من السهل أن تدمر ومن الصعب أن تعمر
من السهل أن تدمر ومن الصعب أن تعمر
يحتاج الأمر إلى عدة أيام فقط للتدمير والتخريب أما البناء فإنه يحتاج إلى سنوات. وهذا ما ينطبق بالفعل علي الوضع الحالي في لبنان، فجهاد أزعور وزير المالية اللبناني يقدر التكاليف المادية لإعادة إنشاء البنية التحتية في البلاد التي دمّرها "العدوان" الإسرائيلي بنحو 400 مليون يورو على الأقل حتى الآن. لقد استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مطار بيروت الدولي ومحطات توليد الطاقة والشوارع والطرق والجسور والمجمعات السكنية والتجارية على حد سواء.
عن الكثير من المنشآت والمباني والمؤسسات التي دمرت كان قد تمت إعادة بنائها لأول مرة عقب نهاية الحرب الأهلية، التي استمرت منذ عام 1975 حتى عام 1990. وستؤدي التكاليف المادية الباهظة لإعادة تصحيح أوضاع البنية التحتية إلى ارتفاع حجم مديونية الدولة بشكل كبير. وفي أوائل التسعينيات قام رفيق الحريري بعمليات إعادة بناء شاملة ذات تكاليف باهظة. وأخيراً عندما انطلقت عمليات إعادة البناء عام 1996، بلغ حجم المديونية الحكومية نحو 13 مليار دولار. ومنذ تلك المحصّلة، يصل الحجم الحقيقي اليوم إلى 39 مليار دولار. وهذه تعادل نحو 138 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وترتفع هذه النسبة عن هذا في بعض الدول الأخرى.
وإلى جانب الدمار الظاهر فإنه لا يمكن التنبؤ بمدى الأضرار الاقتصادية حتى بعد إصلاح مطار بيروت الدولي الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية عدة مرات وحتى بعد فك الحصار الذي تفرضه البوارج الحربية الإسرائيلية علي المرافئ والموانئ اللبنانية. ويغطي لبنان نحو 97 في المائة من حاجته الأساسية من الطاقة عن طريق الواردات القادمة عن طريق البحر ويظهر حاليا شبح نقص المنتجات النفطية. وفي الحقيقة فإن الفضاء الاقتصادي للبنان يعتمد على التصدير والاستيراد، والذي يتم أغلبه عن طريق البحر. أضف إلي هذا الخسائر الهائلة بالطبع في قطاع السياحة رغم أن عام 2006 كان من المفترض أن يحقق معدلات قياسية منذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان. وكان عدد الزوّار قد بلغ خلال الأشهر الستة الأولى إلى لبنان نحو 631 ألف زائر أي بزيادة قدرها 24 في المائة عن النصف الأول من عام 2005. وفي أيار (مايو) قدّر جوزيف سركيس وزير السياحة عدد السائحين القادمين إلى لبنان بنحو 1.6 مليون سائح. وقبل عام 1975 أسهمت السياحة بنحو 20 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وكان من المفترض أن تسهم هذا العام بنحو 10 في المائة. أما الآن فيتوقّع بدلاً من ذاك أن يشهد القطاع نتائج تصل إلى حد الكارثة بسبب إفلاس شركات السياحة وتسريح ما يقدر بنحو 300 ألف شخص من أعمالهم.
وعادةً كانت قاعات الجلوس في الفنادق الكبرى في مثل هذا الوقت من العام مأهولة بالكامل طوال فترة الصيف والكثير من السائحين يجلسون على حقائبهم بسبب عدم توافر أماكن لكن هؤلاء اليوم يفرون من هنا. ولكن قبل أن يعودوا مجددا يجب العمل علي إعادة بناء الشوارع والبنية التحتية من جديد.
وفي بيروت كان عدد كبير من السائحين العرب من منطقة الخليج ومعظمهم من السعودية والكويت ـ كانوا يقضون الصيف وكانت الأعداد في ازدياد منذ عام 2001. وأغلب هؤلاء لم يكونوا ينظرون إلي لبنان على أنها واحة سياحية فقط بل كانت تعتبر لهم مقصدا استثماريا أيضا. وأسهمت شركات عقارية كبرى مثل: إعمار ودماك وشركات استثمارات رأسمالية مثل أبو ظبي للاستثمارات وأسهم كبار المستثمرين مثل الأمير الوليد بن طلال - أسهموا بنصيب كبير ومهم في عملية إعادة البناء وإعمار بيروت. وسجل هذا النجاح لعرب الخليج ولرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.
لقد أراد الحريري من خلال إنعاش قطاع العقارات والسياحة استعادة الوجه المشرق للبنان من جديد. وأسس بنفسه شركة (سوليدير) المساهمة والتي استثمرت ما يزيد على مليار دولار في عملية إعادة بناء منطقة القلب التاريخي لبيروت. وتولت الشركة نفسها بناء 115 مبنى حول منطقة الشهداء. هذا الشركة بالتحديد هبطت أسهمها من بين الأسهم كافة في بورصة بيروت بقوة وحدة بعد شن الهجوم الإسرائيلي على لبنان.
وكانت رؤوس الأموال تتدفق إلى لبنان حتى آخر لحظة. وقدّر البنك المركزي هذا العام حجم الاحتياطي لديه بنحو 13 مليار دولار. وتشير الموازنة الرأسمالية إلى تدفق من حجم الرأسمال الصافي، والذي يُعتبر أعلى بنحو 1 مليار دولار من حجم العجز في الميزان الإنتاجي. ولكن ستغيب هذه التدفقات الرأسمالية حتى فترة من الوقت. ولكن بقيت الليرة اللبنانية مستقرة حتى الآن. ونقل الإعلام اللبناني عن عمليات شراء احتياطية للبنك المركزي، والتي ينكرها مدير البنك، رياض سلامة. وحدد مجتمع البنوك، جرّاء مخاوفهم تجاه الاحتياط النقدي، حجم المدفوعات للفرد الواحد بما يعادل ألف دولار.