءً على تقديرات متحفّظة، فإن المدخّنين يحمّلون النظام الصحي بأعباء وتكاليف مالية قدرها خمسة مليارات يورو سنوياً. وهذه تعادل نحو ثلث الدخل الإجمالي، الذي تحققه الحكومة عن طريق الضريبة المفروضة على التبغ. وبالطبع الخسائر أعلى وأكبر بنحو 14 مليار يورو، تلك التي تحدث نتيجة التوقّف عن العمل بفعل الأمراض، والموت المبكّر. ولا يُفترض بالمرء نسبة هذه التكاليف إلى المدخنين في البلاد الذين يعيشون في مجتمع حر: لم يُولد المواطنون الأحرار، ليستغلّهم المجتمع كقوى عاملة في خدمته! وبالإضافة إلى هذا، فإنه حتى المعارضون للتدخين أنفسهم، يصرّحون، بأن المدخنين على الأغلب لا يحملّون الصناديق الاجتماعية أي أعباء. نعم بالفعل يتسبب المدخنون في فرض تكاليف أعلى على صناديق التأمين الصحي بالمقارنة مع المؤمنين من غير المدخنين. ولكنهم يموتون نسبياً ثماني سنوات أبكر، مما يقلل من احتمالية نفقات صناديق الأجور التقاعدية والعناية بصورة كبيرة.
وقد اعتاد المواطنون الناضجون، موازنة المخاطر، وراحوا يحددونها وفقاً لأذواقهم. وهم الذين يقررون يوماً تلو الآخر، فيما إذا أرادوا ركوب القطار السريع، وفيما إذا أرادوا رفع نسبة الكولسترول في أجسادهم عن طريق أكل رقائق البطاطا، والبيتزا، واستبدال الرشاقة بتلك النسب ام لا، أو إذا ما أرادوا أن يُصابوا بسرطان الجلد إزاء أخذ حمامات الشمس. ولحسن الحظ فهم لا يريدون أحدا منعهم من ذلك، ومع ذلك فإن فرنسا تشهد اليوم نقاشات حول فرض غرامة وعقوبة على إنتاج المقرمشات والوجبات الخفيفة غير الصحية. ولا شيء يخالف الحقيقة، بأن المواطن الناضج يتجنب تعريض نفسه لخطر التدخين. ولكن الدراسات تقول إن المدخّن يفضّل عموماً النشاطات المحفوفة بالمخاطر. والحب الخاص للمخاطر لا يبرر الأسلوب الأبوي لتعامل الحكومة معه.
وفي الوقت الراهن، فإن النزاع ضد التدخين يتم في حمله تحت شعار "حماية غير المدخنين"، لأنه لم يعد أحد يأخذ على محمل الجد مخاطر التدخين السلبي . وبالفعل فإن الخطورة الناتجة عن التدخين السلبي قد تكون سبباً في تطبيق تحريم التدخين في بعض الأماكن، مثل البلديات، لأن المواطنين حينها يُجبَرون أحياناً على قضاء بعض الوقت هناك. ومن الممكن أن تكون هذه الخطورة سبباً، في حماية العاملين من قبل زملائهم المدخنين، كما ينصّ قانون حماية العمل. ولكن المدخنين وغير المدخنين المتحضرين والناضجين يمكنهم حلّ مثل هذه المسائل اليوم عن طريق الفهم الواعي لأخطار التدخين وتأثيره على الآخرين، وهم ليسوا بحاجة إلى استدعاء التشريعات الحكومية. وكل صاحب بيت حرّ في التخلي عن تحريم التدخين في بيته وفقاً لقواعده هناك.
كذلك يتجه هذا الطلب ضد اقتصاد السوق، وذلك عن طريق سلب الحرية التجارية لبعض الشركات عن طريق تحريم شرعي للتدخين. ويقرر غير المدخنين أنفسهم، فيما إذا أرادوا قضاء وقتهم في المطاعم أو أماكن التدخين. فلا أحد يجبرهم على زيارة تلك الأماكن. ومن ناحية أخرى، تبدو الأماني بقضاء أوقات خالية من أجواء المدخنين فرصاً اقتصادية وتجارية لأصحاب المجالس والتجمعات، الذين بدأوا يأخذونها على محمل الجد بصورة متزايدة. ولا أحد يجبر أصحاب الفنادق والمنازل على عدم السماح بالتدخين داخل غرفهم. ولكن على المرء ألا يسلب الحرية من أصحاب الفنادق، في فرض شروط للمدخنين أو غير المدخنين، ليتمكنوا من استقبال الزبائن المدخنين أيضاً.

الأكثر قراءة