أصغر دولة في العالم .. تتطور اقتصاديا

أصغر دولة في العالم .. تتطور اقتصاديا

أصغر دولة في العالم .. تتطور اقتصاديا

يجب عليك ألا تكون صغيراً في هذا العالم إلى درجة تمكنك من الاختفاء عن أعين الأقوياء فقط بل يجب عليك أن تكون في نفس الوقت قويا بما يكفي لتتحمل ضربات التاريخ.
وهذا هو سر تلك الدولة الصغيرة.. إمارة ليشتنشتاين وعاصمتها فادوس، إنها دولة صغيرة لا يكاد عدد سكانها يزيد على أربعين ألف نسمة وتقع في وادي نهر الراين الساحر ما بين ألمانيا وسويسرا. ولا تزال هذه الدولة تحكم تقريباً بنفس نظام الحكم الذي كان سائدا في الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر. كانت إمارة ليشتنشتاين في وقت من الأوقات موضوعاً لمئات من روايات الجريمة، وملجأ للمطاردين لكنها أصبحت اليوم مركزاً مالياً ممتازا فالإمارة تضم كثيرا من الأعمال التي تثري بنوك ليشتنشتاين وتثري أيضا الكثيرين من السكان. وهذه الإمارة يحكمها أمير ذو سيادة وهو ليس خاضعاً بالضرورة لتوجيهات البرلمان، هذه الخاصية وغيرها كثير هي من خصائص ليشتنشتاين.
تحتفل هذه البلاد هذا العام بذكرى مرور مائتي سنة على استقلالها. ومن أجل الاحتفالات بهذه المناسبة تبرع أمير البلاد بمبلغ 3.2 مليون فرنك. ويذكر في هذا السياق أنه في 12 تموز(يوليو) 1806، وفي وقت كان نابليون يهيمن على أوروبا، أصبحت ليشتنشتاين شريكاً ذا سيادة وعضواً في "عصبة الراين" الألمانية، التي كان عدد أعضائها 15 عضواً، وهي العصبة التي كانت تبدو أقرب ما تكون بالاتحاد الأوروبي الراهن.

في البداية مرت على الإمارة أوقات عصيبة من العوز والفاقة. وفقط بعد الحرب العالمية الأولى أصبحت ليشتنشتاين تنعم بالرخاء بفضل فكرة تبني الأشكال القانونية الأنجلو – ساكسونية للمشاريع، وبفضل الانخراط في الفضاء الأوروبي. ولعل من قبيل محاسن الصدف أيضا أن الإمارة استطاعت اعتماد الفرنك السويسري عملة لها. كما لم تعد ثمة ضرورة لا لجوازات السفر ولا للجمارك بينها وبين سويسرا. وقد أصبحت الإمارة اليوم عضواً في الأمم المتحدة، وفي منظمة التجارة العالمية، والمجلس الأوروبي والمنطقة الأوروبية للتجارة الحرة، كما أنها أصبحت تنتمي للفضاء الاقتصادي الأوروبي وقد استطاعت الإمارة أن تجني من كل ذلك مكاسب جمة.
وفي حديث مع المعهد الدولي للاقتصاد الأوروبي" تلكأ الأمير في إعطاء إجابة صريحة حول موضوع " تبادل المعلومات حول التهرب الضريبي" لأنه، كما قال، لا يؤمن بإمكانية تبادل المعلومات حول الأجانب المقيمين في ليشتنشتاين حتى لو توافرت معلومات عن حدوث تهرب ضريبي.
ومن المعروف أن التهرب الضريبي يتم دائماً بطرق احترافية وتحت ستار عمل تجاري مزيف. أما إمارة ليشتنشتاين فليست على استعداد لتقديم أي مساعدة قانونية لازمة في حالة قيام أجنبي تملك حساباً بنكياً في الإمارة بتعبئة نماذج الدخل لأغراض الضريبة بطريقة ملتوية. أما إذا اشتدت الضغوط فثمة دائماً حل لذلك وهو "هروب رأس المال من أوروبا". وقد بدأت إمارة ليشتنشتاين بالفعل في تلمس الإمكانات المتاحة في الدول الآسيوية لتعاون مشترك مع مراكز مالية كدبي مثلاً . ويبدو أن ذلك بات ضرورياً بالنسبة لإمارة ليشتنشتاين إذا كان لا بد لها من الصمود طويلاً في وجه منافسة البنوك في سويسرا وغيرها من البلدان.

ترى هل يمكن التغلب على هذه الخصوصيات الخاصة بإمارة ليشتنشتاين؟ يقول الأمير: "إن المنافسة في أوروبا ليست عادلة دائماً"، فالاتحاد الأوروبي يطلب من ليشتنشتاين خاصة التقيد بدقة بكل الإجراءات اللازمة لمنع التهرب الضريبي. وفي هذا يقول الأمير، وبأسلوب أبعد ما يكون عن الدبلوماسية:"إن من الأفضل في بعض الأحيان، وعندما تتوافر الجرأة الكافية، الرد علانية على كل هذه التدخلات الوقحة من قبل الاتحاد الأوروبي. واستناداً إلى تجربة عملية يمكنني القول إن الكلمة الصريحة جلبت لنا من الاحترام أكثر مما جلبه لنا الالتزام بالصمت والتكتم".
وبمناسبة احتفالات اليوبيل أعلن الأمير أنه يفكر في إعادة النظر في قوانين المؤسسات الخيرية، حيث قال في هذا الصدد إنه يجب المحافظة على المغزى الرئيسي والهدف من إنشاء هذه المؤسسات، ولكن لا يجوز استخدامها لخدمة أغراض أجنبية. وقال أيضا إن النموذج المتبع في بلاده لإنشاء المؤسسات الخيرية هو نموذج ناجح، حيث قام البعض باستنساخه. وألمح إلى أن بالإمكان أيضا إعادة النظر في بعض مواد القوانين الضريبية السارية المفعول في ليشتنشتاين، لجعلها أكثر تكيفاً مع القوانين الدولية وأقل عرضه للانتقاد. أما بالنسبة لبعض دول وسط وشرق أوروبا فإن ليشتنشتاين تعتبر نموذجاً ناجحاً.

الأكثر قراءة