فرنسا أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية من ألمانيا

فرنسا أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية من ألمانيا

فرنسا أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية من ألمانيا

أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال زيارته برلين أخيرا، دهشة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فقد صرح شيراك بأن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في فرنسا وصل إلى ضعف حجم نظيرتها في ألمانيا. ومن هنا ثارت عاصفة من التساؤلات، فهل الاتهامات التي وجهت لفرنسا بأنها تحاول حماية إنتاجها الوطني مجرد ادعاءات؟ وهل فرنسا في حقيقتها أكثر انفتاحا على المستثمرين الأجانب عما تتظاهر به؟
إن نظرة سريعة على الإحصائيات الأوروبية تقول إن شيراك على صواب، ولكنه في الوقت نفسه ليس كذلك. فالنتائج الأخيرة من 2004 تشير إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في فرنسا بلغ 430.4 مليار يورو، أي أقل منه في ألمانيا، حيث بلغ 530.7 مليار يورو. لكن بسبب الاختلاف في القوة الاقتصادية بين الدولتين، يلعب هنا إجمالي دخل الدولة BIP الدور الفاصل في المقارنة، في هذه الحالة ستصبح النتيجة حينئذ لصالح فرنسا. فطبقاً للنتائج الواردة من صندوق النقد الدولي بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في فرنسا 45.6 في المائة من إجمالي دخل الدولة، بينما بلغ في المملكة المتحدة 36 في المائة، وفي ألمانيا 24.6 في المائة.
والمُلاحَظ من هذه المقارنة أن الاقتصاد الألماني أكبر تقريبا بنسبة 30 في المائة من الاقتصاد الفرنسي. وأحد أسباب تراجع ألمانيا مقارنةً بفرنسا يعود إلى أنه في الدول الكبيرة تكون نسبة الاستثمارات المباشرة بالقياس إلى دخل الدولة الإجمالي أقل منها في الدول الصغيرة.
ففي الولايات المتحدة مثلا، تشير الإحصائيات إلى أن هذه النسبة لا تتعدى 23 في المائة من دخل الدولة الإجمالي، لهذا ومن منطلق المقارنة بين الدولتين في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر فقط، يصدق القول إن فرنسا كانت في الماضي أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب من ألمانيا، فللأسف، لا تبين الإحصائيات واقعيا كيف يتم الاستحواذ على الشركات الفرنسية بهذه السهولة.
ووفقاً لدراسة أجراها معهد الإحصاءات الفرنسي "إنسي"، تزايد في الأعوام ما بين 1993 و2003 عدد الشركات والفروع الممتلَكة لأجانب في فرنسا ثلاثة أضعاف ليصل تقريبا إلى 18 ألف شركة وفرع، وتضاعف كذلك عدد العاملين في الشركات الأجنبية ليصل إلى 1.88 مليون موظف. ويشير البنك الألماني الاتحادي إلى أن عدد الشركات التي يسهم فيها الأجانب بلغت عام 2003 نحو 3100 شركة، وأن عدد الموظفين كان أكثر من 1.2 مليون موظف. ولكن بسبب ضيق النطاقات في التسجيل الإحصائي في ألمانيا فإن الأرقام الواقعية أعلى من ذلك بلا شك.
من جانبه، أشاد الاتحاد الأوروبي بدور فرنسا الفعّال في اندماج وتكامل السوق الفرنسية مع الاستثمار الأجنبي. فمؤشر قوة الاستثمار المباشر الذي تحسبه الهيئة الأوروبية للإحصاء "يوروستات" من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة السنوية داخل البلاد مع مجموع الاستثمارات الوطنية المباشرة خارج البلاد بالنسبة إلى دخل الدولة الإجمالي، بلغ معدله في فرنسا 3.1 في المائة للأعوام من 2001 حتى 2004، مشابها للمؤشر ذاته في المملكة المتحدة، بينما بلغ مؤشر "يوروستات" لألمانيا 0.8 في المائة فقط.
هذه النتيجة غير مفاجئة، فبعد الانفجار في أسعار الأسهم وعمليات الاستحواذ أثّر التدهور الاقتصادي الناتج في ألمانيا سلبياً على استعدادية الشركات الألمانية في الاستثمار ليس فقط في داخل البلاد ولكن أيضا خارجها. فعند مقارنة مؤشر "يوروستات" في قوة الاستثمار المباشر بين فرنسا وألمانيا في معدل الأعوام من 1992 إلى 2000 نجد أن التفاوت ضئيل جداً، وهذا يدل على أن النمو الاقتصادي الضعيف في ألمانيا هو الدافع إلى قلة الاستثمار المباشر في الأعوام الأخيرة.
وكما تشير إحصائيات البنك المركزي الألماني زادت الشركات الألمانية بصورة ملموسة العام الماضي من حجم استثماراتها الخارجية القائمة بقيمة 37 مليار يورو وذلك لأول مرة منذ عام 2000، وكذلك ازدادت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ألمانيا بصورة هائلة لتصل إلى 26.3 مليار يورو بعد انكماشها في 2004، وبهذا تحسنت قوة الاستثمار الأجنبي المباشر في ألمانيا، لتكون بادرة خيرٍ لهذا العام يتنفس الاقتصاد فيه الصعداء.
وبمقارنة حجم الاستثمارات على الأقل، يعتبر تراجع ألمانيا العام الماضي خلف فرنسا أمرا واضحا، فقد بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر 38.3 مليار يورو. ولكن هذا التقدم الفرنسي بدأ في الاضمحلال، فقد خسرت فرنسا العام الماضي من رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل البلاد والاستثمارات الوطنية المباشرة خارج البلاد رساميل استثمارية بقيمة 41 مليار يورو، بينما خسرت ألمانيا عشرة مليارات.
الجدير بالذكر أن المقارنة في أرصدة الاستثمار المباشر لا تأخذ بعين الاعتبار أن استثمار الشركات المحلية في الخارج سيسهم في انفتاح أسواق جديدة واستيراد منتجات بتكلفة أقل، ما سيعود بالفائدة الإيجابية على قدرة هذه الشركات المحلية في المنافسة.

الأكثر قراءة