بيع المنازل الخاصة يحقق دخلا أقل من المتوقع
بيع المنازل الخاصة يحقق دخلا أقل من المتوقع
تعتمد عملية رعاية كبار السن في الدولة على ثلاثة أركان هي: الراتب التقاعدي القانوني ثم مساهمات أماكن العمل و بعد ذلك تستكمل بالملكيات المالية الخاصة التي غالبا ما تتكون من ملكية المنزل الخاص أو الرأسمال الشخصي للفرد. ولكن توفير الأموال اللازمة بالنسبة لبعض الأسر ، خصوصا المستقلة في عملها ، لا يكون دائما في متناول اليد بهذه البساطة . وفي حالات من هذا القبيل يكون راتب التقاعد المستحق قانونيا- إذا كان هناك راتب تقاعدي أساسا - كافيا لسد الحاجات اليومية ، ولكن علاوات العمل لا وجود لها في هذه الحالات كما لا وجود لممتلكات على هيئة أسهم وأوراق مالية . وهذا ينطبق أيضا على المديرين ما بين سن الخمسين والستين عاما الذين فقدوا وظائفهم والذين اشتروا خلال رحلتهم المهنية منازل خاصة تصل قيمتها إلى 300 ألف أو 400 ألف يورو.
كما أن الأمر يشمل أيضا ذلك الحرفي الذي بلغ من العمر 65 عاما وهو متزوج وله ثلاثة أبناء مستقلون يعتمدون ماليا على أنفسهم . وكان للأب طوال السنوات دخل منتظم و كان يعيش حياة رخاء مثله في ذلك مثل الموظفين، ففي السنوات الأولى كان ما يحققه من دخل يقوم بإنفاقه في مجال الاستهلاك. أما في السنوات اللاحقة فقد أدرك وجوب توفير احتياطيات تعينه على المعيشة في سنوات التقاعد. ولكن الدخل لم يكن على أية حال كافيا لذلك ، فالاستثمارات التي كان لا بد منها في مشغله والإنفاق على شراء سيارات جديدة كانت تحظى دائما بالأولوية. ومع ذلك فقد أنجز رب العائلة ، على أقل تقدير، بناء منزل للأسرة وسداد جميع ما كان عليه من ديون.
وكان العقار يبدو وكأن قيمته تساوي ذهبا لأن الأعمال لم تعد، منذ سنوات ، مجزية كما كانت من قبل . وقد كانت المصروفات على السيارة ، ولوازم الغداء ، والمنزل والملابس وأقساط التأمين تبلغ 2500 يورو في الشهر، وقد كان صاحبنا حتى بعد تقاعده ينجز عملا هنا ومهمة هناك ، ولكن، و بشكل ما ، وصل الحال في النهاية إلى نهاية الطريق. ولهذا لم يكن من الغريب أن يتكرر طرح موضوع منزل العائلة ، الذي يقدر ثمنه بنحو 350 ألف ، للنقاش داخل الأسرة : إذ كيف يمكن تحويل المنزل إلى نقود ؟
لمعالجة قضايا من هذا النوع يوجد في البلدان الأنجلو – سكسونية ما يعرف بالرهن العكسي حيث تحمي البنوك وصناديق الادخار لأغراض الإسكان القيمة السوقية للبيوت بعد خصم نحو 20 في المائة ، ثم تمنح قرضا يمثل 90 في المائة من القيمة السوقية للمنزل وهو ما يساوي في الحالة موضوع الدراسة 250 ألف يورو. وبعد ذلك يجري الاتفاق على الراتب التقاعدي الذي يطلبه المالك ، وليكن مثلا ألف يورو شهريا ، ثم يتفق الطرفان على نسبة الفائدة التي قد تصل إلى 5 في المائة سنويا . والآن يصبح لزاما على البنك أن يفتح صنبور النقود ليتدفق منه ألف يورو شهريا كما هو متفق عليه . ومن خلال الدفعات الجارية والفوائد السنوية يتصاعد حجم القرض كما الماء في الإناء . أما النقطة الحرجة فيتم الوصول إليها بعد ثلاث عشرة سنة ونصف : حيث يصبح المتقاعدون من كبار السن مدينين بنحو 249 ألف يورو، وعندها يغلق البنك صنبور الإقراض ، فيصبح من الضروري البحث عن حل . وفي الغالب يكمن هدا الحل في بيع بيوت المدينين لأن الملاك ليسوا في وضع يمكنهم من الاستمرار في دفع الفوائد المستحقة.
أما في ألمانيا فليس للرهن العكسي أي دور يذكر. فهنا يبرز في المقدمة الحصول على قروض واستثمار الأموال. فالعامل الحرفي يرهن العقار من أدنى نقطة فيه إلى أعلاها مقابل قرض يبلغ 250 ألف يورو . ومقابل ذلك يدفع ، بموجب اتفاق على الفائدة لعشر سنوات ، 4.5 في المائة أو 938 يورو في الشهر. أما مبلغ 250 ألف يورو فيودع في صندوق تأمين للرساميل يدفع تقاعدا للشخص المعني مدى الحياة، فإذا أعطى الاستثمار بهده الطريقة عائدا سنويا قدره 3.5 في المائة سنويا فإن هذا يضمن راتبا تقاعديا شهريا قدره 1443 يورو، وذلك بعد تسوية ضريبية أولية بنسبة 18 في المائة، فلو تبين أن هذا الدخل خاضع في النهاية لشريحة ضريبية قدرها 25 في المائة سيتبقى من الراتب التقاعدي 1375 يورو شهريا كدخل صاف. وبالتالي يحصل الزوجان على راتب تقاعدي فعلي لا يكاد يكفي لتبييض البيت. فحتى لو تم استثمار كامل القرض في أسهم وسندات سيبقى الدخل ضئيلا، بحيث لو تم استثمار 125 ألفا في سندات الخزينة ومثلها في أسهم عادية بعائد سنوي لكل منهما قدره 3.5 في المائة فإن المحصلة ستبقى في النهاية محصلة بائسة في حدود 614 يورو ، وهو ما يدفع المالك للاستنتاج ، بعد تقليب المسألة على أوجهها المختلفة ، بأنها لا تستحق كل هذا العناء. فأولا لن يستطيع الزوجان أن يحققا طفرة كبيرة في حياتهما بمبلغ 600 يورو ، وثانيا يبقى هامش المائة ألف يورو ، وهو الفرق بين قيمة القرض وقيمة العقار قائما دون حل ، وثالثا يظل أصحاب العقار ملزمين بالتعايش مع خطر أن تؤدي إصلاحات فجائية للعقار إلى تخفيض الراتب التقاعدي.
في غالبية الحالات ، وخصوصا في ظروف تكون فيها الحاجة للمال حاجة ماسة ، لا يكون ثمة بديل عن بيع العقار واستثمار الثمن المتحقق من عملية البيع . ومهما كانت صعوبة إنجاز عملية البيع بالنسبة للمستثمرين فإن الآفاق التي يتيحها هذا الحل آفاق واعدة تمكن الشخص المعني من التمتع بكامل القيمة السوقية ومن استثمار ماله بالطريقة التي تناسب تصوراته . ومن الممكن في هذه الحالة استثمار رأس المال في الأسهم والسندات والمشاركات بحيث يصبح من الممكن تحديد مستوى الراتب التقاعدي الشهري وفقا لما يرى المعنيون بالأمر.
ولكن هذه الخطوة لا يقدم عليها الكثير من المستثمرين بسهولة فهم قد عملوا بكدّ عشرات السنين وتحملوا أعباء الديون من أجل هذا البيت, وغير هذا فهي تجربة مرة أن يكون المرء مضطرا بعد كل هذه المعاناة أن يخسر هذا الكنز عندما يتقدم به العمر. ولكن عندما تصبح الخزانة خاوية فليس ثمة طريق للنجاح سوى القبول بهذه المبادلة: حيث يجري بيع البيت وانتقال أصحابه الذين تقدم بهم العمر إلى إحدى الشقق السكنية مقابل إيجار متفق عليه. إن بيع البيت واستثمار مبلغ 350 ألف يورو يضمن راتبا تقاعديا شهريا في حدود 2100 يورو ، إذا ما تم استثمار المبلغ للعشرين سنة المقبلة في أربعة مجالات استثمارية بواقع 75 ألف يورو في كل من صناديق التقاعد والسندات والأسهم والنقل البحري, وهذه تدر عائدا سنويا يراوح بين 3.5 و10 في المائة.
ومن مبلغ 2100 يورو يجب دفع قيمة الإيجار وليكن على سبيل المثال 700 يورو وبالتالي يتبقى هناك 1400 يورو وهي لا تكفي لتحقيق قفزة كبرى في المستوى المعيشي ولكنها تكفي بالتأكيد لتأمين ضرورات الحياة الأساسية. ولكن الأهم من ذلك بعض النواحي التي لا تخطر على بال غالبية ملاك البيوت ، إنهم لا يقعون تحت طائلة المديونية و يستمتعون على الأقل بامتلاكهم 350 ألف يورو هي قسمة المنزل . ولكن من المحتمل جدا أن تكثر في السنوات المقبلة، الوجوه التي تكسوها ملامح الحزن والكآبة في بعض المناطق لأن ملاك العقارات يجب أن يدركوا آنذاك أن عقاراتهم غير قابلة للبيع أو أنها يمكن أن تباع لكن بخصم كبير.
إن أسعار العقارات المستخدمة لأغراض شخصية لم تتراجع في الشرق فقط و إنما في غرب الجمهورية كذلك لأن الأزواج من الشباب يستغنون عن إنجاب الأطفال، أو لأن الأسر الشابة لا تجد لها أماكن عمل إلا في المدن الكبيرة . وبالتالي فإن تراجع الطلب على البيوت والشقق السكنية في الضواحي ابتدأ يؤثر منذ الآن على قابلية العقار للرهن، حيث لم يعد غالبية الملاك قادرون على الحصول على قروض مقابل ممتلكاتهم وذلك لتخوف البنوك من احتمال عدم القدرة مستقبلا على التخلص من هذه الممتلكات، ومن هنا يجب على المواطنين من كبار السن ، الذين يفكرون جديا في استثمار منازلهم ، أن لا يترددوا طويلا ، فالبيع واستثمار حصيلة البيع هي خير حل طالما ستكون هناك ثمة نقود.