( الناسْ تدْري بالْجدايِدْ والأَسْمالْ )
القادة الألمان وأبرزهم هيلموت كول وجريهار شرودر، اللذان استطاعا أنْ يعطيا ألمانيا منذ انهيار سور برلين الكثير فيما يتعلَّق بتنظيم وترتيب الشأن الاقتصادي للبلاد، وأنْ يثبتا توحيدها بالنظم والقوانين المرنة والحياة الرغدة، وتوفير الوسائل والطرق لزيادة الأبحاث والإبداع وتوفير التقانة والمعلوماتية.. الخ.
الأبحاث والدراسات المقارنة لكثير من اقتصاديات العالم، المنتشرة في الشمال والجنوب، الغنية والفقيرة، المتطورة والمتأخرة، توضِّح أنْ القاسم المشترك الأعظم لكثير من مشكلاتهم الاقتصادية تكاد أنْ تكون واحدة، مع اختلاف الأسباب لقيامها، وتعدد الاعتبارات لتفشِّي وجودها، وتعطيل النظم الاقتصادية لمواجهة تحدياتها وإيقاف أضرارها الاجتماعية، بل ربما ظهورها في الاقتصاد وانتشار تجزُّر سلبياتها تكون وراء عوامل غير مباشرة لتردِّي الأحوال الاقتصادية وتأخير الاستثمار وهجرة رؤوس الأموال، وظهور القلاقل المجتمعية والضائقات الأسرية، دون أنْ تحرك وتدفع أصحابها والمسؤولين بقوة النظام، أنْ يتصرفوا بواقعية مرنة تعالج المشاكل الاجتماعية والمالية والأسرية، وفي الوقت نفسه، مواجهة القاسم المشترك الأعظم لمشاكل العالم الاقتصادية المتمثِّلة في مشكلة البطالة التي تعتبر تحدي القرن الواحد والعشرين الأعظم، لشعوب العالم قاطبة، وتدفع الحكومات روابط العمال، وعلى الرغم من متغيرات اقتصاديات العالم، زيادة التمسَّك بنظم وقوانين مقننة وثابتة، وتطبيقات عاجزة، في عالم احتياجاته متعددة ومتغيراته كثيرة وفرص الاستفادة من معطيات، ومرونة تطلعاته والتعامل معه عظيمة لزيادة الاستثمار الذي أهم مفترضاته الربحية، ووجود "العمالة المناسبة" للظروف والاحتياجات، وتوافر الأسواق والتقانة والابتكار، ومراعاة المستثمر والمشرِّع والمنفِّذ للقوانين الموضوعة، ومسؤولياتهم لتوافق مخرجات مهنية العمالة مع احتياجات السوق، وتجنُّب فرضية تسعير الاقتصاد، وفقاً لمرئيات مسؤولة، عن مرجعيات توفير المعرفة والتعليم وفقاً لاجتهاداتها، أو وجهة عمالية رسمية ترى أنَّ طريق الصلاح في "كن ليكون"، دون أي اعتبارات لعمالة منتجة تقوِّي القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
يعتبر الاقتصاد الألماني من أقوى الاقتصاديات الأوروبية، وما زال يحافظ على المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، ويتمتَّع بقدرة تصديرية تنافسية عالمية للغاية، على الرغم من أسعار التصدير المرتفعة لبضاعتها المشهود لها بالجودة، والعمالة الفائقة التخصص، والمركِّزة خبرات أدائها في مجالات تقنية عالية وضيقة، والمدعومة بالتقنية المتقدمة والاستثمارات الضخمة والقوى البشرية العالية الكفاءة والتدريب والإبداع والتقانة. إنَّ الصراع بين تحسين الأجور والدخول، وزيادة الإنتاجية، وتقوية المنتجات كان الطابع السائد المزامن لإعادة بناء الاقتصاد الألماني بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بتعقُّل وحكمة أفادت الاقتصاد الألماني خاصة في بدايات تكوينه، وفتحت الأسواق العالمية، وكسبت المنتجات الألمانية الرضا العالمي، وتوسَّعت مبيعاتهم وزادت طاقاتهم الإنتاجية، بما ساعد من توافر التخصص المركَّز المهني وما استوعبته العمالة الألمانية المتعطِّشة للعيش والعمل وتحسين مستوياتها، وأحدثت المعجزة الألمانية التي جذبت رؤوس الأموال الخارجية وفتحت المجالات للعمالة الأجنبية ذات التخصصات العامة، ونجحت في الاستفادة من توفير النظم والقوانين المرنة والاقتصاد المفتوح، ودوره في البناء والعطاء والفائدة والاستفادة، ودون إغفال التطاحن مع الشطر الشرقي الألماني، نتيجة انعكاسات المواجهة بين حلفي وارسو والأطلنطي، والتي وضَّحت معالم أبعاد مشاكل البطالة بعد انهيار سور برلين، ووضح التباين في قوة الاقتصاد بين ألمانيا الشرقية والغربية، والتفاوت في الأوضاع العمالية وحاجة الثانية لتقديم العون والمساعدة لألمانيا الشرقية للنهوض بأحوالها الاقتصادية لترقى وترتفع إلى المستويات الاقتصادية الاجتماعية في ألمانيا الغربية أكثر من التوحيد الاقتصادي وفي ضوء الاختلافات العمالية الكبيرة.
برنامج الإنقاذ لألمانيا الشرقية تعثَّر عمَّا كان مخططاً له، لإغفال اعتبار المشكلة العمالية "القلب" الذي تدور حوله جميع الأجزاء، مما دفع ألمانيا الشرقية، عوضاً عن الانفتاح على ألمانيا الغربية، أنْ تتسلل وتتغلغل إلى اقتصاديات أوروبا الشرقية، وفي أسواقها بالتقنية والسلع ورأس المال مسلَّحة باليد العاملة المدرَّبة بما يتماثل مع الاحتياج ودون زيادة أو نقص، والرخيصة بمعدَّل نصف ما هي عليه في ألمانيا الغربية، وأثبتت أنَّ اجتذاب الأعمال وراء العمالة المدرَّبة بالقدر المطلوب، والرخيصة القادرة على توفير الإنتاجية بالكلف المزاحمة لتوفي احتياجات الأسواق الداخلية بجانب الواردات الأجنبية والمزاحمة في الأسواق الخارجية التي منتجاتها تتفوق عليها بالجودة والتطوير والابتكار والأسعار والشروط المزاحمة.
القادة الألمان وأبرزهم هيلموت كول وجريهار شرودر، اللذان استطاعا أنْ يعطيا ألمانيا منذ انهيار سور برلين الكثير فيما يتعلَّق بتنظيم وترتيب الشأن الاقتصادي للبلاد، وأنْ يثبتا توحيدها بالنظم والقوانين المرنة والحياة الرغدة، وتوفير الوسائل والطرق لزيادة الأبحاث والإبداع وتوفير التقانة والمعلوماتية.. الخ، لكن عجزا أنْ يحتويا البطالة، أو تجنُّب تحمُّل مسؤوليات فشلهما لتكون البطالة "المؤثر الأكبر" في الانتخابات الألمانية الأخيرة، والتوفيق لم يصاحبهما فيما تعهدا به من النهوض باقتصاديات ألمانيا الشرقية وزيادة الاستثمارات وتخفيض البطالة من مستوياتها المقدرة بنحو 25 في المائة، بينما هي عليه في القسم الغربي لا تزيد على 5 في المائة.
المتغيرات الاقتصادية الكبيرة، من المفهوم الجديد لانفتاح السوق، ونوعية العمالة والخيارات المتوافرة للتعامل مع البطالة في ضوء تفاعل الأوضاع التنظيمية لكثير من اقتصاديات العالم، خاصة وأنَّ وتيرة تحركها بطيئة، وفي كثير من الأحيان إعدادُها وتطبيقاتها لا تلتزم بالمتغيرات الاقتصادية الجديدة وتتأثر باعتبارات بعيدة عن التنظيم الاقتصادي المتكامل، ولا تتضمن قُرباً تخطيطياً للهدف الاقتصادي المتفق عليه أو التوجه المتعارف عليه. وعلى الرغم من عظمة ألمانيا بين كثير من اقتصاديات الدول الصناعية، ولاعتبارات اجتماعية وسياسية واقتصاد كبير وأموال كثيرة وأرباح مالية، وحرية الأسواق المتغيرة ومناخ الاقتصاد العالمي الجديد، فإنَّ استثمارات ألمانيا قليلة في الغرب الألماني، ونادرة في الشرق الألماني الذي يتعطَّش للاستثمارات ويشكو البطالة المنتشرة. إنَّ الاستثمارات سواء في ألمانيا العظيمة، أو السوق السعودية وخلافها، وفي ضوء اقتصاديات العالم الجديد تفضِّل الانتقال إلى حيث العمالة المسؤولة المنتجة واليد العاملة الوفيرة المدرَّبة والمناخ الذي تترابط فيه عوامل السوق ومراكز الأبحاث والتطوير والهيئات الرسمية الخدمية من صحية وتدريبية وثقافية.. الخ، مجتمعة وليست مفرقة عبراً ودروساً من مجريات الأحداث المعنية في شطري ألمانيا وأنْ تترتَّب عليه أهمية منطقية توحيد النظم والقوانين للأسواق، وليست المقيِّدة منها عن روابط العمال والجهات الحكومية المتعلقة بها، ولا مانع من تساوي النظم لكامل الاقتصاد وليس للأمور العمالية المرتبطة باعتبارات مغايرة لتجنُّب ما يحدث في السوق الألمانية، ومقارنة بمناطق مجاورة لدرجة جعلت التكلفة الإنتاجية مقارنة بدول الجوار مرتفعة بغض النظر عن التقارب والتفاوت في الخبرات.
شركة كورية صناعية قررت أخيرا الاستثمار في دولة أوروبية لتقوية وضعها المزاحم داخل أوروبا، وأجرت بحثاً ميدانياً للأوضاع الاقتصادية القائمة في اقتصاديات دول أوروبا، وترتَّب على دراستها أنَّ أحسن النظم العمالية وتكلفتها والثروة العامة لها تتوافر في الشيك وبولندا وسلوفاكيا، مما دفع رؤساء جمهوريات الدول الثلاث الجري وراء الفرصة الاستثمارية، والتزاحم للفوز بإقامة المشروع الصناعي الذي مقدر له أنْ يمتص 300 ألف مواطن في بلدهم، ويتمكنوا من المعالجة الجزئية للبطالة عن طريق زيادة الاستثمار المتأثر بالترغيب والترحيب برؤوس الأموال الأجنبية ومشاركة الغير في عملية الإصلاح الاقتصادي وفقاً لنظم وقوانين واضحة ومعروفة وقابلة للتطبيق وفقاً للزمن المقدر لها. "إنَّ الوقت من ذهب فإنْ لم تقطعه قطعك". الملاحظ على أدائنا الإداري أنَّ التعطيل جزء من تثبيت المسؤولية والصلاحية دون اعتبار للأضرار الواضحة المترتبة. إنَّ الملاحظ في الدول الصناعية والنامية، القائمة على النمط الغربي، أنَّ صاحب القرار الرسمي جزء لا يتجزأ من المنفعة المرتقبة، والتي عائدها ينعكس في الازدهار الاقتصادي ويشجِّع على الاستثمار وتوفير فرص عمل متجدد لتقليص البطالة.
ظروف العمل في السعودية مغايرة لما هي عليه في ألمانيا وكثير من بلدان العالم. لكن تقاربنا لبعضنا في مشاركة هموم البطالة بيننا، لا يغيره أو يبدله اختلاف البدايات وتغير الظروف والملابسات، وأنَّ أسواقنا المحلية كبيرة وواسعة، حتى من دون الإقدام على التصدير، وتستطيع أنْ تستوعب كثيراً من العمالة العاطلة، شريطة أنْ تكون "حلول البطالة" ضلعا من مثلث التنمية الاقتصادية المشارك في مسؤولياته، واقتسام مصالحة الأطراف المعنية، وإلاَّ فإنَّ استمرار بقاء أوضاع العطالة والبطالة واستفحالها سيستمر على رغم التطوير في التعليم والتدريب والابتعاث، طالما أنَّ مخرجات هذه المعاهد ما زالت لا تتوافق مع فرص العمل المحتملة، وأنَّ الفرص تقلَّصت عن التوقعات، وازدهار الأعمال يتبخر في الأجواء المضطهدة لحرية الأعمال. وما يؤسف له أنَّ الهمس بعدم الرضا على مستوى الجهر، في الوقت الذي يفوق فيه اقتصاد السعودية إجمالي اقتصاديات الدول المجاورة، أضعافا مضاعفة، وأنها تنعم بازدهار مستمر لم تعهده، خاصة في وفرة هجرة الأموال والسياح والمتسوقين والمستثمرين السعوديين إلى الخارج. الحرية الاقتصادية، لابد أنْ تحكمها نظم وقوانين مرنة، لأنَّ عدم اتباع النظم ضرب من الفوضى الاقتصادية، كما أنَّ شدة النظم "يترتب عليها" كتمان قاتل أبرز مظاهره البطالة.
البطالة مشكلة صعبة ومعقدة، والجهود لمواجهتها ومتابعتها واضحة وظاهرة. والنتائج الإيجابية لا يمكن أن ينظر لها من جوانب متفرِّقة ومتعددة، ويغلب عليها تقاسم الثواب والعقاب "بالبداوي". التعاون الملتزم بمستويات متوازية للمسؤولية والمشاركة من الأطراف المعنية الأهلية والخاصة، مطلبان أساسيان وحيويان لجمع شمل المؤسسات المسؤولة عن توفير القدرات والمهارات للخطة التنموية الاقتصادية الاجتماعية، وأهم الجهات الرسمية العمالية وأصحاب العمل والمستثمرين الأجانب والسعوديين رجال ونساء. وتوفر النمطية المسؤولة لإنجاز الأعمال وفق الإدارة السليمة، والالتزام لابد أنْ يصاحبه وعي تعاوني حسن لتحقيق الإنتاجية والربحية والتكلفة والجودة وكل ما له علاقة بأنْ تصنع البلاد ما تحتاج شراءه واستيراده وتصديره إلى الأسواق الداخلية والخارجية، وعن طريقها تتوافر فرص التوظيف والتشغيل والازدهار.
ورغبة في إشراك وجهة نظر خليجية وتسليط الضوء على هذه المعضلة، أنقل وجهة نظر اقتصادية عن "أسواق العمل في الخليج"، بقلم الباحث الاقتصادي الكويتي عامر ذياب التميمي، "الحياة" 3/10/2005، قوله "إنَّ تطوير أسواق العمل في بلدان الخليج يجب أنْ يستظل بقوانين عصرية واستراتيجيات واعدة، تهدف إلى توفير عمالة وطنية في مختلف المهن والوظائف المتاحة في هذه الأسواق. وإذا كان الهدف الأساسي لحكومات دول المنطقة تحويل اقتصادياتها من تلك التي تعتمد على الريع النفطي إلى اقتصاديات تعتمد على المبادرة، والدور الأساسي للقطاع الخاص والمنافسة الجادة، فإنَّ عليها أن تطوِّر أنظمتها التعليمية لتوفير الكوادر الملائمة في القطاعات الاقتصادية المختلفة". مضيفاً القول "لكن أهم من ذلك كله هو أنْ تواجه هذه التحديات ضمن برامج التحولات الأساسية في الأنظمة الاقتصادية، بحيث تُزال التشوهات الراهنة على أسس موضوعية ومتدرجة وبموجب فهم مقبول للمتغيرات الجارية في بنية الاقتصاد العالمي وأهمية اقتصاداتنا لها".
لقد تقدَّم المفهوم العام لمسؤوليات المواطن العامل وصاحب العمل والمسؤول عن الجوانب المختلفة للإعداد والتأهيل والتعليم والتطوير والتدريب، وتحسَّنت نظرتهم لبعضهم البعض بما يُثلج صدورنا لعلاقات طيبة، لكن التفاهم عن الاحتياجات والمتوافر، والبرامج والمخرجات وكل ما له علاقة بتقريب المطلوب من المتوافر في أودية مختلفة وحتى لقاءها، فنحن نعيش فرصاً ضائعة وهدراً مخيفاً ومستقبلاً على كف عفريت والله أعلم.
تاجر – كاتب اقتصادي.